القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

الحلقة الثانية عشرة من مسودة الرواية

 ( 12 )

أحباب ديني أخوتي             إخوتي            في ليلنا كالشمعة

تبكي وتحرق نفسها             آه نفسها           في لهفة للدعوة

في نورها ولهيبها                                أمحو ظلام الغربة

والعين تعكس ما ترى                             بعد الأسى بمودة

من أين تأتي رقتي                               يا أخوتي في ليلتي

بعين قلبي لا أرى                                  إلا دموع أحبتي

 

أبكي دما من أعين                                  لما تكن في ذلة

ويفيض قلبي حسرة                                 وتحرقا للأمة

يا دمعتي لا تسقطي                               وتفارقين لمقلتي

حتى توارى مهجتي                             في رمسها من لوعتي

أحباب ديني أخوتي             إخوتي             في ليلنا كالشمعة

تبكي وتحرق نفسها             آه نفسها           في لهفة للدعوة

http://www.4shared.com/file/10933214/f2b8272b/2-__.html

 

كانت حنان محمد تدندن بصوتها العذب الرخيم الممتلئ رقة وعذوبة لأخواتها ابتهاجا بظهور عزة الحلواني بينهم بزيها الجديد .. ورغم تألق الدموع في عيني حنان ، كلما دندنت بهذا النشيد ، تأثرا بمعانيه .. إلا أن الأخوات كن يضحكن وهن في غاية السعادة ، وكان خمار عزة يتألق حول رأسها ، فكانت عروس اللقاء ..

واستفتحت حنان اللقاء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي بعد موجة المرح التي استقبلت بها التطور الجديد في شخصية عزة ، ولقد كانت حنان مسرورة توزع سرورها على الحاضرات بعينيها التي كانتا ترقصان طربا .. ولكنها رغم هذا السرور الذي تنطق به كل جوارحها ، حاولت العودة إلى جدية اللقاء فاستفتحته ثم طلبت من عزة الدعاء للحاضرات ، ثم استتلتها حنان بكلمة عن آداب الحجاب قالت :

 

تعرفن يا أخوات أن هناك شروطا للحجاب الشرعي ، كما أن هناك آدابا لهذا الحجاب .. أما الشروط فكلنا تقريبا نحفظها عن ظهر قلب ونلتزم بها في سهولة ويسر ، وها هي أختنا الحبيبة عزة قد انضمت إلى قائمة ذوات الخمار الطويل والملابس الواسعة الفضفاضة ، ومن تلك الشروط كذلك ألا يكون الزي نفسه شفافا ، أو أن يكون زينة في نفسه ملفتا للنظر ..

سكتت حنان لحظة وهي توزع نظراتها على أخواتها بالتساوي ، ثم ركزت عيناها في عيني عزة كأنها تسكب فيهما معان هامة يجب أن تتلقاها بروحها وكيانها كله .. فقالت :

 

أما آداب الحجاب وهذا هو الجانب الأهم والأكثر خطورة في التأثير والقدوة ، فيمكننا أن نستلهم بعض هذه الآداب من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته ، فهو مثلا نهى المرأة عن أن تتعطر لغير محارمها ، فالعطر ينافي الحجاب ولو كانت الفتاة ترتدي ملابس موافقة لشروط الحجاب !

 ومنها كذلك التبختر والتمايل في السير أمام الرجال ، ومثل ذلك الليونة في الحديث والخضوع في القول كما في التوجيه القرآني الكريم .. وقبل كل ذلك حث القرآن الكريم على غض البصر ..

والملفت للنظر يا أخوات أن عامة الناس إن لم يكن كلهم يظنون أن الأمر بغض البصر قاصر على الرجال دون النساء ، لما يكثر من نظر الرجل لمفاتن المرأة .. غير أن الله تعالى في سورة النور بدأ آية الحجاب بقوله تعالى : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن )

فغض البصر يا أخوات واجب على المرأة وجوبه على الرجل ..

وكل هذا يقودنا إلى فكرة الحذر من فتنة القلب وافتتانه بمغريات الشيطان وتزيينه للهوى الذي إن تمكن من قلب الفتاة فتك بها .

.

كانت حنان محمد تتحدث وهي مازالت مركزة بصرها في بصر عزة الحلواني ، ولقد بدا لها التأثر على وجه عزة ، ولمحت دمعتين تترقرقان في عينيها ..

 

كانت عزة تشعر أن الحديث رغم عموميته إلا أنه موجها لها بشكل خاص .. إنها الآن تحمل رسالة .. ففوق كونها فتاة مسلمة لابد لها الالتزام بأوامر دينها طلبا لرضا الله قبل كل شيء ، فإنها كذلك بارتدائها الخمار فكأنها تعلن عن منتج إسلامي .. لابد أن يكون هذا المنتج مطابقا للمواصفات القياسية لتعاليم الدين ، وإلا أساءت بتصرف واحد من تصرفاتها إلى هذه الرسالة التي تحملها ..

