القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

الحلقة العاشرة 2 من مسودة رواة الأمس واليوم وغدا

 

فيما عدا هذه الحوارات كانت تنتاب عادل حمدي نوبات حزن عميقة عندما يخلو إلى نفسه ، وكان أحيانا يتألم لحاله وواقعه وهو يستعرض هذا الواقع ، فهو لا يكاد يمر عليه يوم دون أن يكون له فيه لقاء دعوي يتلو فيه القرآن الكريم ، ويتدارسه ويسمع فيه الحديث النبوي والذكر والتذكير وترقيق القلوب .. وهو في الصباح يرتدي ثوب الجماعة الإسلامية عندما يخرج من بيته إلى الجامعة إلى أن يعود ..

وهو لا يقسو على نفسه فيقول أنه حين يتقمص شخصية الملتزم خلال تلك الساعات الطويلة كل يوم ، فهو يتظاهر بغير ما يبطن .. على العكس ، فإن كل ما يتحدث به إلى زملائه الطلاب ، وكل ما يبثه فيهم من أفكار ومبادئ ، وكل ما يدعو إليه من قيم .. كلها تختلط بكيانه كله .. يشعر أن كل ذلك مختلط بشغاف قلبه ..

وهو مع كل ذلك يقضي أغلب الليل في منزل إبراهيم خليل بين أصدقائه الذين يثقون في عمق إيمانه وتمسكه بما يدعو إليه ..

ورغم كل ذلك فهو حزين أشد الحزن لما يعتريه رغم كل هذه الحياة الإيمانية التي يحياها من خطرات القلب ، وخائنة العين ، ونزغات الشياطين ..

إنه وإن تفادى أن يلحظه كل الناس ، لا يمكن أن يتفادى رقابة ذاته .. لا يمكنه أن يخدع نفسه التي بين جنبيه .. إنه يتألم كونه يقع في النظرة المحرمة التي يوقن تمام اليقين أنها سهم من سهام إبليس ..

وهو يستحضر هذا المعنى كلما وقف في المدرج متحدثا إلى زملائه محذرا إياهم من النظرة الحرام .. يحذرهم وقلبه منفطر .. لأن خائنة عينه تخونه .. تخون قناعاته وأفكاره ومبادءه .. حين تفلت منه تجاه هذه أو تلك ..

صحيح هو يسارع إلى الندم والتوبة .. وهو يجاهد نفسه المرة بعد المرة لينجو من أثر تلك النظرة المنفلتة الخائنة .. ولا يمكن إلا أن يعترف بنجاحه الملموس له في تلك المجاهدة ..

لكنه لا يمكن أن يبرئ نفسه ، مما يعتريه عندما يعود آخر كل ليلة ، ويجلس أمام شاشة التلفزيون يتابع أحد الأفلام السينمائية ، متعللا أمام نفسه ، بأنه لا يقصد المتابعة أو يتفرغ لها .. إنه يجلس أمام الشاشة لأن هذا المكان الذي تتناول فيه الأسرة طعام العشاء ، ويطول به زمن العشاء ، ويطول حتى يستوعب زمن الفيلم ..

إنه ضعيف أما مشهد القبلة الساخنة .. إنه المشهد الوحيد الذي عجزت إرادته الغلابة عن مواجهته ..

إنه هو عادل حمدي مشروع داعية متميز .. الذي لا يخشى في الله لومة لائم .. يواجه كل صباح أي جبروت في قوة وثقة ويقين ..

هو نفسه ينسحق أما مشهد القبلة .. تنسلب إرادته رغما عنه ..

وهو عندما يفيق من جاذبية السحر السينمائي ، ويعود إلى نفسه يتألم .. يتوجع بكل ذرة في كيانه ..

يستحضر موقف الصحابي الجليل حنظلة حينما عرض حاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا نافق حنظلة .. نافق حنظلة .. ثم شرح ذلك قائلا : نكون معك يا رسول الله كأننا نرى الملائكة والجنة والنار ، فإذا انصرفنا من عندك عافثنا النساء ولاطفنا الأولاد ، وسرنا في شأن من شؤون الدنيا .. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم قائلا : لو استمررتم على ما انتم عليه حين تكونون معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات .. وإنما ساعة وساعة ..

كان عادل حمدي عندما يصل لنهاية هذا الحديث الشريف تحلق روحه ، وتسعد نفسه حين يطمئن إلى تقدير الدين لبشريته وضعفها الطبيعي .. ورغبات النفس ..

