القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

الحلقة السابعة من رواية الأمس واليوم وغدا

( 7 )

 

          كان اتجاه الطالبات وعلى رأسهن رباب وجيهان يميل إلى عدم المجيء إلى الكلية في يوم الانتخابات ، فهو سيكون يوما ضائعا دون جدوى .. فالمحاضرات في أغلب الظن ستتعطل .. وهناك جلبة ، وضوضاء ، فالأفضل لهن ألا يحضرن إلى الكلية ، ويسترحن من هذا العناء ، وقد تستغل كل واحدة منهن هذه العطلة الاختيارية في عمل منزلي ، أو استذكار ما فاتها من محاضرات .. لكن إيمان وعزة في المقابل تزعمتا رأيا آخر .. قالت إيمان في انفعال :

-        يا بنات نحن الآن في الجامعة وعلينا أن ندرك الفرق بين الجامعة والمدرسة !

-        قالت علا مشجعة : حدثينا عن الفرق بين الجامعة والمدرسة أيتها الفيلسوفة ..

-        أضافت إيمان بجديتها : الجامعة حياة وانطلاق وشباب ومرحلة تفاعل مع الواقع المحيط بنا ، وليست مجرد محاضرات وكشاكيل وكتب دراسية .. لو لم نعش جو الجامعة بكل ما فيها من صخب ، فما معنى انتقالنا من دنيا التلمذة إلى عالم الجامعة ؟

-        هتفت عزة مؤيدة : هذا هو رأيي منذ البداية .. يجب أن نعش حياة الجامعة بكل أجوائها وصخبها ومشكلاتها أيضا .. لم تكن في مدارسنا انتخابات .. ولم يكن عندنا اتحاد طالبات بالمفهوم الذي يحدث في الجامعة ، فلمَ نقاطع أول انتخابات طلابية نشهدها في حياتنا ؟!.. فلنحضر جميعا ونشارك في هذا اليوم .. وليكن يوما بلا محاضرات .. دعونا يا بنات نشارك في عرس الحرية ..

-        تضاحكت الطالبات على تعبير عزة الأخير ..

-        وهتفت عبير وضحكتها تطوق الحاضرات : يا خسارة يا رباب .. كم كنت أتمنى أن ترشحي نفسك في انتخابات اتحاد الطلاب .. وأن تخوضي هذه الانتخابات ضد عادل حمدي في نفس نشاطه الذي ترشح له .. أظنه مرشحا .. أخذت تعصر ذاكرتها ثم هتفت .. أظنه مرشحا عن اللجنة الثقافية وهو نشاط يناسبك تماما ..

-         همهمت جيهان : أنتن مخدوعات في رباب .. فهي لا تعرف من الثقافة إلا قراءة دفاتر المحاضرات وكتب المقررات الدراسية ..

-         وهتفت رباب في حنق : وهل الثقافة تعني أكثر من ذلك ؟ الثقافة تعني العلم ، والعلم هنا في كشاكيل المحاضرات وكتب الجامعة ..

-        أكملت علا ما بدأته عبير في حديثها الضاحك : لو ترشحت رباب أمام عادل .. كنا سنعيد تمثيل فيلم الخطايا ..

-        وصاحت عبير في صخب وهي تغمز بعينيها لعزة : وكنت شخصيا سأتمنى فوز عادل حمدي  ليغني لنا بصوته الجنائزي ( وحياة قلبي وأفراحه .. وهناه في مساه وصباحه .. ما في فرحان في الدنيا أد الفرحان بنجاحه ) ..

وجلجلت ضحكات الطالبات هذه المرة حتى انضمت إليهن سائر طالبات الدفعة ، فاتفقن جميعا على أن يحضرن غدا منذ الصباح الباكر .. فهو يوم مشهود بكل تأكيد ..

