( 10 ) في لقاءاتهم المتكررة في منزل رضا عبد الحميد أو عادل حمدي ، لم يكف عرفة إبراهيم عن ترديد الأسئلة المتشككة أو الحائرة .. بينما كان هشام فتحي مستمتعا بكل ما يدور حوله .. كان يعيش اللحظة بكل ما فيها كأنه يستعذبها جرعة ، جرعة .. والحقيقة أن رضا عبد الحميد كان رزينا هادئ الطباع عميقا في تفكيره ، وكان يجد جوابا شافيا مطمئنا لكل ما يساور عقل عرفة من شكوك سأل عرفه في أحد اللقاءات بشيء كبير من التردد والقلق قائلا : - إن أكثر ما يقلقني يا أخ رضا قضية التمويل .. ما هي مصادر تمويل الجماعة .. وهل حقيقة يرتبط هذا التمويل بدول أجنبية ولمصالح وأهداف غير وطنية ؟! - ابتسم هشام فتحي مستمتعا كعادته بكل ما يدور في اللقاء من حوارات .. وبرقت عينا عادل حمدي في انتظار إجابة شافية من رضا كالمعتاد .. واتسعت ابتسامة رضا عبد الحميد بكل ما تنقله من إحساس بالثقة والاطمئنان لقلب محدثه .. ومرت لحظة صمت عابرة قبل أن يجيب رضا : - نحن دائما منذ أيام الإمام البنا نقول أن مصدر تمويل الدعوة من جيوب أبنائها واشتراكات أعضائها .. والدعوة تتميز بفضل الله تعالى بمجموعة خصال تجعل موضوع التمويل في غاية السهولة واليسر .. سكت رضا برهة لالتقاط أنفاسه ثم أضاف : - فنحن أولا اكبر جماعة في العالم من حيث عدد الأعضاء العاملين وكلهم يدفعون الاشتراكات .. مع توزيع هذه العضوية الضخمة على أكثر من ستين دولة من دول العالم .. منها الغني ومنها الفقير .. - والخصلة الثانية الفريدة في الدعوة أن الاشتراكات ليست مبلغا ثابتا متساويا يدفعه جميع الأعضاء بشكل محدد ، وإنما الاشتراك هو نسبة من الدخل الشخصي .. فنحن الطلاب مثلا يكون نصيبنا في الاشتراك في حدود جنيه واحد شهريا .. بينما غيرنا قد يصل ما يدفعه إلى أكثر من ألف جنيه .. - قاطعه عادل حمدي معلقا : - ولذلك لا يمكن تحديد أو تقدير ميزانية الدعوة بضرب عدد أعضائها في قيمة الاشتراكات .. وإنما هي ميزانية تتناسب طرديا مع دخول أبنائها ووضعهم المالي .. - ثم أضاف رضا مسترسلا في استعراض خصائص تمويل الجماعة قائلا بهدوئه : والخصلة الثالثة أن الجماعة ككل تجمع بشري بها أثرياء كما بها فقراء .. وأثرياء الدعوة من رجال المال والأعمال ينفقون بسخاء مقتدين في ذلك برجال المال وأثرياء الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمثال عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبو بكر الصديق .. لقد جهز عثمان رضي الله عنه بمفرده من ماله جيشا كاملا !! والخصلة الأخيرة يا أخ عرفه أن جميع أعمال الدعوة يتم تنفيذها بالمجهود الذاتي ، فالذي لا يجد ماله ينفق من وقته وجهده .. فننجز من الأعمال ما ينجزه غيرنا منفقا عليه أضعاف ما ننفق نحن .. وسأضرب لك مثالا حيا ، في الانتخابات الأخيرة .. كانت دعاية الدعوة تقوم على أكتاف أبنائها من خطاطي ومعلقي اللوحات والملصقات وموزعي أوراق الدعاية وحتى أقمشة الدعاية كانت تأتينا بأسعار الجملة ، وبعضها كانت تأتي هدايا من كبار تجار الأقمشة من محبي الدعوة.. أما غيرنا فينفق المال بلا حساب من أجل حشد الناس ، ويضطر لصرف بدلات انتقال ، وبدل حضور مؤتمرات .. أما نحن فدائما ننفق مما رزقنا الله على دعوتنا .. واستطرد رضا باسما : ولقد حدثت طرفة أثناء الدعاية الانتخابية حيث تصادف أن أحد الأخوة وهو شاب خفيف الظل كان معلقا في الهواء متسلقا حبل على ارتفاع شاهق يقوم بتعليق إحدى لوحات الدعاية ، والتقى مع أحد جيرانه كان معلقا مثله في الهواء وكان يقوم بتعليق لوحة انتخابية لقائمة أحد الأحزاب ، فسأل الأخ : كم يدفعون لكم في تعليق اللوحة على هذا الارتفاع المخيف ؟ فعكس الأخ له السؤال قائلا : وكم يدفعون لك ؟ أجاب جاره ببساطة : قيمة تعليق اللوحة الواحدة عشرة جنيهات وربنا يديم علينا أيام الانتخابات .. فقهقه الأخ وقال : أما نحن فسعر تعليق اللوحة عندنا علقة ساخنة في مبنى المباحث مع أسبوع حبس كحد أدنى .. وحدث أثناء تلك المحادثة اللطيفة أن مرت دورية شرطة وتوقفت أسفلهم ، فلم يكمل الأخ جملته ، ولا تثبيت لوحته ، وإنما قفز على سطح العمارة المجاورة ولاذ بالفرار .. وضحك عرفة وهشام بينما التقط عادل حمدي الخيط من رضا عبد الحميد قائلا باندفاعه وثوريته المعروفة عنه : - الحقيقة يا أخ عرفه أنا أقدر دوافع هذا السؤال ، وأعلم انه يتردد ليل نهار في وسائل الإعلام .. لكن السؤال الأهم فعلا لو كانوا يعقلون .. هو هل يؤثر التمويل على قرار الدعوة وأولوياتها وأهدافها ؟ .. فمهما تعددت مصادر التمويل ، فهل من يدفع المال يملك صنع القرار داخل الدعوة ؟ - اتسعت ابتسامة هشام فتحي كأن عادل حمدي يعبر عما يجول في خاطره .. ونظر عرفة في اهتمام إلى عادل الذي انطلق يقول : - الواقع يا أخوة يقول أن أهداف الدعوة ثابتة بينما مصادر التمويل متغيرة ، فالتمويل عندنا تابع للأهداف وليس العكس .. كما أن أثرياء الدعوة كما وصفهم الأخ رضا نادرا ما نرى منهم أحد في منصب قيادي .. والأهم من هذا كله أن فكرة التمويل الخارجي للدعوة معناه تحويل أبنائها إلى حفنة من المرتزقة .. فهل يظن الفرد منا ونحن أصغر أبناء الدعوة سنا ومقاما وشأنا أننا نتحرك كمرتزقة ؟ .. إننا بفضل من الله ننفق من وقتنا وجهدنا وما تيسر لنا من القليل من المال .. فنحن ندفع ولا نقبض .. نضحي ولا نأخذ .. وإنما نحتسب الأجر من ملك الملوك .. رغم أنه من بيننا من لو كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لجازت عليه الصدقة باعتباره من المؤلفة قلوبهم !! - ضحك رضا على الجملة الأخيرة لعادل .. بينما شعر عرفة إبراهيم بنوع من الارتياح ، كأنه ألقى حجرا ثقيلا من على كتفيه .. وتنهد قائلا : - إنهم حقا لا يفكرون بالطريقة التي نفكر بها يا أخ عادل .. - قال عادل ونبرة الاستنكار تملأ صوته : إن العقل وحده بعيدا عن الوقائع الملموسة كفيل بنسف هذه الادعاءات .. فهم مثلا يربطون بين إيران وتمويل الدعوة .. والتاريخ يقول أن الدعوة بدأت في عام 1928 بينما الثورة الخومينية في إيران كانت عام 1978 أي بعد خمسين عاما من قيام الدعوة ، فمن كان يمولها قبل الثورة الإيرانية !! أما إذا قصدوا الخليج العربي بثروته وبتروله ، فلماذا لا يسمحون للدعوة عندهم بالانتشار وممارسة السياسة طالما يؤيدونها ويدفعون لها .. وصدق الله إذ يقول ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) علق رضا مستحسنا : فتح الله عليك يا أخ عادل .. - أضاف عادل بثوريته : الواجب علينا يا عرفه أن نقلب السؤال .. إن جميع أصحاب المبادئ في العالم مسلمين كانوا أو غير مسلمين يضحون من أجل مبادئهم ، وهناك أمثلة للتضحية رائعة ضربها لنا في الهند غاندي ، وفي جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا .. وهكذا .. لكن السؤال يكون لأصحاب المصالح من أعضاء أحزاب الحكومات : ما هي مصادر تمويلكم ، وقد فتحتم المعبر بين خزانة الدولة وخزانة الحزب .. بحيث أصبح الإنفاق على الحزب وسياساته وإعلامه والدعاية له من أموال الدولة التي هي ملك للشعب وليست ملكا للحزب ؟ - صفق هشام فتحي قائلا : أنت رائع يا عادل .. والغريب حقا أنك تدعي أنك لا تمارس السياسة ، مع أنك تستحق أن تكون لاعبا سياسيا أساسيا في حقل السياسة .. - تبرم عرفة وزم شفتيه .. وتدخل رضا لتوجيه دفة الحديث إلى فقرة الفقه التي كان يقدمها عرفة ، فانفرجت أساريره واحمر وجهه الأبيض وبدأ يشرح ما قام بتحضيره من موضوع معتمدا على ذاكرته حينا ، ومستعينا بالقراءة من الكتاب أحيانا كثيرة .. وعلى هذا النحو كانت القافلة الدعوية الصغيرة – كما كان يحب أن يطلق عليها عادل حمدي – في طريقها تكتسب من الكتب زادا وثقافة ، وتزداد بالاحتكاك بالطلاب والمجتمع خبرة ونضجا ، تجتهد فتخطئ وتتعثر حينا ، وتنطلق مكتسبة الاحترام والثقة أحيانا كثيرة .. وكانت