( 6 ) في الصباح قبل بداية المحاضرات كانت عزة تجلس كالمعتاد بجوار صديقتها إيمان في الصف الأول في المدرج وبجوارهما رباب وجيهان وعبير وعلا ، كن يتجاذبن أطراف الحديث في نعومة ويتهامسن .. حين دخل المدرج وليد بصحبة عادل حمدي ، وكان وليد طالبا بالفرقة الثالثة ، ولم يكن معتادا أن يدخل مدرج الفرقة الأولى ، لكنه هذا الصباح كان مرافقا لعادل ، حيث توقفا أمام المدرج في مكان الأساتذة .. وتنحنح وليد بأسلوبه المرح المتفائل وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الواسعة التي تميزه من بين طلاب الكلية جميعا .. ثم أخرج المصحف من جيب سترته ، وبدأ يرتل بعض آيات من القرآن الكريم .. كان وليد يجيد التلاوة ، وإن لم يكن يجيد التأثير في سامعيه بالطريقة التي أثر بها عادل حمدي فيهم عند قراءته الأولى في المدرج لسورة ( ق ) ، ولعل ذلك يعود لطبيعة وليد المرحة دائما .. ثم أنهى وليد تلاوته ، وبدأ مباشرة في الحديث إلى الطلاب ، لم يشعرهم أنه ينوى إلقاء خطبة مدوية أو كلمة عصماء ، كان يتحدث بطلاقة من القلب مباشرة ، ودون أن يوقفه عائق عدم إتقان الفصحى فكان يمزج بين الفصحى والعامية في أسلوب يثير الفكاهة والانتباه كذلك .. أعلن وليد أن غدا ستتم انتخابات إتحاد الطلاب ، وأن الأخ عادل حمدي هو الذي تم ترشيحه على قائمة الجماعة الإسلامية من فرع الكلية ، وباعتباره زميلا لكم وممثلا لطلاب الجماعة فإننا نرجو أن تنتخبوه جميعا وأن يحصل على جميع الأصوات هو والقائمة الإسلامية ، منوها على أن خدمات اتحاد طلاب الجماعة هو اتحاد طلاب الكلية لكل طلاب الكلية ، وأنه لا يقصر نشاطه أبدا على النشاط الديني أو على الأخوة المسلمين دون غيرهم أو على المتدينين دون سواهم ، فالعمل والنشاط الطلابي مفتوح للجميع ، والمشاركة متاحة لكل الطلاب .. واستعرض بعض أنشطة اتحاد العام الماضي قائلا : يا أخوة لقد قمنا بأنشطة طلابية كثيرة ومتنوعة بين رحلات الطلاب ورحلات الطالبات إلى الإسماعيلية والفيوم والقاهرة ، بالإضافة إلى الدورات الرياضية والمسابقات الثقافية وأنشطة الجوالة ومجلات الحائط .. والمعرض الفني ، والخدمات العلمية وهي من أكثر الأنشطة التي تميز اتحاد طلاب الجماعة من مذكرات امتحانات إلى ملخصات علمية ، إلى معارض الأدوات المعملية بأسعار مخفضة وكذلك الرحلات العلمية والمعملية .. شجع أسلوب وليد الودي ، وطريقة إلقائه التي تعبر عن إدارته لنقاش أو حوار أكثر من كونها خطبة منمقة الكلمات .. شجع ذلك بعض الطلاب لمناقشته في أريحية ، فسأله صلاح : - وكيف ستكون إجراءات الانتخابات ؟ - أجاب وليد : الأمر بسيط جدا ، فسوف نقوم بتوزيع قائمة مرشحي الجماعة عليكم صباح الغد ، وما عليكم سوى التأشير على أسماء هؤلاء الطلاب في كشوف المرشحين .. - سأله خميس : وكيف نختار قائمة من إثنى عشر طالبا لا نعرف منهم سوى طالب واحد هو الأخ عادل حمدي ؟ - قال وليد بمرح : والله هذه هي المشكلة .. لكن ضمان مني شخصيا أن أداءهم سيكون مرضيا ، لأنهم ينفذون برنامج الجماعة .. وهو البرنامج الذي ذكرت لكم أمثلة من أنشطته .. كما أنكم تلاحظون أن المرشح الوحيد لفرقتكم الدراسية في الفرع هو أخوكم عادل عضو القائمة ، ولو تم انتخاب طلاب آخرون من غير القائمة فلن يكون لكم أي ممثل عنكم في اتحاد الطلاب .. - قاطعته رباب بطريقتها المندفعة التي تثير الضحك أحيانا قائلة : يا أخ وليد إذا كان نشاط اتحاد طلاب الجماعة الإسلامية مفتوح للجميع ، ويدعو للمشاركة لكل الطلاب مسلمين ومسيحيين ، ومتدينين وغير متدينين ، ولا يقتصر على النشاط الديني كما تقول ، فما الفرق بينه وبين أنشطة أي قائمة أخرى ؟ ولماذا الإصرار على الترشيح باسم الجماعة الإسلامية المزعج لي شخصيا ولكثير من الطلاب والطالبات ؟! - فتح وليد فمه دهشة بطريقة استوجبت ضحك الطلاب جميعا .. ثم قال بطريقة عفوية تماما جعلت الجميع يستمرون في ضحكهم : - ولماذا هذا الإحراج ؟ .. ولكن لماذا يا آنسة تنزعجون من الجماعة ؟ أنا مثلا بينكم الآن هل أزعجكم في شيء ؟ ثم مرر أصابع كفه على خده وذقنه بطريقة معبرة وهو يضيف : أنا أعتقد أن وجهي مثل وجوه عموم الناس ، ليس فيه ما يدل على أنني من سلالة ( أبي رجل مسلوخة ) ، ثم نظر إلى عادل ، وهو يشير إليه بيده قائلا ، وهذا زميلكم عادل ليس فيه أيضا ما يخيف أو يزعج !! همت ر باب أن تواصل هجومها ، وتدخل عادل لإنقاذ الموقف ومنقذا لوليد من ورطة شعر أنه يمر بها قائلا في ثبات : - الحقيقة يا أخوة الفرق بيننا وبين أي طلاب يخوضون الانتخابات عاملين أساسين .. أولا الجماعة تخوض الانتخابات بقائمة موحدة وهذا يضمن التجانس والتزام معلن ببرنامج محدد وواضح ، دون أن يكون العمل فرديا أو عشوائيا ، والعامل الثاني أننا نمارس ونطلب المشاركة في كافة الأنشطة الطلابية على أن تكون أنشطة شبابية جدا ومتنوعة جدا كذلك ، ولكن في إطار أخلاقي ، ولا أظن أن الآنسة رباب أو أي طالب أو طالبة أيا كان عقيدته وثقافته لهم اعتراض على الإطار الأخلاقي العام ، وهو يمثل عرف المجتمع بعيدا عن التجارب والمحاولات للخروج من هذا العرف .. وأنا أعد الزملاء بأمرين .. أولا أنه لا وصاية على النشاط الطلابي بأي شكل من الأشكال غير ما يحقق العرف الأخلاقي العام المتعارف عليه في مجتمعنا .. والوعد الثاني هو توسيع دائرة التنوع في الأنشطة الطلابية فانا شخصيا من أنصار النشاط الأدبي والهوايات الفنية .. وسأسعى لإدخالها قائمة النشاط الطلابي للاتحاد في حدود الإمكانات المتاحة .. وأعترف أن البرنامج الانتخابي للجماعة يعاني قصورا في هذا الجانب .. ووعد شخصي ثالث من عندي بعد إذن الأخ وليد : هو أنني اليوم وغدا مرشح الجماعة الإسلامية ، فإذا فزت بأصواتكم فانا أخلع عباءة الجماعة لأكون عضوا باتحاد جميع الطلاب ولست عضو اتحاد طلاب الجماعة .. مفهوم يا أخوة ؟ - نظر إليه وليد مشدوها لحظة ثم بدأ يصفق له بقوة ، بينما بدأت موجة تصفيق حاد من المدرج .. حتى أسكتت كلمات كانت قد بدأت تلقيها رباب في شيء من اعتراض أو امتعاض .. وحضر الأستاذ المحاضر ، فانسحب وليد بسرعة من المدرج ، وعاد عادل إلى مكانه في المدرج بين الطلاب ، وانتهت بذلك دوامة جدال مفتوح كان باديا على رباب استعدادها لخوضه إلى ما لا نهاية .. بعد هذه المحاضرة القيمة التي ألقاها عادل حمدي ، شعرت عزة أنها في دوامة من الحيرة .. لقد ثبت