 

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

في  صباح يوم الاثنين وكان هو يوم الانتخابات كانت عزة قد ألحت على صديقتها إيمان بالتبكير في الذهاب إلى الكلية ، كانت تريد أن تتقمص شخصية الصحفية أو الباحثة ، فتحاول أن تشاهد وأن تلحظ كل ما يدور حولها ، وما يدور أيضا في الدهاليز إن أمكن ، ثم تدون كل هذا في مذكراتها الشخصية  ..

عند وصول عزة وإيمان إلى الكلية لاحظتا على الفور الحركة والنشاط عند البوابة .. كما لاحظتا عربة واحدة فقط من عربات الأمن المركزي محملة بالجنود !!  لكنها كانت متوارية خلف الأشجار في الاتجاه المقابل لسور الكلية ، وكأن الأمن لا يريد أن يستفز مشاعر الطلاب في هذا اليوم !!

كان التواجد الأمني على البوابة معتادا إلى حد ما ، ولم يكن هناك توترا ملحوظا .. سوى إصرار جندي الحراسة على تفتيش حقائب بعض الطلاب المشكوك في أمرهم لدى الأمن ، أو المتوقع تعاونهم مع طلاب الجماعة الإسلامية ..

وأدركت عزة على الفور أن ما يجري البحث عنه في التفتيش لم يكن سوى القوائم الانتخابية للجماعة الإسلامية لمحاولة منعها من عبور بوابات الكلية .. وغلبها الفضول وهمست في أذن إيمان :

-        إذن كيف ستدخل قوام الجماعة الإسلامية ؟

-        هزت إيمان كتفها في حيرة ولم تجب ..

ضغطت عزة على كف إيمان تستوقفها في مكان ما بالقرب من البوابة والحيرة تعصف بها .. كيف سيدخلون بالقوائم ؟ وهل ستحدث مشادة بين الطلاب والأمن مثل تلك التي حدثت بين عادل حمدي وبين حرس الجامعة يوم فتح باب الترشيح ؟

وتذكرت أنها تقف مع صديقتها في نفس الموضع تقريبا الذي كانت تقف فيه بجوار إيمان يومها ، وأنها من هذا الموضع التفتت لأول مرة إلى ( زميلنا عادل )  فدق قلبها بعنف  .. وحاولت أن تداري ارتباكها بالحديث مع إيمان .. ولم تمر سوى لحظات حتى أقبلت سامية عبد الغني بقوامها الممشوق وقامتها المرفوعة وخمارها الأبيض الكبير ونظراتها التي تغضها دائما إلى الأرض .. كانت سامية طالبة بالفرقة الثالثة ..  اقتربت سامية من عزة وإيمان وألقت عليهما السلام ، ولم تكن تعودت أن تقف معهما من قبل أو تطيل معهما الحديث ، لكنها بدت هذا الصباح متشبثة بالوقوف معهما في هذا الركن المطل على البوابة الرئيسية للكلية .. وبدأت سامية تسأل إيمان عن رأيها في جو الانتخابات ، وبدا أنها ستفتح معهما حوارا طويلا ، عندما لمحت عزة رضا عبد الحميد قادما من آخر الطرقة بصحبة عادل ووليد ، وما هي إلا لحظات حتى استأذنت سامية دون أن تتم حديثها الذي بدأته مع الفتاتين ..

وسرعان ما انفصل رضا عن رفيقيه ، وشعرت عزة بأن شيئا ما يحدث الآن ، فأفلتت كفها من كف إيمان وسارت خلف سامية تراقب الموقف عن بعد ، وخلفها إيمان تحاول اللحاق بها وتسألها وهي تلهث عما بها ، لكنها التفتت إليها وأشارت بسبابتها بالصمت ، فسكتت إيمان وهي تقول لنفسها لابد أن صديقتها قد مسها مس من الجنون !!