هذه القافلة تتحرك من خلال دائرتين ، دائرة صغيرة وهي دائرة منزل رضا عبد الحميد والتي تضم هشام وعرفه وعادل ، ودائرة أكبر وهي دائرة منزل وهي دائرة منزل إبراهيم خليل وكانت تضم بالإضافة إلى هؤلاء محمد بسيوني وأشرف أبو نعمة .. أما عادل حمدي نفسه فكان له غير هذه اللقاءات والاجتماعات ، لقاءات أسبوعية أخرى يعدها من أسراره الخاصة التي لا يعلم عنها أحد شيئا من زملائه بالفرقة الأولى .. فكان له لقاء أسبوعي يسمونه مجلس عمل الكلية ، وكان يضم معه رضا وحسام ووليد وصالح ، كانوا يناقشون ويتابعون فيه النشاط في الكلية على مدار الأسبوع .. بالإضافة إلى لقاء ثقافي آخر على غرار ما يتم في منزل رضا عبد الحميد ، مع اختلاف في المحتوى الثقافي الذي يدرسه .. وكان عادل حمدي يحمل شخصية في غاية التناقض في نظرته وتعامله مع الآخرين ، فبينما كان يبدو متواضعا غاية التواضع مع إخوانه وزملائه ومن يعايشه عن قرب ، فإنه رغم ذلك كان يغدو متعاليا شديد التعالي على خصومه ومناوئيه مترفعا حتى عن مجرد التعامل معهم .. عاتبه في ذلك إبراهيم خليل بشدة فقال عادل له : - هذا ليس غرورا يا أخ إبراهيم ولكنه يقين مطلق بالمنهج الذي أمثله ، ولذا تجدني في منتهى التواضع والبسطة مع كل الناس ، فيما عدا هؤلاء الخصوم الذين باعوا أنفسهم للشيطان ، وعرفوا الحق لكنهم ناصبوه العداء مع ذلك .. ولعلي أستلهم سلوكي هذا من قوله تعالى : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) - قال إبراهيم مستنكرا : وهل تكفر خصومك ؟ - أجاب عادل في ثقة : معاذ الله أنا لا أكفر أحدا ، ولست على الناس بوكيل .. ولكني أقول لك أستلهم الآية ، أستقي من ظلالها ، ولا أطبقها حرفيا .. - اعترض إبراهيم قائلا : ولكن الله يقول ( ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) .. - قاطعه عادل مصدقا : صدق الله العظيم .. هكذا يا أخي تدفع أنت بالتي هي أحسن لأن هذا من طبيعتك ، وأبدي أنا نوعا من الاستعلاء بإيماني لأنه يناسب شخصيتي بشكل أكبر فتتوزع الأدوار بيننا دون أن نكون مجموعة من قوالب الطوب الجامدة المتماثلة .. - قال إبراهيم : أتفهم بالطبع الفوارق الطبيعية بين شخصية وأخرى ، ولكن أنت يا أخ عادل رمز ، وأصبحت لك كاريزما واضحة بين الطلاب ، فأنت لا تمثل نفسك ، وتصرفاتك لا تعكس شخصيتك بقدر ما تعكس مبادئ وصورة الدعوة .. - قال عادل متشبثا برأيه : لكن الاختلاف بين شخصيات الرموز الدعوية أمر طبيعي ، حتى بين الأنبياء أنفسهم ، عرفنا نبي الله موسى عليه السلام بقوته ( فوكزه موسى فقضى عليه ) ، واشتهر إبراهيم عليه السلام بالحلم ( إن إبراهيم لأواه حليم ) ، ورقة عيسى ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) .. وبين الصحابة رضوان الله عليهم رقة أبي بكر وقوة عمر .. لقد كان كل منهم داعية يمثل الإسلام والرمز الأول للدعوة .. ومع ذلك احتفظ بطبيعته الشخصية التي فطره الله تعالى عليها .. مرت لحظة صمت وكان إبراهيم لم يجد ما يجيب به على عادل ، عقب بعدها عادل في حالة من التأمل وكأنه يبحث عن عن حل لمعضلة لا يشعر أنه يملكه بشكل يقيني : - تعرف يا أخ إبراهيم أنا أشعر أننا نظلم الدعوة بتصرفاتنا الفردية .. والناس يظلموننا ويظلمون الدعوة معا ، ألا ترى أنه من الإنصاف أن ينظر الناس إلينا ( كجروب ) ، كمجموعة متكاملة بينها هادئ الطبع وبينها حاد المزاج ، وفيها سريع الغضب كما فها الحليم ، وهكذا كما فيها بالطبع الطويل والقصير والنحيف والبدين .. - ضحك إبراهيم وقال ببرود : أنت تريد جمهور تفصيل يا أخ عادل .. نحن بالتأكد لا يمكننا تغيير نظرة الآخرين لنا ، وطريقة تفكيرهم .. لكننا على العكس من ذلك نملك تغيير سلوكياتنا .. وتقديم صورتنا بطريقة أفضل .. وعاد الصمت ليخيم عليهما من جديد ..
.
.
الاربعاء, 04 يونيو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








