القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

الحلقة الثامنة من رواية الأمس واليوم وغدا

 

( 8 )

 

بدأت عزة تلاحظ تزايد النشاط الطلابي بشكل لافت جدا بعد تجديد انتخاب اتحاد الجماعة الإسلامية .. وأصبح لعادل حمدي محاضرة شبه يومية قبيل بداية المحاضرات الجامعية ، يبدأها بترتيل آيات من القرآن الكريم بصوته المشحون بالشجن ، ثم يتحدث إلى الطلاب والطالبات في موضوع من موضوعات الدين أو السياسة أو معلنا عن نشاط طلابي ما ..

لم تكن هذه المحاضرة اليومية يزيد وقتها في الغالب عن عشرة دقائق ، وكان عادل دائما يختار من آيات القرآن الكريم ما كان يصور مشاهد الجنة والنار ، وأحداث يوم القيامة ، ما لم يكن متحدثا في قضية لها علاقة بالقرآن فكان يبدأ كلمته بتلاوة آيات تتناول أو تشير إلى هذه القضية ..

وكان حديث عادل حمدي يتسم بالتدفق والاندفاع في حماس ويقين وكأنه شلال يتدفق من جبل .. فكان يؤثر في سامعيه .. حتى الطلاب والطالبات المختلفين معه في التوجه كانوا ينتظرون كلمته ويحرصون عليها ، ويشعرون فيها بالمنطق والعاطفة معا ..

حدثهم عادل حمدي عن شمولية الإسلام .. وكان هذا حديثا طويلا مفصلا على حلقات كثيرة متتابعة أو متفرقة .. حتى بدا أن حديث شمولية الدين يمثل الهاجس الأكبر عند عادل حمدي ، ويحتل الأولية الأولى بين اهتمامات الجماعة الإسلامية ..

كانت معظم كلمات عادل في المدرج تحاول أن تخرج الدين من مفهوم حصر العبادات في المسجد إلى أطر أوسع وأرحب .. وأن الحياة في فكر عادل حمدي كلها بكل تفاصيلها ودقائقها محراب عبادة لله تعالى ..

وحدثهم عن الأخلاق وارتباط الخلق الحسن والمعاملة الطيبة بالدين ، حيث أن الأخلاق والمعاملات ثمرة كل فريضة من فرائض الدين .. فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ، ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه .. والمرء يبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم ..

وكان عادل حمدي نفسه دمث الخلق ، طلق الوجه ، سريع الابتسام ، يبتسم بعينيه ، ويبتسم بشفتيه ، ويبتسم بوجهه كله .. غير أنه كان سريع الغضب كذلك يحمر وجهه ويرتفع صوته بشدة !!

          وحدثهم حديثا ينزف دما عن قبلة المسلمين الأولى ، وجرح العروبة والإسلام ، فلسطين ، فكان إذا تحدث عن فلسطين يتأثر ويؤثر ، ويبكي ، ويُبكي ..

وكان حديثه دائما عن فلسطين ناعما حالما كأنه يتحدث عن معشوقته في زمن الهجر .. لا يمل من الحديث عنها والتغني بحبها ..

كانت هذه الميادين الثلاثة هي كل شواغل عادل حمدي ..

ومع ذلك فإنه كان يتحدث أحيانا عن المرأة ..

والمرأة في حديث عادل حمدي وفي رؤيته لها وضعا عجيبا .. كان حديثه عنها وإليها يقطر رقة وعذوبة ، فتشعر عزة الحلواني بانفطار قلبه ورقته ..

وصدق كل من وليد وعادل في وعديهما للطلاب ، فتنوع نشاط الاتحاد بين الرحلات والمسابقات الثقافية والحفلات أو الندوات الفكرية والأسابيع الثقافية ، والمعرض الفني ، والدورات الرياضية ..

ولبى هذا التنوع في النشاط حاجة أغلب الطلاب .. لكن هذا لم يمنع بعض الطلاب والطالبات من إظهار سخطهم على كل ما يدور في الكلية من نشاط ، ومنهم من لم يجد في كل هذه الأنشطة ما يجذبه إليها أو حتى يرضي ذوقه ..