 

إنها تتذكر الآن وقع قرارها بارتداء الخمار على أمها ، فأمها لم تعارض في أمر ارتدائها الخمار والتزامها بالحجاب الشرعي ، لكنها تتذكر جيدا أنها حذرتها قائلة لها :

 

عزة يا ابنتي أنا لن أقف في طريق رغبتك في التقرب إلى الله بالطريقة التي ترينها مناسبة وشرعية .. لكنني فقط أنبهك إلى أنك ستصبحين صورة للتدين في المجتمع .. وهذا سيجعل الناس من حولك يحصون عليك سكناتك وحركاتك .. أفعالك وأقوالك .. فإن كنت أهلا لحمل هذه الأمانة فامضي على بركة الله ، وإلا فلا تظلمي ذوات الخمار بسلوكيات تسيء إليهن أكثر مما تنفعهن !!


لقد أنشجت عزة لحظتها في البكاء وارتمت على صدر أمها تستلهم منه العون ، ثم رفعت عينا دامعة وسألت أمها بصوت متهدج :

ماما .. أرجوك اصدقيني .. هل أنت ترين أن أخلاقي وتصرفاتي أهلا لحمل هذه الأمانة ؟؟..

نظرت إليها أمها طويلا قبل أن تجيب :

عزة يا بنيتي .. أنا أمك ، وشهادتي لك مجروحة .. لكني أراك نعم الفتيات خلقا وسلوكا وحسن تصرف خاصة منذ ارتبطت بصديقتيك إيمان الحوفي وحنان محمد ..

لقد شكرتها عزة وهي تضحك والدموع تبلل خدها وتهتف :

شكرا لك يا أمي الحبيبة .. ثم قبلت رأسها في حب وتقدير عميق  ..

 

إن حنان محمد في حديثها إليها كأنها تعيد حديث أمها من جديد ..

 

كانت الفقرة التالية في اللقاء تقدمها إيمان ، وكانت تتحدث عن أمراض القلوب ، وتناولت في حديثها بإسهاب طويل الهوى وخواء القلب وإتباع خطوات الشيطان ، وأسباب ذلك من اختلاس النظر ، وتعلق القلب بالعشق ومقدماته ودواعيه ..

كان حديثا مركزا .. وكان ثقيلا على قلب عزة .. كانت تتفهمه بعقلها ، لكنه كان يثقل على صدرها كأن إيمان تلقي عليه بحجر صوان !!

كانت إيمان كلما استزادت في الحديث وأسهبت في الشرح ، وضرب الأمثلة .. كأن قلب عزة يريد أن يهبط منها !!

 

وغابت عزة من جديد عن اللقاء ، وهي تتذكر نظراتها الدائمة لعادل حمدي ..

إن تلك النظرات المختلسة ، التي لا يكاد يشعر بها أحد سواها ، هي سر عذابها وسر سعادتها .. هي الداء وهي الدواء ، وكلما حزمت أمرها في نفسها بألا تعيد الكرة بالنظر إليه .. تجد نفسها مدفوعة إليه بقوة لا تملك ردها .. تبحث عيناها عنه في المدرج أينما جلس ، وتبحث عنه في ممرات وطرقات الكلية أينما ذهب أو تحرك ..

هي تعلم أن هذه النظرة كانت مدخلا لآلامها كلها ، ولكنها لا تستطيع اليوم أن تخلع نفسها منها .. إنها قدرها المكتوب الذي لا فكاك منه ولا نجاة ..

 

الأخوات يتحدثن عن النظرة المحرمة وغض البصر ..

 

ولكنها حتى إن استطاعت أن تحكم خائنة عينيها ، فهل يتركها طيف عادل حمدي ؟.. إنها تراه بعين قلبها ، وهل نظرة القلب أيضا محرمة ؟!

 

إنها تراه في خيالها أكثر وأقرب وأدوم مما تراه في الواقع .. فعادل حمدي ذلك المخلوق الخفيف النحيف كثير الحركة والتنقل لا يكاد يستقر في مكان ، ولا يواظب على حضور المحاضرات ، لتنعم بالنظر إليه .. فهو كالسراب ، أو كالشعاع المتسرب من خلف زجاج نافذتها بعد سطوع الشمس .. ترى نفسها قادرة على القبض عليه بيديها ، حتى إذا قبضت كفها تبين لها أنها قبضتها على فراغ !!

 

أما في خيالها فعادل حمدي معها .. تراه كل يوم .. ترى وجهه في صفحات كتبها ، ودفاتر محاضراتها .. وتستعيد صوته المشحون بالشجن الحبيب على أذنيها .. تراه حتى في أحلامها .. أحلام يقظتها وأحلام منامها ، فأين المفر منه ؟

بل أين المفر من النظر إليه ؟

وهل يحل التزامها بغض بصرها عنه المشكلة ؟

لقد كانت النظرة الأولى إليه كفيلة باشتعال قلبها البكر ، فأمسكت به نار ، لم تكن هي ترغب في إشعالها ، ولا رتبت لذلك ، ولا تعرف الآن كيف تخمدها ..

النار تكوي فؤادها ، ولا تعرف كيف الخلاص منها ..