وصلت سامية إلى باب المسجد الكلية ووقفت بالباب برهة حتى تأكدت من خلو المسجد من الرجال والشباب ، ثم دخلت المسجد ولم تلبث سوى دقيقتين ثم خرجت واتجهت إلى الدور الثالث حيث مدرج الفرقة الثالثة ..

بعد ذلك بلحظات تقدم رضا عبد الحميد إلى المسجد وغاب فيه لدقائق ، فاستبد الفضول بعزة ، فذهبت إلى إحدى نوافذ المسجد وبدأت تتلصص من خلف زجاجها ، فوجدت رضا يجلس على الأرض وأمامه كيس أخرج منه أربعة لفافات متوسطة الحجم .. ثم أخرج من كل لفافة بطاقة صغيرة لم تتبينها عزة بالتفصيل من مكانها الذي تقف به .. ووضع البطاقات في جيب سترته ، ثم ما لبث أن أقبل حسام ووليد وعادل إلى المسجد ، وقام رضا بمناولة كل واحد منهما لفافة من تلك اللفافات ، وخرج عادل أولا متجها إلى فرقته ، وانتظر وليد حتى اختفى عادل عن الأنظار ثم غادر المسجد هو الآخر ، وكذلك فعل حسام ..

 

وبدأت عزة تفهم ما يدور أمامها واتسعت ابتسامتها ، وأرادت أن تخبر إيمان باستنتاجاتها ، وتلفتت تبحث عن صديقتها الحميمة فلم تجدها وسمعت جلبة آتية من جهة البوابة الرئيسية فأسرعت عائدة في اتجاهها وبالقرب منها وجدت إيمان تكمل مهمة ( البوليس السري ) ، وهي تراقب المشادة الحامية التي تدور عند البوابة الرئيسية من الموقع الذي تعودتا الوقوف به للمراقبة ..

 

كان صالح قد اشتبك في شجار لفظي عنيف مع أفراد حرس الجامعة ، وكان برفقته زميلين آخرين لم تتعرف علي أي منهما عزة أو إيمان ، وكان صالح يحمل معه مجموعة من الأكياس ، وكان الخلاف يدور أساسا لمحاولة أفراد الحرس منع دخول هذه الأكياس دون تفتيش أولا .. وإصرار صالح على الدخول بها دون تفتيش .. وتطور الموقف واستدعى نزول الكابتن خالد قائد الحرس من مكتبه ، وحضر تقريبا كل أفراد جنود الحرس إلى البوابة للاشتراك في المشاجرة .. رغم أنها لم تتعد فعليا مرحلة الصراخ والاحتداد اللفظي ..

وأخيرا حضر الطالب رضا عبد الحميد ومعه عادل وحسام ووليد وبدأ رضا مع الكابتن خالد تهدئة الموقف  ، وأذعن أخيرا صالح إلى أوامر حرس الكلية وسمح لهم بتفتيش ما معه من أكياس ، واتضح إنها تحوي حلويات وأنواع من الشيكولاتات ، وبالونات وأوراق زينة .. كلها أشياء من لوازم احتفالية ما بعد الفوز في الانتخابات .. أما الطالبان المصاحبان لصالح فاتضح بعد أن وافقا أخيرا على إبراز هويتهما أنهما من أعضاء إتحاد طلاب الجامعة ، وكانا يريدان الدخول من أجل الدعاية الانتخابية ..

ووافق الجميع على احتواء الموقف .. بينما جاء أحد أفراد حرس الجامعة الذين تفرقوا في أعقاب موافقة صالح على تفتيش ما معه من أكياس .. جاء هذا الجندي جاريا لاهثا ممسكا بطاقة صغيرة وهو يشعر بالظفر كأنه ممسكا بتذكرة هروين .. وتقدم نحو الكابتن خالد ، وانحنى عليه وهمس في أذنه ثم وضع البطاقة التي معه في كفه .. وأشار له الكابتن خالد بالانصراف إلى مكانه .. فحياه وانصرف مسرعا كما جاء .. وأخذ الكابتن خالد يدقق النظر في البطاقة التي في يده ، ويقرأ ما فيها بتمعن .. ثم صاح في وجه رضا عبد الحميد في هياج :