بعض الطلاب كانوا يشعرون بالاختناق في هذا الجو الذي يشيعه طلاب الجماعة الإسلامية في الجامعة عبر اتحاد الطلاب وأسرة النور ..  

 

قالت رباب تعبر عن شعورها تجاه الجو المحيط بها :

-   الجو العام يخنقني .. طلاب الجماعة الإسلامية المسيطرون على اتحاد الطلاب وعلى أوجه النشاط في الكلية وفي الجامعة يشعروني بالاختناق !!

-   سألتها جيهان في شيء من شرود : لماذا كل هذا يا رباب ؟ الذي يظهر الآن أن هؤلاء الأولاد جيدين ونشيطين .. فماذا يضيرك منهم ؟

-        لا أعرف .. لكني أشعر بالاختناق .. أسعر وكأنهم ينصبون أنفسهم أوصياء علي ، وأنا لا أحب وصاية أحد ..

-   تدخلت إيمان في الحوار قائلة : العجيب حقا يا رباب أنك من أكثر طالبات فرقتنا الدراسية التزاما بقواعد الأخلاق العامة .. لم نرك ذات مرة في موقف مسيء أو محرج ، لم نر طالبا يحاول الحديث إليك لشدة عزلتك واحترامك لذاتك ، وملابسك رغم عدم حجابك إلا أنها ليس فيها أي أغراء أو إثارة  !! في الحقيقة كنت أتوقع منك أن تكونين أكثر طالبة مقتنعة بأفكار ومبادئ ودعوات الجماعة الإسلامية لأنك أكثر الطالبات تطبيقا لها !!

-   قالت رباب في امتعاض وشيء من حيرة : أنا لا أعترض في الأساس على الأخلاق العامة في دعوات وكلمات اتحاد الجماعة ، إنما أنا أحتج على المبدأ نفسه .. أنا أعترض أن تفرض مجموعة من بيننا .. طلاب مثلهم مثلنا .. وصايتهم علينا ولو باسم القيم والأخلاق العامة أو حتى الدين ! ..

-   قالت عزة الحلواني في حنق : أمرك عجيب يا آنسة رباب .. تؤمنين بالشيء وضده !! .. فأنت تؤمنين بالأخلاق والمبادئ بشرط ألا يفرضها عليك أحد ..

-   قاطعتها رباب في انفعال : لقد عبرت بالضبط يا عزة عما أرفضه .. أن يفرضها علي أحد .. لا أحد يستطيع أن يفرض علي شيئا ولو كان صوابا ..

-   قالت إيمان وهي تبتسم : ولكننا لم نلحظ أبدا أي محاولة أو حتى شبه محاولة من طلاب الجماعة أن يفرضوا علينا أو على أي أحد بالجامعة شيئا .. فكل نشاطهم ما هي إلا دعوات وكلمات كلها نصائح ، فإما أن نقبلها أو نرفضها ..

-        علقت عزة في خشوع ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )

-   عقبت رباب في غضب : من الواضح أن هؤلاء قد نجحوا في غسيل مخكم .. وها أنت يا عزة تنزلين هؤلاء الطلاب منزلة الله سبحانه وتعالى .. فالله تعالى يعطي حرية الاعتقاد للإنسان .. وأنت يا عزة تساوين بين ما يمنحه الرب من حرية ، وبين ما يمن به علينا هؤلاء من حرية !!

-   قالت عزة مدافعة عن نفسها : أستغفر الله العظيم .. أنا لا أقصد أبدا مساواة أحد من البشر بخالق البشر .. إنما قصدت أن هؤلاء الناس يطبقون تعاليم الله ، وهم لذلك أهل للتبليغ عن الله ..

-   قالت رباب في عنف : هذا ما أرفضه أرفض الوصاية علينا .. وأرفض الوصاية على الدين والأخلاق .. أرفض أن ينظر هؤلاء الطلاب إلى أنفسهم على أنهم متميزين عنا فينصحوننا .. لا فنحن وهم نتقبل النصيحة من العلماء ورجال الدين .. فهم فقط من حقهم التبليغ عن الله ..