 

أفاقت عزة من غياب روحها وعقلها وكيانها عن اللقاء بأخواتها .. على صوت حنان محمد وهي تختم اللقاء بالدعاء المأثور ..

وهمت الفتيات بالانصراف ، وترددت عزة في التقدم نحو الباب مع مرافقتها إيمان ..

غير أنها قررت أخيرا في نفسها أمرا ، فأسرعت الخطى مع صديقتها ، واستمرت في السير معها إلى بيتها ، كانت إيمان تتحدث كثيرا وطويلا أحاديث متشعبة بعضها عن الكلية وبعضها عن الدراسة وبعضها عن اللقاء ، ولكن عزة كانت تسمعها بأذن نصف واعية وعقل كله مشغول .. حتى أوصلتها إلى منزلها .. وودعتها في طريقها المفترض إلى بيتها الذي يلي منزل إيمان بعدة بيوت ..

لكنها تباطأت حتى إذا تأكدت من صعود إيمان إلى شقتها ، عادت عزة أدراجها في نفس الطريق الذي قدمت منه لتوها .. عادت إلى حنان محمد ، فلم تعد تقوى على الكتمان أكثر من ذلك ..

لم تنتبه عزة أنها كانت تقطع هذا الطريق باكية بحرارة .. حتى توقفت أكثر من سيدة وقد همت أن تسألها عما أصابها من حادث جلل يجعلها تقطع الطريق بجسدها لا بفكرها وهي تبكي هذا البكاء المرير ؟

لكن الله سلم !!

فلم تفق عزة إلى بكائها المرير هذا إلا عندما استقبلتها حنان محمد مندهشة وجلة ، وتطيل النظر في وجهها وعينيها وتسألها في لهفة :


ماذا ألم بك أختي الحبيبة .. هل حدث لأحد مكروه ؟

 

لم تجب عزة على سؤال حنان وإنما ارتمت بين أحضانها وانخرطت في بكاء طويل مستمر .. وحنان تمسح على رأسها وتربت كتفها في محاولة مستميتة لإخراجها من حالتها ، وأن تفهم منها ما حدث ، بعدما غاص قلبها في صدرها ، وشعرت بالقلق الشديد !!

 

حاولت حنان أن تستدرج عزة إلى الحديث ، لقد كان بكاؤها على هذا النحو يزيد قلقها ، قالت :

هوني عليك أختي الحبيبة .. أخبريني فقط ماذا حدث ؟

أجابت عزة لاهثة من بين شهقات نحيبها :

أختاه إني أشعر بالإثم .. أشعر بالذنب يتملكني ، وأشعر بذل المعصية ..

ربتت حنان كتف عزة برقة وقالت :

كلنا كذلك أختي الحبيبة .. هوني عليك .. فمن منا ليس مذنبا ولا آثما ؟

انفجرت عزة في بكاء أكثر مرارة ، ثم قالت بعد فترة :

ليس الأمر كما تظنين .. لقد كان حديثك اليوم في اللقاء ، وكذلك حديث إيمان الحوفي ينزل على قلبي مثل مطارق الحداد ..

مرت لحظة صمت وأدركت عزة أن حنان قررت عدم مقاطعتها فاستمرت قائلة :

أختي حنان إني أحب ..

قاطعتها حنان في مرح :

 ومن منا لا يحب يا عزة ؟!

تبرمت عزة وقالت في حدة :

أختي حنان لا تحسني الظن بي هكذا .. أنا لا أحب القرآن والإيمان والجنة ، كما تظنين .. وإنما أحب رجلا !!

قالت حنان في هدوء :

أدرك أنك تحبين أخا في الله .. واحدا من هؤلاء الأخوة المنشغلين بدعوتهم ، الذين يملأون الجامعة حركة ونشاطا .. ولأنه يبدو لك فارس الدعوة ، اختلط عليك الأمر وظننت أنه فارس أحلامك .. وهذه حالة تتكرر وعلاجها بسيط ، فطبيعي أن تحبي تدين والتزام هذا الأخ .. فأنت إذن تحبين الدين والالتزام ، وهذا أمر محمود ..

قاطعتها عزة بنفاذ صبر :

ليس الأمر على هذا النحو من المثالية والبراءة أختاه .. الحقيقة ..
وأطرقت عزة إلى الأرض قبل أن تضيف لاهثة كأنها تلقي حملا ثقيلا عن كاهلها :

أنا أحبه حب المرأة للرجل .. حب الفتاة لفتى .. أحب حب العشق لا حب الأخوة والالتزام ..

 

أجفلت حنان من هذه الصراحة التي لم تتوقعها من صديقتها ، لكنها سيطرت على مشاعرها سريعا وسألتها وقد أخذ صوتها نبرة الجد :

وهو ؟؟؟

أجابتها عزة في حنق :

هو لا يشعر أن هناك على وجه الأرض فتاة اسمها عزة الحلواني ..

مرت لحظة صمت قبل أن تعلق حنان :

تعرفين يا عزة .. هذا يبدو لي أنه أمر طبيعي جدا ..

سألتها عزة في ضيق :

لماذا ؟

- بالتأكيد أنه كما توقعت من هؤلاء المنشغلين بدعوتهم ..