-        قل لي يا رضا متى وزعتم قوائم الجماعة الإسلامية ؟ وكيف أدخلتموها إلى الكلية ؟

-        ورفع رضا كتفه وهز رأسه علامة على عدم معرفة ما يرمي إليه .. ثم قال أخيرا :

أعتقد أنكم فتشتم حقائب الطلاب جميعا هذا الصباح ، ومع ذلك لا أعلم كيف جاءت هذه القائمة إلى هنا ..

احمر وجه الكابتن خالد بشدة وكاد أن ينفجر .. فسارع رضا قائلا وهو يبتسم ابتسامة واسعة :

-        اليوم انتخابات يا كابتن .. وكل عام وأنت بخير .. وأنت تعلم بالطبع إن هذه أشياء عادية لزوم نجاح موسم الانتخابات ..

-        بدأ وجه الكابتن خالد يعود إلى طبيعته : لكنه توجه إلى صالح صائحا : أي أن كل ما حدث هنا يا صالح على البوابة كان عملية تمويه .. ساتر .. والشباب بالداخل يعملون والله ينور ..

-         صاح وليد ضاحكا في مرح بريء : يا كابتن خالد  هذا أمر طبيعي لأن صالح صاحب البالونات .. والموضوع كله هواء في هواء ..

وضج الجميع بالضحك .. وانتهى الموقف كله بسلام ..

 

جذبت إيمان عزة من يدها وهي تقول لها : هيا إلى المدرج لنحصل على نسختنا من القائمة الانتخابية ، وإلا كيف يا ( شارلوك هولمز ) سنختار من بين أسماء المرشحين .. بينما عزة لم تكن سيطرت على نفسها بعد من أثر الضحك على الموقف كله ..

 

في المدرج لم تكف عزة عن تسجيل ملاحظاتها .. لاحظت أن المدرج كتلة من النشاط والحركة وأن الحماس لموضوع الانتخابات وحتى الدعاية الانتخابية للجماعة الإسلامية يتعدى أفراد الجماعة أنفسهم ، فعلى سبيل المثال لم يكن لعادل حمدي في هذا اليوم أي دور ملحوظ ، بل إنه لم يقم بتوزيع أي قائمة انتخابية على زملائه الطلاب .. إلا بطاقة واحدة حرص على تناولها من يد زميل ومضى بها داخل المدرج وهو يحملها باعتزاز شديد مما لفت نظر  عزة بشدة ودق قلبها بعنف .. إن الطريقة التي التقط بها البطاقة ، والطريقة التي مضى بها داخل المدرج جعلها لا تملك لذلك سوى تفسير واحد ، فتعقلت عيناها بالكف التي سيهدي لها هذه البطاقة ، وتعلق كيانها كله بالنتيجة .. لعلها كانت متأكدة أن الكف التي ستأخذ هذه البطاقة ستكون كف إحدى الزميلات .. لكن عادل حمدي كان حريصا على إهداء بطاقة قائمة الجماعة الإسلامية إلى زميله الطالب ملاك عزيز عبد المسيح ، وكان ملاك هو الطالب النصراني الوحيد بالفرقة الأولى وكان ربعة ممتلئ الجسم ناعم الشعر ، وكان ابن احد تجار الذهب بالمدينة ، فكانت تبدو عليه في ملابسه وهيئته نعمة الطبقة الارستقراطية .. أخيرا كف قلب عزة عن شدة الخفقان ، واطمأنت ، لا تدري علام اطمأنت ، ولا من ماذا كانت في رعب ..

