اطمئن يا عصام : عماد لم يكن يصلح له إلا منال ، ومنال لم يكن يصلح لها إلا عماد” ، هذه الجملة رأى فيها أحد الأصدقاء أنها تعبير دبلوماسي جدا من “منال” عن العلاقة بينها وبين عماد ، بينما فهمها من أعرفهم أنها تعبير عن الحب الخالص القوي ، فهمها صديقي هذا على أنها تعبير عن “المعاناة” التي عاشتها منال مع عماد .. ويستصحب على ذلك أدلة ما ذكرت عن الشخصية ذات الطبيعة النفسية الخاصة لعماد والتي تجعل زوجته هي أكثر من يعاني منها ، إلى أي مدى يحظى هذا الفهم بالصحة ؟ في ظني أنه لا يمكن فهم دقيق للمشاعر الإنسانية إلا في ضوء حزمة من المواقف .. موقف واحد مهما كانت دلالته لا يمكن أن يعطيك كل ما هو مكنون داخل المشاعر الإنسانية العميقة المستقرة في الوجدان .. وحزمة المشاعر التي ذكرت بعضا منها الرواية تسير كلها في اتجاه أريد أن أكون أمينا معك فيه .. أشياء كثيرة في حياة عماد سعيد كانت لابد لمنال أن تعاني منها ( قدراته المالية المحدودة جدا – وطبيعته النفسية شديدة الحساسية والتقلب – وعقدته النفسية عميقة الجذور بسبب مشكلة سابقة للزواج من بنات المساجد – ظروف غربته الدائمة التي حولت حياتها معه إلى هجرة شبة اضطرارية وشبه دائمة – العيش معه على الكفاف بمعناه الحقيقي … ) ومع ذلك لم يشعر عماد سعيد بتغير مشاعر منال تجاهه منذ اللحظة الذي لمس فيها كفه كفها لأول مرة بعد عقد الزواج في الإسكندرية عندما قالت له : أحبك قوي .. قوي .. قوي .. إلى اللحظة التي لمست فيها يده في عربة الإسعاف في نفس المكان في الإسكندرية ، لتستودعه الله وتقول له- دون أن تنطق - إنها ستظل تحبه قوي .. قوي .. قوي .. إن هذا الحب الذي بدأ أسطوريا من جانب عماد سعيد في غيابت السجن ، وبدأ في الروح قبل القلب ، وبالأذن قبل العين .. ظل هكذا أسطوريا بعد انتقال منال – رحمها الله تعالى – من دار إلى دار .. ما لم تذكره الرواية ، ولم تذكره كتاباتي بعد ، وقريبا تذكره إن شاء الله .. روت النساء اللاتي قمن بتغسيل منال وتكفينها .. أنها عندما دخل عليها زوجها بعد الغسل وقبيل التكفين .. همس لها في أذنها فضحكت !!! علمت بذلك بعد عودتي للملكة بفترة زمنية .. فكذبت الرواية خاصة أنني لم ألمح مثل هذه الابتسامة ولم أنتبه لها ، فقد كنت في حال .. فطلبت من أمي وكانت رفيقتي في تلك الإطلالة على منال أن تسأل بنفسها ( المغسلة ) فسألتها ، فأقسمت لها بأنها رأت ضحكتها عندما همست لها في أذنها .. والأخوات اللاتي غسلن منال لم تكن تعرفنها ، لطيلة غربتها عن دمنهور .. فهل رأيت حبا أسطوريا يمتد بعد الممات غير هذا ؟! وهل يمكنك أن تجد بغتة صورتك محفوظة في غلاف ( مصحف ) ملك امرأة ، وكان مصحفها الخاص الذي تحفظ منه وتراجع ، فلم تتمكن من رؤية ذلك المصحف وموضع صورتك في غلافه إلا بعد رحيلها .. فبماذا يمكنك أن تفسر سر ذلك !! * “أثبتت منال دوما أنها بنت فكرتها لا بنت بيئتها ، فكانت دائما بنت المسجد لا بنت الحارة” .. كيف فعلتها ؟ يوجد نشيد لأبي رابت يقول : أنا الإسلام قالتها منال لنفسها .. فصارت هي الإسلام .. هي الدعوة .. هي الالتزام ، هي الخلق الرفيع ، هي الطهر ، هي الحياء ، هي الرقة ، هي الأحلام ، هي الأمل ، هي النموذج الذي لا يتكرر كثيرا في حياة البشر .. لم تفصل نفسها لحظة عما آمنت به .. لم تضع فاصلا أبدا بين ما يأمرها به المسجد وبين رغباتها الشخصية ، فأحبت المسجد وأوامره ، فكانت تفعل ما تحب ، وتحب ما تفعل ، ولا تفعل سوى ما يأمرها به الدين الذي تعلمته في المسجد .. فكانت منارة لأبناء المساجد وربيبات الحلقة ، عاشت وفي قلبها مسجد مقدس ثراه ، عاشت وبيتها مسجد مقدس ثراه ، عاشت وحياتها مسجد مقدس ثراه ، لم تسمح لحظة أن يتعكر صفو وطهر وسمو مسجد حياتها بما يتعارض أو يناقض أو يخالف طبيعة المسجد .. لقد عشت معها أربعة عشر سنة – بما فيها فترة الخطبة – فلم أعرف لها طموحا ولا أملا ولا رغبة ولا طلبا ، ولا متعة شخصية ، ولا حاجة نفس ، إلا كل ما يتفق مع ما يأمرها به المسجد ، ولا أذكر أنني سمعت منها كلمة إلا ما يمكن أن يلفظ في مسجد ، ولا رأيت لها سلوكا ممكن أن يتناقض مع ما يمكن فعله في مسجد .. كانت كذلك وأكثر ولا أزكيها على الله غفر لها ما لا أعلم .. * خلبت الرواية لب من قرأها ، هذه حقيقة ، لكن : ألم تكن الرواية “مناقبية” ؟ بمعنى أنها لم تذكر إلا الجانب الحسن من شخصية البطلة ولم تتطرق أبدا إلى الجوانب السلبية ، أتفهم طبعا أن سياق العمل وظروفه يحتم – ربما – تخليد ذكرى منال لا مناقشة شخصيتها بشكل علمي أو تحليلها بأسلوب أدبي موضوعي ، لكن لو نظرنا إلى هذه النقطة من الجانب الفني والنقدي وحده ، فإننا أمام رواية مثالية لا واقعية .. ألا يعد هذا عيبا في الرواية ؟ أبدأ بالجزء الأخير من السؤال فأعترف بأن الرواية من الناحية الأدبية كلها عيوب ، فانا لا أدافع عن الرواية كونها عمل بشري خاضع للخطأ والصواب ، والتوفيق في النهاية والقبول هو من عند الله تعالى .. وأعود إلى المستوي الإنساني أو البعد الإنساني في العمل ، الحقيقة لم تكن السيرة الذاتية إلا صادقة صدقا مطلقا فيما نقلت عن شخصية البطلة ، بل عجزت قدرات الكاتب الأدبية عن التصوير الحقيقي لروعة شخصية منال .. فمن عظمة تلك الشخصية أنك لا تستطيع فعلا أن تعبر عنها أو أن تحيطها من كل جوانبها .. سأحدثك الآن حديث العقل المجرد لا حديث الزوج المحب الوله ولا العاشق المفتون بحبيبته .. سأحدثك حديث العقل وأسألك وعليك أنت أن تجيب بموضوعية ؟ إذا تجرد إنسان من متاع الدنيا ، فلم يهتم منها بمال ، ولا أحب الذهب لا كنزا ولا جمعا ولا حتى تجملا وارتداء ! إذا استعذب إنسان عذابات الدنيا ، وحمد الله على كل شيء في السراء والضراء ، فصبر على تقلب العيش بين الديون ، والتعب وعدم الأمن والغربة ، والمرض وكل منغصات الحياة بقلب شاكر ، ونفس راضية مطمئنة .. إذا ربط إنسان نفسه بالله تعالى وبدينه وبدعوته وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، فلم يفكر إلا بما أمره به الدين ، ولم يجد نموذجا وقدوة إلا في نبي الله ، ولم يحلم إلا بانتصار دينه وانتشاره ، ولم يتألم ألما حقيقيا موجعا إلا من انكسارات أمته ، ولم ينفصم بنفسه عن دعوته أبدا أبدا أبدا في كل جزئية دقيقة من جزئيات حياته إذا جعل الإنسان نفسه ممزوجا بشريك حياته امتزاجا تاما بحيث تتلاشى الكرامة الإنسانية الفردية ، والمتعة الفردية والأماني الفردية ، ليصبح هذا الإنسان شريك بالنصف في كل شيء ، فحياته مرهونة تماما بحياة شريكه فيها إذا قرر إنسان منذ صغره أن يكون محبا للآخرين من حموه وأقاربه وجيرانه ، حتى يقرر قبل أن يعرفهم ، أن معركة حياته كيف يجعل الآخرين يحبونه ! هكذا كانت منال .. فهل يمكنك بعد هذا أن تتخيل أن لها سلبيات حقيقية ممكنة ؟ هل يمكنك بعد هذا أن تتخيل أنه ثمة مشكلات كانت ممكن أن تعرض حياتنا معا ؟ ربما هناك خلافات دائما على التفاصيل الدقيقة .. لكن علام يختلف الناس إن لن يختلفوا على المادة والمال ؟ والعلاقة بالأهل وبالبذل لهم ؟ علام يختلف زوجان إن ارتبط قلبيهما برباط عجيب جدا .. يا أخي الحبيب .. ما ظنك برجل وامرأة التقيا على الله وتحابا على الله ، وتعاهدا على شرع الله ، وحلما بتحقيق مراد الله ، وكانت أسمى أمانيهما الاستشهاد في سبيل الله ما ظنك بزوج وزوجة ما باتا ليلة واحدة طيلة اثنى عشر عام زواج وأحدهما غضبان على الآخر .. فإذا كان بينهما خلاف سوياه في مدة لم تزد أبدا عن ساعتين ؟ ما ظنك بامرأة فقهت قوله صلى الله عليه وسلم متوعدا المرأة التي تبيت وزوجها عنها غضبان ؟ وما ظنك بزوج بلغ من حبه لزوجته أن يشفق عليها من أن يبيت عليها غضبان فتلعنها الملائكة ، فيتودد إليها ولو كانت غاضبة حتى يعاتبها وتعاتبه ويسامحها وتسامحه ويبيتان كأسعد ما يكون عروسان في ليلة زفافهما ؟ ما ظنك بزوجين لم يشتك أحدهما الآخر لأي مخلوق في هذه الدنيا ولو مرة واحدة في اثنى عشر عاما ؟ ما ظنك في زوجين كان كل منهما إذا وجد على الآخر أو غضب من تصرف منه أن يشتكيه إليه ، فينام في حجره ثم يقول له أنه سيحدثه بصفته صديقه ويشتكي له من عشيقه ، فيشتكيه إلى نفسه ؟ ما ظنك بهذين الزوجين وبتلك الحياة ؟ ما ظنك بزوجين لم يعرفا كيف يفترقان ، فربطت الصداقة بينهما في الفكر والشعور والعمل والهواية والنشاط والحلم والأمل وكل شيء ؟ إن شخصية منال التي أحبتها حماتها فكانت أكثر من ابنة لها .. وأحبها حماها حتى يتوسط لها عند ابنه في أمور ، وأحبها عم زوجها حتى يصفها بأنها امرأة ليست من هذا الزمن ولا ذلك العالم الذي نعيش فيه ، ويقول عنها أنها لا تقارن بمخلوق آخر .. وأحبها أصدقاء زوجها وزملاء عمله ، لما لاحظوه عليه من استقرار لا يشعر به إلا من كانت له زوجة بعظمتها .. إن أجمل ما قرأته تعليقا عن تلك الحالة الفريدة التي يعدها البعض مثالية وأراها أنها أقل بكثير من الحقيقة إن ما كتبه أخي علاء أقل من الحقيقة كثيرا ولولا خوفه من عدم تصديق القراء واستشعارهم بالمبالغة لكتب أكثر وأكثر ليقترب من حقيقة منال .. وما لم يذكره شقيقي محمد أن قلمي هو الذي عجز عن تجسيد منال بما تستحق أن تتجسد به .. وتعليق الأخت الكريمة الأستاذة سهيلة عزوني قائلة عن الرواية :في عالم عماد ومنال ابتسم فأنت في عالم سعيد ، إنه عالم طوبي لكنه ممكن !!! دعني أولا أشكرك على إطرائك ، فما الواحد منا سوى ما يمكن أن يقال عليه ( واحد من الناس ) ، ليس هناك هذا التفرد في التميز .. ولكن إذا استشعرت أنت شيئا من ذلك خاصة في شخصية منال رحمها الله فأرجو أن أوفق في وضع وصفة ( روشتة ) مختصرة في نقاط أو خطوات من وجهة نظر شخصية بحتة لتحقيق هذا النموذج وتكراره : • ربط الإنسان نفسه ومصيره وكل شيء في حياته بالله تعالى ورسوله ومنهجه .. بحيث لا يترك في نفسه أي جزئية أو خصوصية بعيدة عن منهج الله .. بل تكون كل أمانيه وأماله وأحلامه مرتبطة بالله تعالى.. • من