قالت عزة في تأكيد :

لا يفكر إلا في الدعوة ، وليس له عمل سواها ..

ابتسمت حنان وهي تعلق :

        هذا إذن أمر جيد .. أعتقد أنني كنت محقة فأنت تحبين التزامه ونشاطه ..

قالت عزة في حذر :

ربما كان معك بعض الحق أختاه .. لكن النشاط والالتزام والدعوة كلها تجسدت بالنسبة لي في صورة رجل .. وهذا الرجل شخصيا يملأ علي حياتي .. أفتح كتبي ودفاتري فتطل علي صورته عبر صفحاتها .. أغمض عيني لأبعد صورته عني ، فأراه وأنا مغمضة العينين أكثر وضوحا !!

يداعب خيالي .. يتراءى لي في أحلامي .. أراه صباحا في المدرج فيخفق قلبي بعنف .. ويتحدث ملقيا خاطرته اليومية إلى الطلاب فيرقص قلبي طربا .. تلاحقه عيناي رغما عني أينما ذهب .. أعزم على نفسي عزما مؤكدا على عدم اختلاس النظر إليه فتخونني عيناي ..

اغتصبت حنان ابتسامة وهي تقول :

إن حالتك صعبة جدا يا أخت عزة !!

أكملت عزة في انفعال متجاهلة تعليق حنان :

يجب أن أصارحك أختي أن كل تطور حدث في حياتي في الفترة الأخيرة ، حدث من أجله

تساءلت حنان :

 كيف ؟

قالت عزة :

أتذكرين يا حنان أول حديث استقبلتني به في أول لقاء بيننا ؟. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ..

هزت حنان رأسها بالإيجاب وهي تقول لنفسها هذا حديث النية :

إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ..

قالت عزة بنكد :

أشعر أنني هاجرت من حياة إلى حياة .. وهجرت حالي السابق إلى حال جديدة مختلفة كل الاختلاف .. غيرت أسلوب حياتي .. اختلفت أفكاري ، وقراءاتي ، وتغيرت اهتماماتي وطرق تسليتي وصديقاتي أيضا .. ملابسي وطريقة تعاملي مع الآخرين .. كل هذا قد يبدو جميلا ومثاليا .. لكنني للأسف الشديد لن أحصل على شيء من ثواب هذا كله .. لأنني يا أختي لو تدركين فعلت هذا كله من أجله هو .. أنا يا حنان المهاجرة من أجل رجل أنكحه !!

 

مرت لحظة صمت عصيبة بعد هذا الاعتراف المدوي ، وحالة الصدق العالية مع النفس التي تعيشها عزة .. أخيرا وجدت حنان صوتها لتقول بنبرات بدت كأنها تخرج من أعماقها :

هوني عليك أختي الحبيبة .. أليس الزواج نفسه شرع من شرع الله ؟! أظن أن نيتك ، ولو كانت في الزواج فهي أيضا نية صالحة تؤجرين عليها إن شاء الله ..

سألت عزة بلهجة من تريد إجابة حاسمة :

أختي حنان هل أنت مع الحب ؟

تلعثمت حنان قبل أن تجيب :

الحب أنواع ..

قاطعتها عزة بحدة  :

أنت تدركين قصدي ، فلا تحاولي الالتفاف حول السؤال ..

قالت حنان بشيء من تردد وقد كسا وجهها الحياء :

ماذا يمكنني أن أقول أمام جبروت الحب ؟

النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من وطئ الثرى يدعو ربه مشفقا : اللهم إن هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما لا أملك .. يقصد بذلك الحب المكنون في القلب !!

حب الأزواج في تقديري أمر مقدس ..

قاطعتها عزة في حدة أشد :

وحبي لعادل ؟

بوغتت حنان من حالة عزة ، ومن تصريحها باسم حبيبها ، لكنها قالت بعد تفكر :

ادعي ربك يا عزة .. ناجيه في صلاة الليل : اللهم لا تؤاخذني فيما لا أملك ..
المشكلة أختي ليست في الحلال والحرام .. ففي زماننا ليس كل حلال يمكن الوصول إليه !

 

بدت الدهشة على وجه عزة وتردد على لسانها سؤال لم تنطق به .. أضافت حنان مجيبة على السؤال غير المنطوق :

في حالتك أختي تواجهك معضلات متعددة .. مثل اهتمام الأخ نفسه بك ، فمن يدريك أنه قد يلتفت إليك ؟ أليس من المحتمل أن يكون قلبه متعلقا بغيرك ؟

ماذا عنه وعن مواصفات شريكة حياته من وجهة نظره ؟

ماذا عن وضعه الاجتماعي ومدى التوافق الاجتماعي بين أسرتيكما ؟

ما هي حالته الاقتصادية ، ومدى قدرته على إتمام مشروع زواج ؟

يا عزة إن من الشباب من لا يملك القدرة على الزواج إلا بعد مرور عشر سنوات على تخرجه بالجامعة !! ومنهم من يأخذ زمنا أطول من ذلك بكثير !!

