|
| دعوة الإضراب على الفيس بوك |
أثار موقف جماعة الإخوان المسلمين بإعلان المشاركة في إضراب 4 مايو 2008، والذي يتزامن مع عيد ميلاد الرئيس المصري محمد حسني مبارك الكثير من الجدل، خاصة وأن هذه المشاركة تأتي بعد إحجام عن المشاركة في إضراب 6 إبريل 2008، حيث كانت الجماعة قد رفضت المشاركة فيه بمبررات رآها الكثير من المراقبين واهية؛ كقولهم بأن منظمو وقادة الإضراب لم ينسقوا معهم، وأنه ليس هناك رؤية واضحة ومعلنة ضمن أجندة يري فيها المضربون المكاسب والخسائر، وأن الإضراب، حال نجاحه، قد يؤدي إلى فوضي وأعمال تخريب.
جاء بيان المرشد العام للإخوان المسلمين مهدي عاكف أمس الثلاثاء ليؤكد بأن "الإخوان المسلمين ضد السياسات العامة التي تكرِّس الفساد والاستبداد، وأن الإخوان مع ضرورة أن يكون الشعب إيجابيًّا تجاه هموم وطنه؛ حيث إن الإصلاح السلمي يتحمل تبعته الشعب المصري كله وكافة قواه الحية.
وأكد البيان على أنه "لما كانت السلطة التنفيذية قد أصمَّت أذنيها وأغمضت عينيها أمام كافة دعوات الإصلاح؛ فإن الإخوان المسلمين يتجاوبون مع الدعوة إلى التزام المواطنين بيوتهم يوم 4 مايو القادم، وتستثني من ذلك الفئات التي يتوقف عليها صحة المواطنين والامتحانات ومرافق الدولة الحيوية.
وأضاف"الإخوان المسلمون مع حركة الاحتجاج السلمي التي تطالب بحل الأزمات ومواجهة الأوضاع المتردية التي يعاني منها الشعب، وأنهم ضد أي مساس بمؤسسات الدولة أو الممتلكات العامة والخاصة، وأن يؤدي الاحتجاج السلمي إلى أي نوعٍ من الفوضى".
ضربة الأحكام العسكرية
|
|
الشاطر مع مجموعة من قيادات الإخوان |
تبدو إيجابية الإخوان وموقفهم من المشاركة ودعوتهم لعدم خروج المواطنين من منازلهم وكأنه رد علي ضربة الأحكام العسكرية الموجعة والتي طالت القيادات الاقتصادية للجماعة، والتي لم تكن متوقعة علي الإطلاق، وبخاصة ما طال فيها النائب الثاني لمرشد الجماعة المهندس خيرت الشاطر ورجل الأعمال حسن مالك واللذان حكما عليهما بسبع سنوات، وكذا الأحكام التي طالت قيادات الخارج ووصلت لعشر سنوات.
وأيضا تأتي هذه المشاركة في إطار حالة رد الفعل على منع الإخوان من المشاركة في انتخابات المحليات والتي كان قد تم تأجيلها منذ عامين، فما الذي تنتظره الجماعة بعد أحكام عسكرة قاسية ومنع من المشاركة السياسية في الانتخابات؟.
أيضا قد يفسر موقف الإخوان من إضراب 4 مايو بأنه يدخل ضمن حالة الجرأة المتعاظمة في الحالة السياسية المصرية على شخص الرئيس مبارك والذي كان الاقتراب منه فيما قبل خطا أحمر لا يجاوزه الإخوان ولا غيرها من القوي المعارضة سواء كانت إسلامية أو ليبرالية، كما أن مشاركة الجماعة تأتي بعد حملة انتقادات لاذعة من قبل قيادات المعارضة للجماعة والذين رأوا في هذا الموقف السلبي "انتهازية" لأنه لا يصب في المصلحة المباشرة للجماعة، والمثال الواضح في ذلك دعوة الجماعة للمشاركة في إضراب أساتذة جامعة القاهرة ثم انسحابهم في اللحظات الأخيرة.