يؤمن بأن الإسلام هو الحل لكل مشاكل العصر ، يطبق الحل الإسلامي على حياته شخصيا أولا وقبل أن يقدمه للناس .. يعني حتمية ومصيرية الحل الإسلامي لكل شؤوننا الخاصة والعامة والعمل بالنصيحة الخالدة : أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم • ألا يتورط المرء في الانفصام بين شخصيته الدعوية أو الإسلامية أو الملتزمة وبين حياته الشخصية فكلاهما يجب أن يتوحدا وأن يتميز بالشفافية والصدق والإخلاص.. وعندي نصيحة خاصة .. عندما يحيك في نفس الشخص أمرا فلا يبحث عن فتوى لنفسه وإنما يعرضها على فقيه متخصص موثوق ليفتيه .. أما إذا كان له الحق فأراد أن يتركه لله فليأخذ بفتوى نفسه عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : استفت قلبك .. أي نقلب التطبيق للحديث نطبقه لصالح الآخرين أكثر مما نطبقه لصالحنا .. • الزهد في الدنيا بمعنى أن ( تكبر دماغك عنها ) تترفع عن كل مغرياتها ، فالمال والجاه والمنصب والعز والكرامة .. كل شيء عرض زائل .. فما لنا نتكالب عليها ؟ لو تركناها لله ، سنعيش في سعادتي الدنيا والآخرة • حب الناس .. بالمعنى الحقيقي للحب ومحاولة تقديم وتوضيح هذا الحب لهم ، وإشعارهم بذلك وجعل التضحية شيء عادي في حياة الشخص • ادفع بالتي هي أحسن .. قاعدة أساسية لو وضعها الإنسان نصب عينيه كفته بإذن الله وحقق حب الناس ، وحب الناس منحة من الله .. • هذا بعض ما يحضرني بالإضافة بالطبع إلى الاستعداد الفطري ، فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ، ولذا فهناك استعداد فطري لتطبيق هذه القواعد في الالتزام .. ومن يستشعر عدم استعداده الفطري فعليه اللجوء بصدق وإخلاص وتبتل وخشوع للدعاء بأن يجعله الله كذلك ، فالأخلاق بالتخلق كما في الحديث ( إنما الحلم بالتحلم )
وسألن ماذا قال لها زوجها حتى تضحك هذه الضحكة الواسعة ؟
فكذبتها ثانية وقلت لها كيف وقد كان فمها مربوطا حتى لا يتدلى ، فعادت أمي تسألها ، فصممت ا( المغسلة ) على روايتها قائلة ، لم يكن فكها مربوطا وإنما كنت واضعة الخمار أسفل منه فقط !!
فكيف يمكن أن توجد سلبيات حقيقية ومعتبرة ومؤثرة لشخصية مثل شخصية منال ؟
إذا قرر الإنسان أن يكون شعلة بل شمعة تحترق لتضيء لمن حوله .. طاقة حب تنفتح لكل من حوله ، يعطي ولا يأخذ ، يبذل ولا يكسب
إذا تحولت التضحية في حياة إنسان إلى متعة حقيقية يمارسها راضيا سعيدا محبا للتضحية مستمرئا لها ..
تعليق شقيقي محمد حميده معقبا على الرواية فيقول :
بين الطوباوية أو المثالية المغرقة وإمكانية الحدوث .. كانت معجزة منال السكنيدي البطلة المهمشة التي تستحق تخليد ذكراها في هذه الحياة .. وتستحق روحها ومناقبها ألا تموت ..
* إن كل سطر من إجابتك يدهشني ، وأنا الذي أحسب نفسي من الإسلاميين ومن المؤمنين بأن الأمة يجتاحها الخير ومكنوزة بالروائع .. إن كلامك هذا يرفع من سقف خيالي كثيرا .. وهو يرفع من سقف خيال كل القراء بلا شك .. وأعرف أني كلما استزدك زدت بما يزيد من ارتفاع سقوف الخيال ، وهكذا في دائرة مفرغة .. لو قصدنا الاختصار فسألت عن رؤيتك لصناعة مثل هذا النموذج العجيب جدا.. كيف تكون الإجابة الوافية والمختصرة كذلك ؟
.
.
الجمعة, 25 ابريل, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