 

    كان حديث حنان الواقعي ينزل على قلب عزة كسكين يمزقه كل ممزق ، وكانت حنان تدرك قسوة الواقع ، لكنها مع ذلك لم تجد بدا من المواجهة .. ربتت كتف عزة بحنان بالغ وهي تضيف :

أختي الحبيبة .. أنتم مازلتم طلابا في الجامعة .. هل تظنين أنه يمكنك انتظار فارسك أكثر من عشر سنوات ؟

وهل يقبل أهلك هذا الوضع ؟

ومن أدراك حتى إن انتظرت وصبر الأهل عليك ، أن يفكر هو بك ، وألا يرتبط خلال هذا العمر الطويل بغيرك ؟

 

أجهشت عزة من جديد في البكاء .. وقالت حنان وهي تمسح لها دموعها عن خديها بأنامل رقيقة حانية :

حبيبتي عزة .. أنا شخصيا مع الحب أؤمن به ، وأنتصر له ، وأبتهج من حديثه ، إذا وجدت مبشرات نجاحه .. لكني أختي الحبيبة ضد الأوهام .. ضد الأماني الخادعة والأحلام الكاذبة .. أنا يا حبيبتي مع السعادة في الحب وهي سعادة لا تتحقق إلا بشروط واقعية .. وأنا ضد الشقاء بالحب الوهمي ..

 

    كانت حنان تمسح على شعر عزة وخدها برقة ، وأخذت تدندن بصوت حزين شاج كأنها أم تهدهد طفلتها لتنام :

دعوني من أمان كاذبات                        فلم أجد المنى إلا ظنونا

وهاتوا لي من الإيمان نورا                     يقوي بين جنبي اليقين

أمد يدي فأقتلع الرواسي                        وأبني المجد مكتملا مكينا

 

استسلمت عزة لهدهدة حنان .. كان كلام أختها الحبيبة يمر على عقلها فيقبله ، ويمر على قلبها فيرفضه رفضا قاطعا ، بعد أن يترك فيه ندبا نازفة .. لكنها تأثرت بعطف ورقة حنان البالغة معها ..

أما حنان ، فلم تحاول أبدا وهي مشفقة على أختها أن تحدثها عن طيش الحب الأول ، وعن سوء الاختيار عادة في مثل هذه السن وتلك الحالات ، لم تلجأ حنان إلى هذا الحديث الذي تجيده دائما الأمهات ، كانت حنان تظن أن مثل هذا الحديث يضاعف من تمسك البنت بأوهامها وخيالاتها .. كما أنها كانت تعترف لنفسها بأنها آنست من صديقتها عزة نضجا وعمقا ، فهي أولا لم تنخدع بمظاهر كاذبة وإنما تعلقت بشاب من هؤلاء الذين وهبوا أنفسهم لله ، ومضوا في طريق دعوته ، فإذن لا تعاني عزة من نزق الفتيات ، ولا هوائيتهن في تلك المراحل ، ثم إنها لم تتهور أمام ضغوط مشاعرها فترتكب حماقة ما ، وهي أخيرا لا تحاول أن تخدع نفسها وإنما تواجه مشكلتها بكل صدق وأمانة فتتهم نفسها ، وتضع كفها على بيت الداء ..

ورغم هذا التعاطف وتلك الشفقة ، لم يكن في وسع حنان أن تقدم لأختها مساعدة فعلية ، سوى كثرة الدعاء لها ، وتعديد أوجه الأنشطة والعبادات التي تتسامى بها عن حالة العشق هذه .. والعجيب في الأمر كله أن حنان نفسها التي كانت تعيش بين أخواتها كأنها أما أو مربية لهن .. والتي كانت تعطي من نفسها لعزة الحلواني ، والتي كانت تلجأ إليها عزة باعتبارها الملاذ الأخير والحصن الآمن .. لم يكن يجاوز عمرها عمر عزة نفسها ، فقد كانت في سنها أو ربما أصغر منها سنا .. لكن هكذا كانت حنان محمد !!!

 

انصرفت عزة من زيارة حنان ، وقد هدأت هدوء من ودع ميتا حبيبا على قلبه إلى القبر ، فلا هو يستطيع أن يستبقيه معه ، ولا هو يملك أن يحيا معه في قبره ، فتنزل على نفسه سكينة الاستسلام للأمر الواقع ، رغم عمل سكينة الحزن في تمزيق الأعماق .. هكذا كان حال عزة عند انصرافها من زيارة صديقتها ، فلم تكن تلك الزيارة لتحل لها مشكلة حياتها .. صحيح أن حنان قد أخذتها إلى طريق العقل ، وبسطت أمامها العقبات التي تقف في طريق حبها المشبوب ، إلا أنها كانت في حقيقة الأمر كأنما تيئسها من استرجاع ميت إلى الحياة ..

استسلمت عزة لمصيرها .. وحاولت أن تطوع خفقات قلبها لصوت العقل والمنطق ، وحاولت أن تربط عليه بكثرة الدعاء والصلاة والصوم وقراءة القرآن ..