وأقبلت عبير بصخبها بصحبة علا ، فانقطع الحديث ..

 

 

          وأثبت عادل حمدي عبقرية جديدة في مجال مختلف .. لقد كانت مادة المجتمع تمثل كابوسا مزعجا لطلاب الفرقة الأولى ، كانت المادة في طبيعتها جديدة على الطلاب الذين تخرجوا أساسا في القسم العلمي ، فكانت غامضة ومبهمة بالنسبة إليهم ، وما زادها غموضا وتعقيدا أن مدرسها الدكتور أحمد مصطفى كان شديد الاعتداد بنفسه ، شديد الحرص على جعل المادة تبدو أكثر غموضا وصعوبة ، وكان الأستاذ أحمد مصطفى مدرسا مساعدا ، وكان شابا شديد الوسامة كامل الأناقة ، كثير العجب إلى حد الغرور ، وكان ذو طبع حاد لا أثر على وجهه لابتسامة أو شبه ابتسامة ..

 وكان إذا دخل إلى المدرج وبدأ في إلقاء محاضرته يلقي الأسئلة المفاجئة المبهم على الطلاب والطالبات .. ولم يصدف مرة أن أجابه أحدهم إجابة صحيحة كاملة .. فبدت أسئلته دائما بلا إجابة ..

في إحدى المحاضرات فاجأ الأستاذ أحمد مصطفى الطالب هشام سعيد بسؤال عجيب ، والطالب هشام سعيد نفسه كان حكاية في حد ذاته ، لقد كان وجهه يشي بنوع من البلاهة والغباء ، وسواء كانت تلك النظرة الأولى لملامح وجهه صائبة أم خاطئة ، فإنه كان يبدو كذلك بشعره المجعد غير المصفف ، وملابسه الرثة التي لا أثر فيها لاعتناء ، ونظارته الطبية شديدة السماكة ، وذقنه غير الحليق فتنمو عليه شعيرات في غير انتظام ولا هندام تزيد منظره الرث رثاء ..

 وكان هشام سعيد هو احد الطلاب الراسبين في الفرقة الأولى ، فكان يعيد العام .. وكان بطبيعته تلك إذا تكلم تبعثرت الحروف منه في عفوية وبطئ ..

فاجأه الأستاذ احمد مصطفى بعدما أشار إليه ليقف ، وسأله :

- هل أنت تحب ؟

 

وحبس الطلاب أنفاسهم .. بين الخوف والدهشة ، وهم يكتمون ضحكاتهم .. وقد ظن أغلبهم أن هذا السؤال يوجهه الأستاذ لهشام كنوع من التقريع واللوم بسبب شروده الدائم في المحاضرة ، ومظهره المزري ، كأنه صار عاشقا من نوعية قيس ليلى وغيره من كبار العاشقين ..

 

ووقف هشام سعيد في مكانه مشدوها لم يفهم شيئا ولم يحر جوابا !!

وعاد الأستاذ يسأله بصوت أكثر حدة وارتفاعا :

-        ألم تشعر بالحب من قبل ؟

-        ولم تصدر عن هشام سعيد أي حركة تدل على أنه يستوعب ما يجري أمامه وكأنه قد فقد السمع والنطق معا ..

وانطلقت همهات خفيفة خافتة من الطلاب والطالبات يكتمون ضحكاتهم بصعوبة بالغة ، ويحبسون أنفاسهم تحسبا أن يأتي عليهم الدور للإجابة على هذا السؤال السخيف الذي ظل الأستاذ احمد مصطفى يكرره في إصرار وإلحاح ..

فإذا بالأستاذ احمد يترك هشام سعيد وشأنه بعدما استشعر أنه لن يتجاوب معه ولو بإيماءة من رأسه ، ويوجه السؤال بصفة عامة للطلاب والطالبات ..

وقف الطالب محمد سالم يقول في نوع من جرأة مشوبة ببقايا خجل فطري قديم :

-        أنا أشعر بحالة حب يا دكتور ..