لكنه لم يكن يهنأ بذلك النور الذي يملأ صدره طويلا .. إذ يواجه نفسه بالحقيقة الكبيرة .. إنها قد تكون ساعة وساعة في الحلال المباح بينه وبين أهله وزوجته وأبنائه .. ولكن هل النظرة التي يختلسها من نفسه في الظلام تدخل في باب ساعة وساعة ..أم أنها الحرام بعينه ؟!

كثيرا ما كان عادل حمدي يضع رأسه بن كفه صارخا في ظلمات الليل نافق عادل .. نافق عادل ..

وحين تبلل وجهه دموعه يدير مسجله الخاص على أنشودة تسمو بوجدانه ليحلق من جديد ..

رحماك يارب العباد رجائى

 

ورضاك قصدى فاستجب لدعائى

 


وحماك أبغى يا إلهى راجيا ً

منك الرضا فجد بولائى

 


ناديت باسمك يا إلهى ضارعا ً

إن لم تجبنى فمن يجيب بكائى

 


أنت الكريم فلا تدعنى تائها ً

فلقد عييت من البعاد النائى

 


مالى سوى أعتاب جودك موئلا ً

فلئن رددت فمن سواك رجائى

 


ولقد رجوتك يا إلهى ضارعا ً

متذللا ً فلا ترد رجائى

 

ومع ذلك كان عادل يهرع إلى كتاب فقه السنة ويراجع حكم النظر إلى المرأة بشهوة وحكم الاستمناء .. كان يصدم برأي بن عباس رضي الله عنه إذ يقول : اتق الله واتخذ ولو أمة ..

ويتساءل عادل في لهفة :

-       وأين لي اليوم بأمة ؟

-       لا إماء .. ولا زواج .. اللهم ألهمنا الصبر ..

وأخيرا كان يلجأ إلى حصنه الأخير بكثرة الصوم ..
ويعود عادل حمدي يتذكر هذا الموقف الذي يهون عليه ما ابتلي به من فتنة النساء .. ففي مجلس رسول الله حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم يرون الجنة والنار والملائكة من عظمة هذا المجلس وروعته ، كما عبر عن ذلك حنظلة .. في هذا المجلس العظيم وقف الشاب للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب الإذن بالزنا !!

فأين له اليوم بمربي كرسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على صدره ويدعو له فيخرج الله تعالى سيطرة الرغبة من قلبه ؟!

 

ومع ذلك فإن لعادل حمدي مجلس يذكره بمجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ففي زاوية الشيخ عبد العاطي يجتمع الشباب من طلاب الجامعة بعد صلاة مغرب يوم الجمعة من كل أسبوع يستمعون إلى درس السيرة النبوية من الشيخ عصام ..

والشيخ عصام ليس شيخا أزهريا معمما وإنما هو مهندس عشق سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهام بها حبا ، قرأ كتبها ، وتتبع دروسها .. وتتلمذ على أساتذة الدعوة والمشايخ الأزهرين في المدينة .. فأصبح يروي السيرة عن ظهر قلب ، وصارت له فيها فتوحات وفيوضات يجريها الله تعالى على لسانه ..

كم بكى وأبكى وهو يروي رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، وكم أثر في محدثيه وهو يروي غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مستخلصا منها الدروس والعبر ، وكان له إسقاط تربوي دائم من سيرة الحبيب على واقع الأمة وواقع الأفراد .. فكان يجذب إليه القلوب جذبا ..

وكان أحد أهم أهداف طلاب الجماعة في الجامعة جذب الطلاب إلى لقاء العاطفة .. ليستمعون إلى دروس السيرة من الشيخ عصام ، فكان حضور دروسه إيذانا بانتقال الطالب من حال إلى حال ، لأنه كان يربط سامعيه برسول الله صلى الله عليه وسلم ربطا وثيقا ..

 

وفي درس الشيخ عصام .. كان عادل حمدي يشعر أنه في مجلس قريب الصلة بمجلس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه يكاد يرى الملائكة ، ويستشعر بقرب الجنة والنار !!

ولجأ عادل حمدي إلى شيخه ومعلمه وإمامه الشيخ عصام ، وكانت علاقته به علاقة المريد بشيخه .. لجأ إليه طالبا منه زيارته على انفراد .. وكان منزل الشيخ عصام نادرا ما يخلو من الشباب وطلاب العلم وأبناء الدعوة .. حتى لا يكاد يوجد وقت يمكن لأحد طلابه أن ينفرد به لأمر خاص ..