لقد وجدت لذلك بردا وسلاما .. لكنها مع ذلك لم تستطع أن تنسى عادل حمدي أو تتشاغل عنه .. كيف يمكنها ذلك ، وحديثه المتواصل في مدرج الكلية يلهب حماس زملائه ، ويقتحم عليها حصون دفاعاتها كل صباح ؟..

 

كيف تمتنع من النظر إليه وهو ذا واقفا أمامها في موقع الأستاذ المحاضر يرتل القرآن أو يلقي خاطرته المميزة .. ثم ينصرف إلى حركة دائبة كنحلة لا تهدأ ولا تكل أو تتعب ؟؟

 

كيف لها أن تنسى أميرا متوجا بين زملائه أو بين موظفي الكلية الذين على فارق السن بينهم وبينه ، لم يكونوا ينادونه أبدا باسمه ، وإنما كانوا يلقبونه بالزعيم .. حتى أفراد حرس الكلية كانوا يضعون له في تقديرهم حسابا خاصا ، فكان إذا تحرك إلى المدرجات المختلفة في الكلية يعينون له شرطيا يتبعه كظله من مدرج إلى مدرج ومن طابق إلى طابق !!

زملائه من أفراد الجماعة يتحركون بإشارة منه ، وزملائه الطلاب الذين يشاركون في الأنشطة الطلابية المختلفة يلاحقونه ويلتفون حوله ليسألوه عن نشاط ما  ..

 

وهي على زحام الكلية وصخبها المعتاد كأنها تحيا في فراغ لا ترى عيناها غيره ، وهي تسأل نفسها ألف مرة :

لماذا هو من بين مئات الطلاب الذي هز مشاعرها ؟

وسامته محدودة إذا قورنت بغيره من الشباب .. نحافته ظاهرة ، ونظارته الطبية سميكة تخفي عيناه !!

لم تكن أبدا تجد الإجابة المناسبة ..

ربما كانت حيويته وحضوره .. ثوريته المشتعلة بالغضب حينا ، والمفعمة بالحلم أحيانا أخرى !

دفئه .. كان دافئ الحديث والمشاعر والنظرات !!

 

لا يمكن لعزة نفسها أن تفسر سلوكها تجاهه ، وانقلابها إلى فتاة أخرى تدافع عن حبها بإيجابية بعد زيارتها لحنان محمد !!

في تلك الزيارة كانت قد عاهدت نفسها أن تبتعد عن عادل حمدي ، وأن تبعد طيفه من السيطرة على حياتها ..

لقد مضت على هذا العهد أياما معدودات ، وإذا بالفتاة العاشقة داخلها تثور ثورة عارمة حطمت معها كل القيود السلوكية التي كانت تضعها لنفسها ، والضوابط الاجتماعية التي يلزمها به مجتمعها المحافظ بطبيعته ، المتدين بتأثير الدعوة التي تنتشر في أرجائه !!

هي لا تعرف كيف تفجر بركان الرفض داخلها ليأخذها إلى مرحلة جديدة من مراحل حياتها ومراحل دفاعها عن حبها !!

 

لكن هذا الذي حدث .. لقد وجدت نفسها هكذا تحاول قطع الطريق على عادل حمدي .. وجدت نفسها دائما في اتجاه مساره أين كان .. في مرمى بصره أينما نظر !!

 

هي لا ترى شعوره بها مستحيلا ، ثمة إشارات عابرة تومض في ذهنها تجعلها تشعر أنه يحس بوجودها ..

 

 لم تكن مجموعتها في المعمل هي نفس مجموعة عادل ، فالحرف الثاني في اسمه ألفا ، والحرف الثاني من اسمها ( ز ) .. أما مجموعته فقد كانت تضم عادل الآخر ، وكذا عبد المنعم وعبير .. ومجموعتها كانت تضم عرفة وعلا وآخرين

 

ولم تنس أبدا يوم معمل الكيمياء الذي صادف هطولا مكثفا للمطر ، في ذلك اليوم تغيب أكثر الطلاب عن المحاضرة والمعمل .. وانضمت المجموعات بعضها إلى بعض لإجراء التجربة .. ووجدت نفسها في المجموعة بمفردها مع عادل وعرفة .. خفق قلبها بشدة .. وجاءت جلستها أمامهما وبينهما طاولة الأدوات المعملية .. قناني وموقد لهب ، وأنابيب اختبار ومواد كيماوية وساعة ميقات ..

وكان لابد أن يشترك الطلاب الثلاثة في إجراء التجربة .. وكانت تجربة اجتماعية في غاية الأهمية .. لم يثبت خلال عامين كاملين أن أي من عادل حمدي أو عرفة إبراهيم تبادلا حديثا ما مع إحدى الطالبات ، إلا في حدود لا يمكن أن توصف بأضيق الحدود لأنها كانت أندر من ذلك بكثير !!

وكلاهما اليوم في مواجهة عزة الحلواني ، ولابد لهما أن يتبادلا معها حديثا ولو عابرا من أمثال :
        ضعي القنينة على اللهب .. أو عايري المادة الكيمائية .. أو عليك بالنظر إلى الساعة لتحديد الزمن ..