لكنها رغم كل الأسئلة التي لا جواب عليها عندها شعرت بالاطمئنان ، وشعرت كذلك بالامتنان للطالب ملاك عبد المسيح ..  ولم تفتها كذلك نظرة الود التي كان ينظر بها عادل فتحي لملاك عبد المسيح ، ولا كيف شد على كفه بقوة وعشم وهو يسلمه بطاقة القائمة الانتخابية .. وكأنه يرجوه ألا يخذله .. وكأنه لم يكن حريصا من بين أصوات فرقته الدراسية إلا على هذا الصوت الانتخابي على وجه الخصوص !!

أما الذين تولوا عملية توزيع القوائم الانتخابية وأوراق دعاية تشير إلى انجازات اتحاد الجماعة في السنوات السابقة فكان أشد المتحمسين منهم صلاح وخميس ، وإبراهيم خليل ، ومحمد بسيوني ، وأشرف أبو نعمة وهشام فتحي وعرفه إبراهيم .. أما عادل حمدي فكان مثل العريس يوم عرسه ، يكتفي بتوزيع ابتسامات هنا وهناك ، وفيما عدا بطاقة ملاك عبد المسيح لم يقم بأي عمل دعائي ..

 

مر يوم الانتخابات بالكلية على خير ، وفي أعقاب اليوم الدراسي أعلنت النتائج ، وكانت النتيجة هي فوز كاسح لقوائم الجماعة في الفرق الدراسية الأربع ، ولم يحتج الأمر إلى يوم آخر للإعادة حيث تحققت النسبة القانونية للمشاركة الانتخابية من الجولة الأولى ..

وبدأت احتفالات الجماعة الإسلامية بالفوز الكبير ، أو كما يسمونها ( الزفة ) .. حيث بدءوا الاحتفال مع أصدقائهم الطلاب في فناء الكلية .. بينما كانت الطالبات تشاهدن الاحتفال ( الزفة ) من شرفات الأدوار العليا المطلة على الفناء ..

كان اللافت للنظر أن جميع طلاب الجماعة قد ارتدوا زيا موحدا عبارة عن قميص ابيض وبنطال أسود ورابطة عنق حمراء .. وبدأ بعضهم في توزيع الحلوى والشيكولاته على الطلاب والعاملين بالكلية ، والبعض الأخر انهمك في إطلاق البالونات تعبيرا عن الابتهاج ، وارتفعت أصواتهم بالغناء الجماعي يرددون :

يجي أمريكي يجي شيوعي

شوفوا حيجي معاكم إيه

الإسلام ده جوة ضلوعي

والإسلام منصور يا بيه

 

وتحققت أمنية علا وعبير اللتان كانتا ترقبان مع بقية الزميلات ، فلقد استمعتا إلى الغناء الذي أعقب العملية الانتخابية ، لكنه لم يكن غناء كأي غناء ..

 

 

وفي المساء التف الأصدقاء في منزل إبراهيم خليل حول صينية ( بسبوسة ) أعدتها والدته ابتهاجا بهذه المناسبة .. وكانوا يتضاحكون وهم يتذكرون أحداث اليوم الطويلة .. وكان أهم ما يتندرون عليه في لقائهم الضاحك ، ثلاثة مواقف على وجه الخصوص ..

 

الموقف الأول هو المشهد التمثيلي – كما وصفه بذلك إبراهيم خليل – الذي أداه ببراعة زميلهم صالح ..

أما الموقفان الآخران فكان أولهما مشاركة عرفه إبراهيم  بكل حماس في عملية الدعاية الانتخابية وتوزيع قوائم الجماعة ، رغم اعتراضه أمس وتحفظه على الموضوع برمته .. وكان زميله هشام فتحي يتندر قائلا :

-        عدوى الحماس قد انتقلت إلى صديقنا عرفه !!!

 

أما الموقف الآخر الذي استدعى كثيرا من الضحك ، وأحدث المزيد من اللغط ، فكان موقف أشرف أبو نعمة ، فلقد كان يقوم بعملية توزيع قوائم الجماعة الإسلامية وهو واقف بباب المدرج ، كأنه جندي على ثغر من ثغور الدولة ..