واستطاع عادل حمدي أن يظفر بموعد خاص مع الشيخ .. حتى استقبله في موعده .. اشتكى له عادل مما يجد في قلبه من قلق وريبة .. وتساءل في حزن وألم ولهفة ؟

-       هل تجدني يا شيخي الحبيب مصابا بمرض الفصام الدعوي أو ما يطلقون عليه شيزوفرنيا الالتزام ؟

وابتسم الشيخ عصام وهو يربط على كتفه قائلا في ثقة العارفين :

-       اطمئن يا أخ عادل فأنا لا أجدك كذلك ، بل أحسبك على خير ولا أزكي على الله تعالى أحدا .. وإنما أرى أنه تنطبق عليك سنة من سنن المؤمنين ، فالإيمان يا أخ عادل يزيد وينقص ، ولكل إنسان شرة وفترة .. فاغتنم أوقات زيادة إيمانك بالاستزادة من الطاعات ، وأكثر من الحسنات ( فإن الحسنات يذهبن السيئات ) .. واجتهد مع ذلك بأن تلزم إخوانك الذين يعاونوك على الطاعة ويحولون بينك وبين وسوسة الشيطان ، فالشيطان أقرب للواحد منه إلى الاثنين ..

قال عادل ومازال القلق يساوره :

-       جزاك الله خيرا يا شيخ عصام .. لكني ..

مرت لحظة صمت قبل أن يستزيده الشيخ عصام قائلا :

-       لكن ماذا يا أخي ؟ .. لا تتحرج ، اخرج كل ما في نفسك حتى تستريح ..

قال عادل في قلق :

-       ما يؤلمني يا شيخي أنني ألتزم إخواني أطول فترة ممكنة ، وكلهم يحسبونني على خير ، فكلما خلوت بنفسي أذنبت !! حتى كرهت صحبة الإخوان مخافة أن تكون علامة من علامات النفاق ، فأنا معهم لي حال ، وبيني وبين نفسي في حال آخر .. أخشى أن أكون من الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم : إذا اختلى بمحارم الله انتهكها ..

قال الشيخ عصام مشجعا :

-       لا تلقِ بالا لوساوس الشيطان يا أخ عادل ، ولا تترك ملازمة إخوانك .. وإنك إن شاء الله تعالى لست من الذين ينتهكون حرمات الله ، فهؤلاء هم العصاة .. أما أنت فأحسبك من الذين يرتكبون اللمم من صغائر الذنوب ، وإن لك في الاستغفار وورد القرآن وصلاة الليل وصيام النهار لزاد .. وأكثر يا أخي من الدعاء .. فإن الدعاء والقدر يصطرعان في السماء ..

اغتصب عادل حمدي ابتسامة مرتعشة ونهض واقفا وهو يقول :

-       معذرة يا شيخي فقد أثقلت عليك ، وإني أعلم إن وقتك ثمين .. ولكني أسألك بالله أن تدعو الله لي ..

والتفت إلى شيخه غاضا بصره عن بصره ، فما تعود أن يحد النظر إليه قط حبا وحياء ورهبة ..

لكنه في نظرته الأخيرة لمح دمعة تترقرق في عين الشيخ وهو يتمتم :

حسبي خسارا أن أكون مفرطا في ديني                  ويظنني الناس أني عابد

 

انصرف عادل حمدي من لقاء الشيخ عصام ، وهو أحسن حالا مما جاء .. لكنه كان يقلب وجهه في السماء يدعو الله بصدق أن يرفع عنه ما يشعر به من عنت .. حتى هدأ روعه وهو يتذكر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ..

 

 

كانت العلاقة بين عزة وإيمان تزداد توطدا بمرور الأيام مع حنان محمد ، ولم يعد يمر أسبوع دون أن يلتقيا بها ، وربما التقيا بها أكثر من مرة خلال الأسبوع ..

وكانت حنان محمد تدعوهما مرة إلى منزل أسرتها ، ومرات تزور أي منهما في منزلها ، وأحيانا أخرى تدعوهما إلى درس بالمسجد ، وكانت عزة تشعر بأنها كلما زادت صلتها بحنان أكثر كلما زادت علاقتها بالدين والتدين ، وكلما ازداد ارتباطها بالدين تشعر أنها تقترب أكثر من عادل حمدي ..