كما رأي البعض الآخر في موقف الجماعة تخاذل وانفصال عن حركة الشارع المصري التي تدعي الجماعة إنها تستمد قوتها منه، وهو ما وضع الجماعة في موقف محرج أصبح يهدد شعبيتها بالفعل بل إنه يصيبها في مقتل، فكيف لجماعة ترفع شعار الإصلاح تحجم عن مشاركة الناس همومهم وقضاياهم؟.
موقف الجماعة المتناقضة
|
|
دعوات الإضراب على أوراق العملة |
بداية يقول عصام سلطان – نائب رئيس حزب الوسط تحت التأسيس – إن موقف الإخوان المتضارب من إضرابي 6 إبريل و4 مايو أظهر بشكل واضح مساحة التناقض في المواقف السياسية للجماعة، على أن هذا التناقض ليس مقصورا علي الإخوان فقط وإنما ينسحب على كافة القوي السياسية "التقليدية" الموجودة علي الساحة.
ويفسر سلطان ذلك بقولة أن مبعث هذا التناقض في السنوات الأربع الأخيرة هو حدوث فجوة شاسعة بين النخب السياسية، وفي القلب منها القوي "التقليدية" ويمثلها الإخوان، وبين الشارع المصري، حيث تولد الإضرابات والتظاهرات من الشارع ومن قبل مواطنين ليس لهم أي انتماءات سياسية، فأصبحت حركة الشارع بذلك سابقة للنخب بعشرات الخطوات في حين أنه ووفقا للفقه السياسي ينبغي إن يحدث العكس، بأن تقود النخبة الجماهير وليس العكس.
ويضيف" السنوات الأخيرة التي شهدت عشرات الإضرابات والاعتصامات كشفت عن عجز النخبة فتقدم الشارع وتراجعت النخب، بل وتخلفت تخلفا شديدا، فأصبحنا نري قيادات جديدة مثل إسراء عبد الفتاح ناشطة "الفيس بوك"، والطالب "بلال دياب" الذي وقف محتجا ضد رئيس الوزراء وموقفه السلبي من اعتقالات منظمي إضراب 4 مايو، وانتقد كذلك الأحوال المتردية وارتفاع الأسعار، وأيضاً الطالبة آلاء التي كتبت موضوع "إنشاء" استحقت بسببه عقوبة من إدارة المدرسة.
ويستطرد "وهكذا بدأ المجتمع ينتج قيادات جديدة نجحت في تحريك المياه الراكدة في الشارع المصري، فنتج عن ذلك موقف عمال الضرائب العقارية وعمال مصانع المحلة الكبري وكفر الدوار والسكة الحديد وغير ذلك، في حين لم نري أي أثر فعل سياسي لرؤساء الأحزاب اللهم إلا تصريحات هناك وهناك أو صراع من أجل كرسي في مجلس الشعب أو المحليات وكلها – حسب قوله – خارج إطار الفعل السياسي، ومن إنتاج الشارع الذي يسهم بشكل حقيقي في عملية التغير، والإخوان يلهثون مثل غيرهم من القوي السياسية في محاولات متكررة لكسب رضا الناس ورفعة تهم عنهم بالتخاذل والتراجع وما هم برافعيها.
ويؤكد عصام سلطان أن جماعة الإخوان المسلمين وجدت نفسها إزاء موقف متأخر كثيرا، ولا يتناسب مع وضعهم كتنظيم ضخم ذو شعبية كبيرة، وهو موقف لا يلبي فكرة الاستكبار الداخلي المتضخمة نتيجة كثرة المقاعد الخاصة بهم داخل البرلمان "88 مقعدا".
ولفت سلطان إلي أن هيبة "مرشد الإخوان" تكسرت أمام هيبة إسراء عبد الفتاح مناضلة إضراب 4 مايو، رغم أن الفرق بينهما 41 عاما، كما أن هيبة مكتب الإرشاد تحطمت أمام جرأة الطالب بلال دياب بجامعة القاهرة غير المنتمي للجماعة بحيث لم يقف أحد من طلاب الجماعة والبالغ عددهم أكثر من سبعة ألاف نفس موقفة، لأنهم لم يحصلوا علي الأذن من قيادتهم، والأذن ربما يأخذ عدد من الإجراءات الروتينية والبيروقراطية القاتلة، في الوقت الذي يحتكر فيه المرشد حق الكلام.