كان مظهره وهو في غاية الجدية وقد شد جسمه كله وتقلصت تعبيرات وجهه ، ولم يفته أن ينظر نظرات ملؤها التحدي والكبرياء لأفراد الحرس الجامعي من الجنود الذين كانوا يجوبون طرقات الكلية ، خاصة هؤلاء القرويين منهم من أمثاله ..

 

وكان إبراهيم خليل قد نقل عنه وهو مستلقيا على ظهره من الضحك موقفه الذي رواه له عن دوره ومجموعة من شباب قريته في انتخابات مجلس الشعب العام الماضي ، وهي الانتخابات التي شهدت مشاركة التحالف الإسلامي بين الإخوان المسلمين وحزبي العمل والأحرار .. حيث أخذ يروي إبراهيم مضخما صوته محاولا تقمص شخصية أشرف أبو نعمة القروية قائلا بفم ممتلئ بالضحك :

- وقفنا نوزع قوائم الانتخابات الخاصة بالتحالف الإسلامي أمام العمدة ذات نفسه شخصيا ..

لقد كنا نتحداه هو وخفره وشيخ الخفراء أيضا.. ولم نتراجع أمام نظرات التهديد ، وصيحات الوعيد التي انطلقت صوبنا من كل جانب ..

 

ثم يغرق إبراهيم خليل في الضحك وهو يعلن عن المفاجأة المدوية فيقول .. وسالت الأخ أشرف :

-        ما شاء الله معنى ذلك أنكم جميعا انتخبتم الإخوان في قريتكم ؟

-        ثم يعود فيقلد صوت أشرف قائلا في صوت ضخم : لا فعندما دخل كل منا إلى الغرفة المظلمة خلف الستائر لاختيار الرمز الانتخابي اخترنا رمزي الجمل والهلال – وهما الرمزين الخاصين بالحزب الوطني حزب الحكومة -  طبعا

-        لماذا يا أشرف يا أبا نعمة اخترتم  الجمل والهلال بعدما تحديتما العمدة والخفراء وشيخ الخفراء ، وأنتم ترفعون رمز الفأس والنجمة – رمزي التحالف في تلك الانتخابات  ؟!

-        طبعا لأننا لا نخاف من العمدة رغم كونه العمدة ، ولقد تحديناه وكسبنا التحدي .. لكننا في الغرفة المغلقة خلف الستائر التي لا يوجد معنا فيها أحد لا نأمن .. فهذه غرفة ملك الحكومة ذاتها ، وكنا نخشى أن تكون بها كاميرات تصورنا ونحن نختار رموز غير رموز حزبها ومرشحيها .. ونحن لسنا نطاول الحكومة فمن يقف بوجهها يذهب خلف الشمس .. أما الوقوف أمام العمدة فشيء آخر ..

 

واختنق الجالسون بالضحك ، وقال عادل حمدي معقبا وعيناه تدمعان من أثر الضحك ..

-        إنني أخشى يا أخ أشرف أن يكون أحد الصوتين اللذين فقدتهما في دفعتنا قد خسرته على يدك أيها البطل الهمام ، فمن كان يراك وأنت تقوم بتوزيع القوائم كان يظن أنك المسؤول الأول عن الجماعة ليس في الكلية فقط وإنما في الجامعة ، ولكنني لا أأمن الآن أن تكون قد تراجعت عن اختيار أسمائنا خوفا من كاميرات المراقبة ..

-        صرخ أشرف أبو نعمة في براءة طفولية كمن يدفع عن نفسه اتهاما بجريمة قتل : وكتاب الله الشريف اخترت أسماء كل من بالقائمة ، فلقد كنا ننتخب في معمل الكلية وليس في غرفة دوار العمدة .. ومعمل الكلية ليس به كاميرات ولا ما يحزنون !!