ولم يكن الذي يربط بينها وبين عادل حمدي في الواقع سوى إحساسها هي به ، ولم يبدُ على عادل حمدي أنه أحس يوما بوجودها أساسا في الكلية ، بل لم يبدُ على عادل أنه يشعر بأي أحد أو أي شيء سوى دعوته ..

وكانت أجمل الأمسيات التي دعتهما إليها حنان محمد سهرة ليلة عرس إحدى أخواتها .. كانت حنان تتألق بشرا ونضارة كما عرفتها عزة أول مرة في رحلة الطالبات إلى ادفينا ..

وكان الجو المرح بمنزل العروس في غاية البهجة والانشراح .. وكانت هي المرة الأولى لعزة الحلواني التي ترى فيها الأخوات على طبيعتهن ، لقد تعودت أن تراهن في دروس المسجد في قمة الحشمة والوقار ..

أما الليلة فكن جميعا على حريتهن ، يتضاحكن ويصخبن ، وقد كشفن عن مفاتنهن المباحة .. وأخذن يتحايلن على حنان محمد ويلححن عليها أن تغني لهن وللعروس أغانيها الجميلة .. وهي تتمنع متعللة بنزلة برد أثرت على صوتها ، لكن أمام إلحاح العروس وأمها رضخت حنان وقد تورد وجهها من الحياء .. وتحلقت الفتيات حولها وهن يتمايلن في إيقاع راقص وقور كأنهن راقصات باليه ..وانطلق صوت حنان العذب تغني :

مش قولتك خدها لدينها

قولت حاخدها لجمالها

اشرب بقى ( بقى )

اشرب بقى ( بقى )

اشرب بقى ( بقى )

ذل ومهانة وغيرة عليها

 

من القماش بدل المترين

هاتلها منه أربعة خمسة

طوّل هنا ( هنا )

وكمان هنا ( هنا )

طول هنا .. وكمان هنا

ده خمارها هو الستر عليها ..

 

مش قولتلك خدها لدينها

قولت حاخدها لجمالها

اشرب بقى ( بقى )

اشرب بقى ( بقى )

ذل ومهانة وغيرة عليها

 

وفجأة توقفت حنان عن الغناء ، وسط صياح الفتيات بها أن تكمل ، وهي تعتذر ضاحكة :

-       لا أحفظ أكثر من ذلك ..

-       فيصحن بها : إذن أعيدي ..

ووسط إصرار الصديقات .. تعاود حنان غنائها بأغنية أخرى :

 

عاوز عروسة قم يا هذا

خذ بنت الدين الممتازة

عاوز عروسة قم يا هذا

خذ بنت الدين الممتازة

بخمارها بتنور

الله

دور عليها دور

الله

 

وتتوقف حنان فجأة وضحكتها تطوق الحاضرات وهي تقسم لهن أنها لا تحفظ سوى هذا ( الكوبليه )

        لم تشعر عزة في حياتها بسعادة ومتعة مثل ما شعرت به في هذه اللحظة ، وكانت شخصية حنان محمد تأسرها الليلة كما أسرتها دائما منذ عرفتها ..

ولم تكن عزة تدرك أن عادل حمدي ورفاقه يسهرون مثلهن لكن في منزل العريس

وكانت صيحات الشباب تتعالى على دقات الدفوف :

 

بلح النخل العالي

والليلة ليلتك يا غالي

الليلة ليلة سعادة

الليلة ليلة سعادة

الليلة ليلة سعادة

وعريسنا أحلى من العادة

 

الليلة ليلة سرور

الليلة ليلة سرور

بنزيد فيها نور على نور

 

الليلة ليلة فرح

الليلة ليلة فرح

حلل المحشي حتنطرح

 

الليلة ليلة شباب

الليلة ليلة شباب

حط اللحمة وسك الباب

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 يونيو, 2008 09:03 م , من قبل م أحمد
من مصر

صراحة لا أجد من الكلمات ما يعبر عن إعجابى [أسلوب حضرتك فى الكلام وملا مسة للواقع جزاك الله خيرا


اضيف في 10 يونيو, 2008 12:51 ص , من قبل alaasaad19
من المملكة العربية السعودية

عزيزي المهندس أحمد

بل أنا صراحة الذي لا أجد من الكلمات ما أعلق به عن مجاملتكالرقيقة

اخوك
علاء




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.