لها إذن أن زميلها عادل الذي ملأت صورته وصوته أيضا وهو يرتل القرآن في خشوع .. ملأت حياتها كلها ، دون أن تدري لذلك سببا ، ثبت لها أنه عضو بل عضو بارز في الجماعة الإسلامية .. كما بدا لها من خلال كلماته الرصينة الواعية أنه .. مختلف .. فكرت مع نفسها لحظة ، فهي لا تستطيع أن تقول مختلف عن أعضاء الجماعة الإسلامية الآخرين ، فهي لا تعرف أحدا منهم بطريقة وثيقة لتقارن بينه وبين عادل ، ولكنه على الأقل بدا مختلفا عن الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام عن أعضاء الجماعة .. تشعر أنه حكيم عاقل ومنفتح .. لكنها كانت تسأل نفسها مرة عاشرة : - لم كل هذا الاهتمام بزميلنا عادل حمدي ؟ - هو في النهاية ومهما يكن عضوا في جماعة إسلامية ، ومستقبله كله محفوف بالمخاطر والأزمات .. ماذا يعنيها منه إن كان مختلفا أو غير مختلف ؟ ولماذا تصر على أن تربط حياتها به ؟ حتى على فرض أنه أحسن الناس وزين الشباب .. ألا يكلفه العمل والنشاط السياسي الذي يقوم به نوعا من الملاحقة الأمنية ، والمواجهة مع المجتمع .. فلتقرر إذن أن تسقطه من حساباتها .. فلتفترض أنها لم تعلم بوجوده بين زملائها ، إن عشرات الطلاب من الزملاء يروحون ويجيئون حولها في المدرج وطرقات الكلية دون أن يكون لهم أدنى تأثير على نفسها ، إنها حتى لا تلتفت لوجودهم أو تعبأ بأحد منهم على وجه الخصوص .. فلتعتبر عادل حمدي إذن واحدا من هؤلاء .. بل أخذت تكرر لنفسها : ليس فيه ميزة معينة .. ليس فيه ميزة معينة .. لن أفكر فيه ثانية .. كانت عزة مازالت في شرودها حين أفاقت بغتة على وكزات من مرفق إيمان في كتفها .. فانتبهت فجأة .. كان الأستاذ المحاضر يقف تقريبا عند رأسها وكاد أن يسألها عن دفتر محاضرتها . لكن كان لتنبيه إيمان لها في الوقت المناسب أثرا في أن أخرجت دفترها بسرعة ، وأشفق الأستاذ عليها ، عندما لاحظ ارتباكها الشديد واحمرار وجهها بقوة ، فلم يزد على أن انسحب متراجعا دون أن يوجه لها أي لوم .. حمدت الله في نفسها على ستره عليها ، فلقد أعدت نفسها لتلقي أشد أنواع اللوم والتقريع على غياب عقلها وكيانها عن المحاضرة .. وألقت نظرة حانقة تجاه عادل حمدي ، أودعتها كل حنقها عليه كونه سببا في تشتت ذهنها ، ويا ليتها لم تفعل ، لقد التقت عيناها بعينية في لحظة خاطفة ، شعرت خلالها ببريق حاد ينطلق مخترقا نظارته الطبية السميكة ، قبل أن يخفض بصره تجاه دفتر محاضراته .. نظرة واحدة بدأت حانقة ، لكنها انقلبت إلى حنق على نفسها التي تبعثرت أمام بريق عينيه الحاد .. إنها لن تستطيع أن تخدع نفسها أكثر من ذلك وعليها أن تعترف بالحقيقة التي لا مناص منها !! لم تعد تدري إلى أين تفر منه ؟! كل ما فيه يخترق كيانها .. سهامه أسقطت حصون مقاومتها .. لم تعد تعرف أين تفر من خشوع صوته أو قوة حجته ، أو بريق عينيه ، أو تميز شخصيته !! لم يعد أمامها إلا أن تفر إليه ، وأن تفر به .. - ماذا بك يا عزة ؟؟؟ سؤال قلق حائر سمعته اليوم فقط يتردد على مسامعها عدة مرات ، وبأكثر من صوت .. سمعته بصوت صديقتها إيمان في أعقاب محاضرة الصباح .. وسمعته بصوت أمها .. وبصوت شقيقتها .. وسمعته بصوتها هي نفسها : - ماذا ألم بك يا عزة ؟؟؟ احتدم النقاش بين هشام فتحي وعرفه إبراهيم بعد انتهاء اليوم الدراسي بالكلية .. قال عرفة في إصرار : - لن أذهب معكم مساء إلى بيت إبراهيم .. إني أشعر أن عادل حمدي قد خدعنا !! - قال هشام في دهشة : لم تقول هذا الكلام يا عرفه ؟ .. الرجل لم يخدعنا في شيء .. - قال عرفه في حدة مفاجئة : ألم يكن معنا مساء الأمس ؟ .. لم يذكر لنا حرفا واحدا عن موضوع الانتخابات والجماعة الإسلامية .. - قاطعه هشام بحدة : وهل طلب منك شيئا أنت لا توافق عليه ؟ - هز عرفه رأسه نافيا - فقال هشام في حسم : إذن فإن صداقتنا له شيء ، ونشاطه الخاص شيء آخر انضم إبراهيم خليل الذي أقبل عليهم متهللا إلى الحوار قائلا في ابتهاج : - أرأيتم صديقنا عادل حمدي كيف أفحم البنت رباب ؟! - قال هشام في جدية وهو ينظر إلى عرفه : كنا نناقش هذا الأمر يا إبراهيم .. عرفه يرى أن عادل حمدي قد خدعنا .. هل كنت تعلم أن عادل مرشحا في قائمة الجماعة الإسلامية لانتخابات الاتحاد ؟ - هز إبراهيم رأسه نفيا ، لكنه قال مؤكدا : لكن هذا لا يمنع أنني أعرف أن الأخ عادل له نشاطا إسلاميا .. وهذا أمر كان واضحا منذ قرأ القرآن في المدرج يا عرفه .. - قال عرفه في تشكك : لكن صداقتنا له سوف تعرضنا للشبهات .. - قال إبراهيم مستنكرا : وهل الالتزام بالإسلام شبهة يا أخ عرفه ؟! - أيده هشام بينما دافع عرفه عن نفسه قائلا : لم أقل ذلك .. فأنا مثلا ملتزم بالأخلاق الحميدة والحمد لله .. لكن الإسلام شيء وممارسات الجماعات الإسلامية شيء آخر .. فهم يخلطون الدين بالسياسة .. وعندهم مشكلات مع الأمن والشرطة .. وأيضا لهم أفكار جامدة حنبلية في بعض الأمور .. - قال إبراهيم : على العموم الدين والسياسة لا يفترقان ، فالحياة كلها عبادة لله .. والقرآن يقول ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) - هم عرفه بالمقاطعة ، لكنه أسقط في يده ، فأومأ برأسه موافقا على استكمال رحلة المساء إلى منزل إبراهيم خليل .. وفي المساء التف الأصدقاء يصخبون حول صينية الشاي التي أعدها إبراهيم ، ولم يكف محمد بسيوني عن الثرثرة الضاحكة .. حتى قال هشام فتحي على نحو مفاجئ موجها حديثه إلى عادل حمدي : - إن عرفه غاضب منك يا عادل لأنك قررت خوض الانتخابات دون أن تخبرنا وكأننا لسنا أصدقاء - أطرق عادل إلى الأرض برهة ، بينما تبادل الأصدقاء النظرات حتى قال عادل : الموضوع لا يحتمل الغضب .. كل ما في الأمر أنني قدمت أوراق ترشيحي بصفة احتياطية ولم أتأكد من خوض الانتخابات إلا صباح اليوم من وليد .. - سأله محمد بسيوني متخابثا : أي أنك فعلا من أعضاء الجماعة الإسلامية ؟! - قال عادل في جفاء : إنني لا أحب هذه المسميات يا أخ محمد .. كلنا مسلمون ، وكلنا طلاب ، وكلنا مصريون ، فلا داعي لهذه التقسيمات .. - صاح عرفه في دهشة : أنتم الذين أطلقتم على أنفسكم ذلك ، ولم يطلق عليكم أحد !! - قال عادل موضحا : إنما هو مجرد شعار أو تعريف بالاتجاه .. بطريقة التفكير .. بالمرجعية الفكرية .. فهذا إعلان بذلك .. أما ما عدا هذا فكلنا أخوة في الدين .. ومن يخالفنا في العقيدة فنحن معه شركاء في الوطن .. - سأل أشرف أبو نعمة في عفوية محببة : يعني الجماعة الإسلامية ليست أفضل منا ؟ - قال عادل في حماس : أشرف يا صديقي لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .. والتقوى محلها القلب .. والقلوب لا يطلع عليها إلا خالقها ، وهو عالم السر وأخفى .. فالتفاضل هو عند الله ، وليس عند البشر .. وعنوان الجماعة الإسلامية عنوان تكليف وليس عنوان تشريف .. - ردد أشرف خلفه في شيء من عسر فهم : عنوان تكليف وليس عنوان تشريف .. ماذا تقصد ؟! - أقصد أن الانتماء للجماعة يفرض على العضو مسؤوليات معينة مثل أن يكون قدوة في القول والعمل .. وأن يتخلى عن حظوظ نفسه .. وأن يبذل شيئا من وقته وماله وجهده للدعوة .. وأن يضحي في سبيل جماعته ودعوته بما قد يتعرض له من محن أو عقبات .. هذا كله تكليف .. أما أن يحصد من وراء هذا الانتماء أي مكسب أو جاه دنيوي فهذا هو التشريف أو المكافأة .. وهي لا تجب أن تكون إلا في الآخرة .. وإلا كانت هجرتنا إلى دنيا نصيبها أو امرأة ننكحها ، ولم تكن لله ورسوله .. كما في الحديث الشريف .. - صفق إبراهيم خليل بيده وهو يقول بحماس غير معهود فيه : الله يوفقك يا أخ عادل إنك فعلا لمتمكن .. الآن عرفت سر اختيار الأخوة لك لتكون ممثلا لنا في اتحاد الطلاب .. - وبدا على أشرف القلق والحيرة كان يجتر كلمات عادل يريد أن يفهم ، ثم سأل بعفويته : أنت قلت يا عادل أن من يخالفنا العقيدة يعني المسيحيين هم شركاء لنا في الوطن .. هل تريد أن تقول أننا كمسلمين لسنا أفضل منهم ؟ - قال عادل بإصرار : أريدك أن تنسى موضوع الأفضلية والتفضيل هذا يا أخي .. الأفضلية هي عند الله في الدار الآخرة ، لكننا في الدنيا بشرا متساوين في الحقوق والواجبات .. وكل فريق يؤمن انه على الحق .. لكن كوننا مؤمنين بأحقية ديننا لا يعطينا الحق في التفاخر أو تحقيق مكاسب دنيوية في الحياة .. بل كلما كان الإنسان كبيرا كلما كانت مسؤولياته كبيرة وتضحياته أكبر .. مثل الأب والأم في الأسرة إن امتيازهما بصفتهما الوالدين المتصرفين في شؤون الأسرة يفرض عليهما التضحية من أجل الأبناء ، وتوفير الحماية والعون لهم وليس العكس بحيث يسخرون الأبناء لخدمة أهوائهم .. الأفضلية في الدنيا أفضلية بذل ، والأفضلية في الآخرة أفضلية جزاء وثواب وحصاد .. فهمتني أخي الحبيب ؟ - أومأ أشرف برأسه في حيرة .. - بينما صاح محمد بسيوني بصخب : أقسم بالله العظيم انه لم يفهم حرفا واحدا .. - ضج الجالسون بالضحك .. - وغمغم أشرف معترضا .. - فقال محمد متحمسا :هل تستطيع أن تعيد كلام الأخ عادل لو كنت فهمته ؟ - تدخل هشام مقرعا محمد وصائحا فيه : وهل تستطيع أن تعيده أنت يا أستاذ ؟ - وقال إبراهيم ، ألن ننتقل إلى تبييض المحاضرات أم سنظل في هذا الجدال البيزنطي إلى ما لا نهاية .. - أومأ عادل قائلا : كما تحبون .. - وغمغم عرفة .. - فقال إبراهيم متراجعا : يبدو أن عرفة يحيك في صدره شيء يريد أن يقوله .. فلندعه يخرج ما في جبعته ، حتى ننتقل للمحاضرة وقلوبنا صافية تماما .. أليس كذلك يا عرفة ؟ - قال عرفه : في الحقيقة أنا لا أحب السياسة ولا أسترح لها .. وقد ذكرت هذه الحقيقة لإبراهيم صباحا .. - قال عادل في شرود : ولا أنا أحب السياسة ولا أسترح لها .. - علق محمد بسيوني صاخبا : إنه أنت أبا السياسة يا أستاذ عادل .. فكيف لا تحبها وأنت تمارسها ؟! - قال عادل مستنكرا في حدة : أنا أمارس السياسة .. معاذ الله !! - قال عرفه في دهشة : واتحاد الطلاب .. والجماعة الإسلامية .. ومواجهة الأمن وحرس الجامعة ؟؟ - قاطعه عادل قائلا : أنا أمارس حقي في النشاط الطلابي .. والأصل أن الاتحادات الطلابية بعيدة عن العمل السياسي .. والجماعة الإسلامية جماعة دعوية دينية وليست حزبا سياسيا .. - قال إبراهيم رافضا المبدأ : هل معنى ذلك أنك تنفي أن السياسة جزأ من الدين ؟ - قال عادل بحماس : السياسة جزأ من الدين .. أو دعنا نقل أن الدين هو الموجه العام للسياسة .. فهو يطالب الحاكم بالعدل ، والمحكوم بالولاء للدولة .. ويرفض الاستبداد .. ويضع قواعد الشورى .. ويسن التشريعات العامة للحكم .. ويدعونا إلى الاهتمام بشؤون المسلمين في دول العالم ، وهو ما يعرف بالسياسة الدولية .. السياسة هذه من الدين ، وأنا أؤمن بهذا بشكل عام .. أما السياسة بمعنى الممارسة الحزبية وتداول السلطة والتنافس على الحكم .. فأنا لا أمارسها ولا أحبها ، وليست تشكل لي أدنى اهتمام ! - قال إبراهيم مستنكرا : الإخوان المسلمون خاضوا انتخابات مجلس الشعب ، وتحالفوا مع حزبي العمل والأحرار .. فهل ترفض أنت قرارات وممارسات الإخوان ؟! - قال عادل : جماعة الإخوان جماعة دعوية وحزب سياسي في نفس الوقت .. ومن حق أفرادها كمواطنين أن يمارسوا السياسة ويشاركوا في الانتخابات .. ولكن يظل للدعاة والمصلحين الاجتماعيين دورهم الأكبر .. والجماعة لم تدخل كلها الانتخابات .. - قال إبراهيم دهشا : لكن رموزها الدعوية شاركت في الانتخابات .. وأبناء الجماعة جميعا ساندوهم في العمل الانتخابي !! - أنا موقن يا إبراهيم أن أبناء الجماعة شاركوا جميعا كجمهور سياسي وليسو كتنظيم سياسي .. نحن شاركنا مثلنا مثل جماهير الشعب التي اختارت حزبا من الأحزاب دون أن تكون هذه الجماهير أعضاء عاملين في أي من هذه الأحزاب .. - أراد هشام أن ينهي هذا الجدل البيزنطي فقال : أنت يا عادل تريد أن تقول أنك لا تعمل بالسياسة .. إذن هذا مفهوم .. - قال عادل مؤمنا على كلام هشام : هذا ما أريد قوله ، أنا لا أمارس السياسة .. - قال إبراهيم محتجا : أما أنا فأمارس السياسة .. - قال محمد بسيوني : دعونا من السياسة وسنينها السوداء الطويلة مثل قرون الخروب .. ولنبدأ في كتابة المحاضرة .. أشرف يريد أن يلحق بآخر حمار يعود إلى قريته .. - ثم وجهه سؤاله إلى أشرف بعفوية : هو آخر حمار يقوم إلى قريتكم يتحرك في أي ساعة ؟! - ضج الجميع في الضحك ، بينما غمغم أشرف في تبرم : - إن فاتني آخر حمار ، فستقوم أنت بتوصيلي يا محمد .. - واستمر الجميع في الضحك .. ولم ينسَ عادل وقاره رغم كل شيء ، فقال بعد فترة صمت ، ولكن رغم تأخر الوقت فإن الأخوة أوصونا بأمرين في غاية الأهمية .. سنصلي معا ركعتي قيام هذه الليلة .. ركعتي حاجة نسأل الله فيهما أن ييسر لنا أمر الانتخابات غدا بدون مشاكل .. كما أوصونا بصيام صباح الغد ، وهو على العموم يوم اثنين وصيامه سنة عن نبينا صلى الله عليه وسلم ..