تغليب رأي القواعد
|
|
إضراب عمال النسيج في المحلة | من جانبه يقول د. السيد عبد الستار المليجي – عضو مجلس شوري الجماعة – إن موقف الإخوان الأخير جاء استجابة لرأي القواعد المهملة من قبل قيادات الإخوان، حيث ضغطت هذه القواعد من أجل المشاركة في هذا الإطار، مما مثل تحديا للجماعة بين أن تقبل برأي هذه القواعد، وبين أن يحدث انشقاق داخل صفوف الجماعة، فكان تغليب رأي المشاركة، وفي هذا إيثار لمبدأ السلامة التي تحرص الجماعة عليه.
ويرى المليجي إن الإخوان استفادوا من تجربتهم السيئة من مقاطعة إضراب 6 إبريل، والتي كانت سببا في انتقادات من قبل كل القوي السياسية بشكل عام، حيث اعتروا أن موقف الجماعة غامض وغير واضح، ولم تكن هناك إجابات واضحة عن عدم مشاركة الشارع والمجتمع قضاياه ومشاكله الحقيقية.
ويبرر المليجي موقف الإخوان في 6 إبريل بالموقف المتعجل، الذي جاء قبل جلسة النطق بالأحكام العسكرية يوم 15 إبريل، فكان نتيجة تفكير متعجل وليس موقف رشيد مما تتطلب من الإخوان تصحيحه وتصويبه برأيهم الأخير من إضراب 4 مايو.
ويتوقع المليجي نجاح إضراب 4 مايو، مؤكدا إن إضراب 6 إبريل قد نجح بالفعل بدون الأخوان، ولكن الأخير سوف ينجح أكثر بوجود الإخوان وإن كان غير مرهون بهم.
أما لاشين أبو شنب عضو مكتب الإرشاد بجامعة الإخوان المسلمين فيدافع عن موقف الإخوان في الإضرابين مؤكدا إنه يعبر عن الشعور العام لكافة المصريين برفض الفساد والرغبة في الإصلاح والتغيير، ويمكن الإخوان في نفس الوقت من المشاركة في حركة الشارع، مضيفا أن هذا الرأي لم يكن نتيجة ضغط أو ابتزاز لقوي سياسية أخري، فهو موقف متأصل للجماعة وجاء بعد تفكير وتبادل لوجهات النظر، ويختم لاشين رأيه بأن الإخوان لا يخافون المشاركة في أي عمل من شأنه خدمة هذا الوطن وخدمة أبناءة.
تصحيح المسار
أما د.رفيق حبيب الباحث في شئون الحركات الإسلامية فيقول إن رفض الإخوان المشاركة في إضراب 6 إبريل جاء من منطلقات عدة منها الخوف الشديد من النزول إلى الشارع لعدم وجود ضمانات حقيقية من قبل منظمي الإضراب في حال مشاركة الإخوان بهدف تجنيب الجماعة تحمل تبعات أي أعمال تخريبية من خلال مشاركة عمال المحلة النزول للشارع وهو ما قد حدث بالفعل.
ويؤكد حبيب إن موقف الإخوان الأخير يعبر عن تصحيح للمسار الذي أخطئوا فيه بعدم إعلانهم التضامن مع الإضراب بشكل جعل كل القوي السياسية الأخرى تنتهز الفرصة لتوجه انتقاداتها للجماعة، كما أن الإخوان مطمئنين لهذا الإضراب ومدركين عواقبه المحمودة من خلال التواجد في المنزل دون القيام بأي أعمال تخريبية من شأنها أن تكون مبرراً لحملة اعتقالات جديدة في صفوف الجماعة، فالدولة تستغل كافة الفرص لتنفيذ هذه الاعتقالات.
صحفي مصري
|