-   استمر الأستاذ احمد في توجيه أسئلته الحرجة قائلا : وبماذا تشعر إذا رأيت محبوبتك ؟ أو ما الذي يشعرك أنك تحب تلك الفتاة دون سواها ؟

-        أجاب محمد سالم وقد ازدادت جرأته وتوارى خجله تماما : سرعة دقات القلب و ..

-   قاطعه الأستاذ احمد بصوت مرتفع وهو يشير إليه وكأنه ظفر منه بما كان يبحث عنه : سرعة دقات القلب .. هذا بالتحديد ما كنت أريد سماعه .. فهذا المقياس ليس علميا ولا ثقويا وهو غير محدد !! فشروط أي معيار علمي أو اجتماعي أن يكون محددا وثقويا ، أي أنه ينطبق على كافة الناس حين يتعرضون لنفس الظروف .. أما سرعة دقات القلب فقد تكون لها أسباب كثيرة منها ما هو مرضي ومنها ما يكون نتيجة مؤثرات مختلفة مثل الخوف  وغيره ، فسرعة ضربات القلب هنا ليست دليلا ثابتا على حالة الحب ..

ثم ما لبث الأستاذ احمد مصطفى يتحدث بالتفصيل عن ثقوية المعايير الاجتماعية ضاربا الأمثلة من هنا وهناك .. و قد نسى وقوف الطالب هشام سعيد في مكانه الذي أوقفه فيه ، حتى مضى على ذلك وقت طويل والأستاذ مسترسل في شرحه حتى التفت فجأة فرأى هشام واقفا في موضعه فسأله في عجب أثار الضحك :

- نعم .. هل تريد أن تسأل سؤالا ؟

ومن جديد بدت الحيرة على وجه هشام ولم يجد جوابا ..

فعاد الأستاذ يقول في عنف :

-        إذن لماذا تقف هكذا طالما لا تريد أن تسأل عن شيء ؟!

-        وتململ هشام من جديد فأشار له بالجلوس في ضيق وتبرم ..

 

هكذا كانت محاضرات الأستاذ احمد مصطفى ، وهكذا كانت أسئلته الصعبة المحرجة والمقلقة لطلابه .. ومما زاد الأمر تعقيدا أن كثيرا من طلاب الفرقة الثانية كانوا قد انتقلوا إليها حاملين معهم مادة المجتمع بعدما رسبوا في امتحانات الفرقة الأولى ، فكان هذا يشكل عنصر ضغط إضافي في محاضرات هذه المادة ..

وفي هذه المادة أثبت عادل حمدي نوع جديد من العبقرية .. فلم تمر أربع محاضرات من هذه المادة على هذا النسق حتى فوجئ الطلاب الذين كانوا يتوارون عن عيني الأستاذ أحمد مصطفى بعادل حمدي يبادر بتوجيه الأسئلة إلى المحاضر ، وكانت أسئلته تدل على أنه قرأ موضوع المحاضرة الجديدة جيدا ، كما كانت تدل على العمق مع التركيز على الثغرات في عرض الموضوع في الكتاب المقرر  ، وأصبح الدكتور احمد مصطفى غالبا في موضع الإجابة على الأسئلة ، وأصبح أكثر تركيزا في الشرح منه في الاستعراض .. ولم يعد لديه كثير وقت داخل المحاضرة لإحراج طلابه ..

وفي إحدى المحاضرات وكان الحديث يدور عن الثقافة ، وكان موضوع المحاضرة عن الثقافة الانحرافية وكان يتناول هذا النوع من الثقافة الذي يخالف أعراف المجتمع وقيمه ، وكانت الأمثلة المذكورة كلها تركز على شرائح منحرفة من مدمني أنواع من المخدرات ومتعاطي البانجو وأنواع مختلفة من الشذوذ السلوكي والأخلاقي ، غير أن التعريف نفسه الذي كان عليه مدار المحاضرة كان يعتبر كل ثقافة جديدة قليلة الأتباع داخل المجتمع تمثل ثقافة انحرافية .. وهنا انبرى عادل حمدي مقدما إلى الأستاذ أحمد مصطفى بحثا من عدة ورقات ، ثم وقف يشرح وجهة نظره قائلا :

- ليست بالضرورة كل ثقافة جديدة تعد ثقافة إنحرافية يوسم أصحابها ودعاتها بالانحراف ، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسله الله تعالى بالإسلام ، كانت ثقافة الدين الجديد تخالف ثقافة المجتمع الجاهلي رغم عظمة ما يحمل من ثقافة ، وانحراف ثقافة المجتمع الأصلي وجاهليته ..