كانت مدة التجربة ساعتين ومدة المعمل نفسه ثلاث ساعات .. وكانت الساعات الثلاث هكذا تقضيها عزة في مواجهة عادل ، وفي أقرب موضع جمعها به منذ التحقوا بالجامعة ..

 تشاغل عادل وعرفه بالحديث المستمر بعد أن انتهوا في أسرع وقت من إجراء الخطوات اللازمة بالتجربة وتركوا المخلوط الكيماوي على النار لإتمام التفاعل .. انهمكا سويا في حديث طويل مرح وفكه .. ولم تملك عزة سوى أن تتابع ما يجري أمامها من حديث خفيف الظل وتعليقات في غاية المرح وحضور البديهة ..
يومها شعرت بشعور غريب .. شعرت بأن كل ما يجري أمامها ما هو إلا نوع من الاستعراض ..

شعرت أن عادل وعرفة يقدمان من خلالها رسالة إلى الطالبات ، بأن عالمهما يفيض بالمرح والفكاهة وخفة الظل ..

وأن عادل حمدي الزعيم الثائر صاحب الصوت المشحون بالشجن والتلاوة القرآنية الباكية المؤثرة ، والكلمات النارية الثائرة .. وعرفة إبراهيم العضو العملي بالجماعة ، والقائم بتنفيذ الكثير من أعمال وأنشطة الاتحاد في صمت وغير ضجة .. أنهما شخصيات تطفر منها السعادة والدعابة ..

لقد شعرت أن هذه رسالة موجهة لها شخصيا .. كأن عادل حمدي أراد أن يكشف لها عن النصف الآخر من شخصيته .. ذلك النصف الذي لا يكتشفه إلا المقربون منه ، والذي يقع عالم المرأة خارجه بكل تأكيد ..

 

خلال ثلاث ساعات متواصلة لم يعنِ عزة أي شيء بخصوص التجربة الكيميائية التي يجرى تفاعلها على لهب ( بنزن ) أمام ناظريها ، وإنما كانت تبحث عن تفاصيل التجربة الإنسانية بكل دقة في حديث عادل الممتد مع صديقه عرفة إبراهيم ..

لقد استرجعت عزة هذا الحديث الفكه الذي دار أمامها على مدار الساعات الثلاث عدة مرات ، وكانت في كل مرة تغمض فيها عينيها وتستعيد هذا الحديث تشعر كأنها تمر بفترة خطبة إلى عادل حمدي ، وأنها تكتشفه .. أو تعيد اكتشافه من خلال هذه الفترة !!

وأنه كان يقدم نفسه إليها .. كان يقدم وجهه الآخر .. الوجه الاجتماعي للزعيم !!

 

كانت حنان محمد قد علمتها ورد الرابطة ، ولقد حضرت مرات عدة دقائق قبيل الغروب معها ، وكانت تلك اللحظات تكون أكثر عذوبة وعاطفية ورقة عندما تكون بمفردها في زيارة حنان ، أو تكون حنان بمفردها في زيارتها ..

كان يلذ لحنان أن تطل من النافذة تتطلع إلى قرص الشمس الأحمر في السماء وهو يمضى مودعا الأرض .. وتهمس بوردها الرقيق :

( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيد الخير إنك على كل شيء قدير ، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) آل عمران ..
اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لنا ..

اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك .. والتقت على طاعتك .. وتوحدت على دعوتك ، وتعاهدت على نصرة شريعتك .. فوثق اللهم رابطتها ، وأدم ودها ، واهدها سبلها واملأها بنورك الذي لا يخبو ، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك ، وجميل التوكل عليك ، وأحيها بمعرفتك ، وأمتها على الشهادة في سبيلك .. إنك نعم المولى ونعم النصير ..اللهم آمين .

 

كانت عزة تقرأ في كتيب الأذكار الذي أهدته لها حنان .. أنها قبل هذا الدعاء يجب عليها أن تستحضر صور من تعرفه من أخواتها وذويها وتستحضر نية الدعاء لهم .. وكانت الصور التي تتوارد على ذهن عزة قبيل كل غروب وهي مغمضة عينيها في خشوع وتبتل ، هي صور حنان محمد وإيمان الحوفي وسامية عبد الغني وعادل حمدي وشقيقها أحمد ..

 

كم مرة رأت وهي مغمضة العينين نظرات عادل حمدي بعينيه اللامعتين إليها ..

وكانت تسال نفسها كيف حصلت مخيلتها على تلك النظرات لعادل ، إن لم يكن قد نظر إليها فعلا ؟

لقد تلاقت أعينهما مرة أو مرتين .. أو ربما أكثر ..

إذن عادل يدرك أنها تنظر إليه .. أنها لا تطمئن إلى محاضرة لا يكون حاضرا فيها .. تبحث عن أمانها بوجوده ولو على البعد ..

يقينا هو يشعر بذلك ، وإلا ما بادلها هذه النظرات مرة أو مرتين !!

إدراك عادل لها ممكن ، وشعوره بها أمر متوقع ، فلماذا تظنه مستحيلا أو تصنع منه في أحلامها المستحيل ؟

كل ما عليها أن تجعل هذا الممكن أو المحتمل ، واقعا لا ريب فيه ..