واستمر الجميع في الضحك والمزاح ..  

 

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 01 مايو, 2008 02:18 ص , من قبل شمس
من مصر

السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة

سيكون التعليق عبارة عن شقين ... و اتمني الا اخيب ظنك هذه المرة

بالنسبة للتصوير فهو رائع كالعادة ... فحضرتك سرت علي الطريق الوسط دون افراط ولا تفريط في وصف انفعالات و اسلوب و دعابة شله الفتيات ... كما عالجت "ببساطة و سهولة و مباشره في ان واحد " بعض المفاهيم المغلوطة عن الثقافة و الدراسة و الفارق بين الكلية و المدرسة ففعلا اعرف الكثيرين خرجوا مثلما دخولا الكلية صفر اليدين .... ثم تصوير الخدعة الجميلة التي دخلت بها قوائم الترشيح ... و وصفك المجمل و الغير مطول لمعركة الانتخابات ... و كيف هي حقاً العلاقة التي يجب ان تكون بين المسلمين و الاقباط ... و ما الي ذلك من القيم الجميلة

و استرعي اتنباهي الصوتين الذان لم يأخذهما التيار الاسلامي , هل كان يقصد ان النصراني لم ينتخب ... ام ماذا ؟؟؟ هي متروكة عامة لخيال القارئ و قد لا يكون هناط علاقة للامر بهذه الاصوات الباطلة

وصف الفرح كان جميلا و راقيا , و مليئا بالحيوية و المرح ... حقا الحلقة كلها جميلة

************************************

الجزء الثاني الذي اريد ان انوه عنه , و اعتقد ان حضرتك ,و الله اعلم , عاصرت موضوع الانتخابات هذه في فترة السبعينات او الثمانينات ... و لان المسطلح الذي يطلق ا لان علي الجماعة الاسلامية "فلم يعد هناك الان جماعة اسلامية بالمناسبة " هو التيار الاسلامي او طلاب الاخوان ( في اخر اربعة سنوات )
و لكني اعتقد ان اسم "التيار الاسلامي " هو الانسب للواقع المعاصر الان

اما واقع انتخابات اتحاد الطلبة الان فللاسف اصبح غاية في السوء

و ما تتحدث عنه هو فعلا ايام زمن جميل ... فعلي ايامي تحديدا اخر عام لي في الكلية - تم شطب التيار الاسلامي تماما من كل القوائم و لم تعد تقتصر المشكلة في توزيع القائمة الانتخابية

و تمت الانتخابات و تم فوز من يريدونة - بالغش - الا قليلا في مرحلتين تم تصعيد من اسميهم مجازا بالمعارضة المعتدلة ... و لكن كان عددهم قليل فلم يستطيعوا ان يغيروا شئ مع الاغلبية المتحالفة مع رعاية الشباب ...

و كانت مهزلة و اقام الطلبة المشطوبين و المساندين لهم انتخابات الاتحاد الحر و كانت هذه هي التعبير ال


اضيف في 02 مايو, 2008 10:04 م , من قبل alaasaad19

كل ما تفضلت به صحيح يا أخت شمس

أنا بالفعل عاصرت الانتخابات الطلاية في الفترة من 87 - 194 وهو التاريخ الذي غادرت فيه مصر

والحقيقة أن الظروف المعاصرة تغيرت ..
ولكني أؤرخ من خلال هذا العمل البسيط لفترة زمنية معينة .. ولذا فإن الحوار وكل ما يدور هو ثابت في زمن الرواية بين عامي 87و91 ميلادية ..
بعيدا عن اللغة الشبابية المعاصرة ومصطلحات الروشنة ، والظروف الراهنة

ربما يكون في الجزء الأخير من العمل تنويها عنها

مع تواصل شكرنا الدائم على تواصلكم الجميل والداعم




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.