أشاد الأستاذ أحمد مصطفى بتعقيب عادل ولم يكن يعرف اتجاهه من قبل ، لكنه مع ذلك التقط منه الخيط قائلا :

-   هذه الحقيقة قد تنطبق كذلك على ثقافة الجماعة الإسلامية .. فهي وإن كانت ثقافة مخالفة أو مضادة لبعض تقاليد وعادات المجتمع ، إلا أنها ليست بالضرورة ثقافة انحرافية أو منحرفة ، فقد يكون فيها الكثير من القيم والمبادئ الراقية ..

 

أشرق وجه عادل حمدي وقد نجح في إيصال رسالته كما أراد .. وأوصلها على لسان أستاذ مادة المجتمع !!

 

لكن الذي أفاد طلاب الفرقة الأولى من جرأة وعمق زميلهم عادل حمدي هو اجترائهم المتكرر على الأستاذ أحمد ومبادرته بالأسئلة بشكل مستمر مما أفقد محاضرة المجتمع  رهبتها وما كانت تسببه لهم من ذعر بالغ ، فتجرأ كذلك عرفه إبراهيم مكثرا من الأسئلة على المحاضر ، تبعه في ذلك الطالب منير محمد .. ثم تجرأت على ذلك رباب .. حتى صارت محاضرة يوم السبت مثلها مثل باقي محاضرات أيام الأسبوع .. وكان جزاء عادل حمدي أنه كان أول طالب بفرع الكلية يحصل على تقدير ممتاز في مادة المجتمع في هذا العام ..

 

          وفاجأت إيمان الحوفي صديقتها عزة الحلواني ذات صباح عندما كانت تنتظرها كالمعتاد لاصطحابها إلى الكلية ، فاجأتها كما فاجأت جميع الزملاء بارتدائها ثوب قصير يغطي ركبتيها بالكاد في منظر يتناقض كل التناقض مع طرحة الرأس التي تغطي بها شعرها ..

ومبينا عن ساق بيضاء ملفوفة بضة في جمال وفتنة ..

وقبل أن تعلق عزة بكلمة وهي تنظر مشدوهة إلى ساقي صديقتها  .. همست إيمان وهي تضع إصبعا فوق شفتيها تحثها على الصمت قائلة :

-        لا عليك يا صديقتي .. فغدا إن شاء الله سترين المفاجأة الحقيقية ..

وعبثا حاولت عزة جاهدة أن تستنطقها .. لكن إيمان أصرت على الكتمان قائلة وهي تضحك :

-        وكيف تصير المفاجأة مفاجأة إن أنا أخبرتك بها الآن ؟

وعبثا حاولت عزة تخمين ما تعده صديقتها من مفاجأة ، وأعياها التفكير دون أن تصل إلى نتيجة ..

 

وحضرت إيمان إلى الكلية في اليوم التالي ترتدي عباءة فضفاضة وخمار واسع طويل معلنة عن شخصيتها المختلفة في ثوبها الجديد .. وكأنها بالأمس كانت تقدم الاستعراض الأخير لنجمة المسرح قبل أن تعلن الاعتزال !!

ونظرت إليها عزة في غبطة وحسرة .. كانت عزة فرحة من قلبها وهي ترى إيمان تسير بجوارها كملاك يمشي على الأرض .. ولكن في نفس الوقت كانت تأكلها الغيرة وهي تتساءل أما كان أولى بها أن تتخذ هي هذه الخطوة ؟

ألم تكن هي الأقرب أن ترتدي الحجاب وتعلن عن انحيازها الكامل للدين .. وانحيازها إلى .. إلى .. إلى عادل حمدي  !!