وبدأت عزة تتقمص شخصية أخرى غير شخصيتها ، فبدلا من إنزوائها الظاهر ، وانطوائها في محيط زميلاتها الطالبات .. بدأت عزة تنطلق إلى مكانة أخرى .. فبدأت تتلقف أي دعوة أو إعلان أو نشاط تعلن عنه الجماعة الإسلامية أو اتحاد الطلاب أو أسرة النور ، فتبادر إلى تبني هذا النشاط وتردد دعايته بين الطالبات لإقناعهن بالمشاركة فيه ، فإذا ظفرت بموافقة طالبة أو اثنتين .. هرعت من فورها تبحث عن عادل حمدي في كل ركن من أركان الكلية تسلمه أسماء الطالبات المشتركات أو الراغبات في المشاركة ، ومبالغ اشتراكاتهن إن كان نشاط بمقابل مادي !!

كانت عزة في قرارة نفسها تدرك أنها تقفز فوق دور صديقتها إيمان الحوفي ..

لقد اضطلعت إيمان بهذا الدور منذ ارتدائها الخمار قبلها ، غير أن عزة أيضا كانت تشعر أن هذا دور غير رسمي ، وأنه لم يكن بتكليف .. فهي لم تشعر أبدا أن حنان محمد على سبيل المثال تخص إيمان بما لا تخصها شخصيا به ، بل على العكس من ذلك كانت تشعر بحدب حنان عليها بصورة أكبر تجعل لها المكانة الأولى في قلبها ..

فلماذا إذن تترك الفرصة لإيمان وحدها تنفرد بالاستعراض أمام عادل ؟؟

والأكثر من ذلك أن إيمان نفسها لم تمانع أو تمتعض من تصرفات عزة ، بل اعتبرته تطورا طبيعيا لشخصيتها فهي بعد اندماجها مع الأخوات تشعر بضرورة مشاركتها في النشاط بشكل أكثر إيجابية ، وكانت تشعر عزة بسعادتها وتشجيعها لهذا التطور السريع في حياتها ..

أما عادل حمدي نفسه ، فكان أعجب إنسان في هذا الوجود ..

كان يستقبل مطاردتها الدائمة له بهدوء قاتل ، وبرود مميت ، لم يكن يلتفت لها .. بل كان إما ينظر إلى الأرض أو إلى جهة أخرى وهو يمد إليها كفه أو بالأحرى أطراف أصابعه وقد أولاها جانبه ، في حرص بالغ على ألا تمس أنامله أناملها .. وألا تلتقي عيناه بعينيها .. وهو يتناول منها ورقة كتبت بها أسماء الطالبات أو مبلغ من المال من المفترض أنه يحتاج إلى عده للتأكد من صحته ..

لكنه كان يعرض عنها في أدب عجيب ، فلا هو رفض موقفها ، ولا هو أشعرها بأنه قد أحس بوجودها !!

وكان عادل يبدو في منظره هذا الكاريكاتوري المبالغ فيه مثيرا للضحك ، ولكنه كان يثير حنق عزة لدرجة البكاء ..

كان أهون عليها أن يواجهها وجها لوجه ثم يصيح فيها ألا تأتي إليه مرة أخرى .. مما يفعله بها في كل مرة تحرص على لقائه عن قرب !!

إنه لو فعل ذلك لأدركت على الأقل أنه يشعر بها .. يستاء من قربها منه أو إلحاحها على هذا القرب ..

لكن هذا الإهمال يعيدها إلى المربع الأول في حياتها في الكلية .. مربع أنه لا يشعر بوجودها على الإطلاق ، فلا هو يضيق ذرعا بها ، ولا هو مرحب بوجودها !

 

ورغم تكرار المحاولات الفاشلة المرة تلو المرة ، لم تكن عزة تيأس من اللهثان إلى عادل في كل مرة تشعر أنها يمكن أن تلتقي به ..

كانت كلما حصلت على اشتراك في نشاط من بعض الطالبات ، تطير إليه كأنها حمامة ذبيحة لا تملك من أمر نفسها شيئا ، ولم تكن تدرك وهي على هذه الحالة أن الموقف يتكرر .. ربما بصورة كربونية .. وأن التكرار هذا نفسه يحدث أمام بعض طلاب بأعينهم ، وأمام بعض رجال حرس الكلية وبعض الموظفين ..

 

ولم تشعر عزة أن قصة حبها لعادل حمدي قد أصبحت ( حكاية ) على كل لسان ..

لم يكن أحد في الكلية بمعزل عنها ولو بدرجات متفاوتة سوى البطل والبطلة فقط ، هما وحدهما كانا لا يعلمان بالهمس الدائر هنا وهناك ..

 

أما البطل ، فلم يكن يشعر بما يدور حوله ، ولم يكن له يد في القصة .. وأما البطلة فكانت قد نسجت فصول القصة بنفسها ، وأضرمت النار في هشيم شائعاتها التي تتناقلها الألسن ، سواء كانت عن عمد منها أو عن سوء تقدير !!

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.