ودق قلبها بعنف وشغلها شاغل عكر صفو حياتها وتساءلت في كدر :

لو أن عادل حمدي أراد أن يبحث الآن عن فتاة يربط قلبه بها أيهما يختار عزة أم إيمان ؟؟؟

وملأت الغيرة قلبها حتى كادت تعصف به وبها معه .. واسودت الحياة في عينيها ووجدت نفسها تردد في غل لم تعهده من قبل أبدا في صدرها :

- إذن تفوز إيمان التي كانت بالأمس تسأل .. وهل يوجد في القرآن سورة اسمها سورة ق ؟!

  بالأمس كشفت إيمان عن جمالها الفاتن وهي ترتدي ذلك الثوب القصير الذي أظهر جمال ساقيها البضتين .. واليوم تكشف عن جمال روحها بخمارها الهفهاف ..

 

ورددت عزة والألم يعتصر قلبها : إيمان الحوفي وعادل حمدي فليذهب الجميع إلى الجحيم ..

لكنها عادت تتساءل من جديد بعدما ذهب عنها شيء من الروع :

أليس هذا جزاء ترددها وحيرتها ؟

وهل كانت تجرؤ على اتخاذ هذا القرار ؟؟ .. هب أنها أرادت أن ترتدي الخمار والعباءة الفضفاضة فهل كانت تجرؤ على مفاتحة والديها في هذا الأمر ؟

وتذكرت الكدر الذي سرى في وجه والدها عندما حكت له عن عادل حمدي أول مرة .. والذعر الذي ارتسم على وجه أمها وهي تحذرها قائلة :

دعينا في حالنا يا عزة بالله عليك !!

ثم إن سبق إيمان لها في هذا الميدان لا يخلو من فوائد على ما فيه من منغصات .. فإيمان صديقتها الحميمة ، وهي تدخل بيتها وتخرج ، وإن قبول أهلها لسلوك إيمان واعتيادهم عليه هو المقدمة الطبيعية لما قد تتخذه عزة في المستقبل من قرارات !!

ثم هناك حقيقة أخرى لا يمكن لعزة أن تنكرها إلا إذا أنكرت قلبها بين ضلوعها .. لإنها فعلا تحب صديقتها إيمان الحوفي ، ولا تستيطع أن تتخيل الحياة بدونها .. كما أنها تحب عادل حمدي .. فلن تدعو عليهما بل تدعو لعادل وحده ألا يلتفت إلى صديقتها الحبيبة ..

 

 

في المساء في منزل إبراهيم خليل حيث ملتقى الأصدقاء كانت عينا عادل حمدي تزغرد من الفرحة وهو يدندن :

نعم إن أول غيثي الندى                      سأروي به قاحلات المدى

وأجعل منه سيول الشتاء                     لأغرق فيه حصون العدا

لقد كان عادل حمدي وأصدقائه يعدون كل فتاة ترتدي الحجاب ، وكل طالب يخفف من التدخين أو يقلع عنه ، أو يكف عن مصاحبة الفتيات ، أو يدخل المسجد ثمرة من ثمرات مجهود عادل حمدي ورفاقه ، ولاشك عندهم أن متابعة قراءة القرآن الكريم في المدرج يوميا ترقق القلوب ، وأن كلمات عادل حمدي الواثقة المنطلقة في حماسة واندفاع تملأ العقول وتقتحم الأفكار ..

 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 28 ابريل, 2008 12:51 ص , من قبل م أحمد
من مصر

صراحة أخى أسلوبك أكثر من رائع أنا من محبى قراءة الروايات جزاكم الله خيرا


اضيف في 29 ابريل, 2008 04:55 م , من قبل alaasaad19
من ألمانيا

أخي الكريم
مهندس أحمد من مصر

حياك الله تعالى
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكرا جزيلا على مرورك وتواصلك

وجزاك الله كل خير على تعليقك وتشجيعك

وأسأل الله تعالى أن تكون مسودتي المتواضعة شيئا مذكورا بجوار ما تقرأه من روايات
دمت لنا أخا وصديقا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.