أضف تعليقا
الأخت الفاضلة تأيدكم ودعمكم المتواصل يحملني مسؤولية كبيرة
ويحمل القلم أيضا مسؤولية على الأقل أن يحترم نفسه فلا يستخف أبدا بعقول ومشاغر قارئ أيا كان
فجزاكم الله خير الجزاء
إن كل تعقيب جديد يقلقني بقدر ما يسعدني
فكما يطير بي من السعادة .. يجعلني متعلق القلب بأن يكون القادم أفضل في غير تراجع أو هبوط مستوى
أما بالنسبة لسؤالك فأشعر كأنه يحمل بين حروفه نبرة تحذير .. فهل احساسي في محله ؟
على العموم لقد نشروا من قبل عمارة يعقوبيان .. و بنات الرياض
وقد أحلم - مجرد حلم - أن تكون ( الأمس واليوم وغدا ) أكثر من مجرد رواية منشورة
ولكن أيضا أريد أن أتأكد من رنة التحذير في سؤالك ورأيك في مسألة النشر من عدمه
وجزاكم الله كل خير
من مصر

السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة
سيدي الفاضل الكريم
لقد ذهلت من ان تعليقاتي مهمة لحضرتك بمثل هذه الدرجة !!!!فانا مازلت احبو في هذا العالم الفسيح و اعتبر حضرتك .و اقلام اخرون , من يؤثرون في و يجعلونني اجود اسلوبي الشخصي في الكتابة فعلا اتعلم منك .
و المؤمن للمؤمن كالبنيان ... يشد بعضة بعض , فواجب علي الجميع ان نقف جميعا خلف قلم موهوب يحمل رسالة حقيقية و ليست مجرد غث و هراء فكم يحزنني ان اجد ابواق الباطل تنعق للباطل و لا يجد اصحاب القلم الجاد من يشجعهم
و انا مؤمنة تمام الايمان ان اهم شئ في هذا الكون هو الافكار... فالحروب العقائدية تقام اساساً علي اختلاف الافكار بعضها عن بعض و رغبة الجميع في ان تسود فكرته تلك علي الاخرين فتراق الدماء انهارا
اتدري سيدي الفاضل ؟ هناك اناس مهمتهم الاساسية ان ينيروا الطريق و لو بشمعة تكسر الليل و ظلمته و رأيي ان روايتك هذه خطيرة للغاية ة اسمح لي ان اعتب عليك لان الروايات التي ذكرتها هي في رأيي ليست خطيرة بالمرة - لانها و ببساطة تكرس ثقافة هدم المجتمع و تتحدث عن النساء باخس صورة ممكنه و هي في نفس الوقت لن تقابل اي نقد و لكن سوف يفرش لها السجادة الحمراء لانها ببساطة تخدم المصالح العليا و لا تقل انني ابالغ ان قولت ان من ورائها هم من الماسون
و لكن قصتك هذه تكمن خطورتها في انها تناقش فكرة ,تتحدث بصدق , تنير العقل , تهدم الاسطورة الزائفة التي حيكت علي مدار السنوات في التنفير من صورة الملتزم في اذهان العامة و للاسف بعض المثقفين المضللين الذين لم يروا الحقيقة بام راسهم ... حتي قلبت الايه و اصبح الباطل حقاً و الزيف صدقاً
حاشا لله ان اكون طرف يحط من عزيمتك ... فواجبنا جميعا ان ندعمك و ان لا تخشي شيئا في كلمة الحق التي سوف تقولها ... لانك ستحاسب علي كتمناها ,فقط انني اتعجب من الجرأة الواضحة التي تتحدث بها عن شئ بات الحديث من التابوهات المزعجة عند البعض
روايتك ستقابل اما بعاصفة شديدة - و هو ما لا اتوقعة ,او ان يمارس عليها مؤامرة الصمت حتي لا ينتبه اليها احد ... و هنا يجيئ دورنا في ان نحاول ان ننشرها جميعا بكافة السبل
و لا تبتاس ان اتبع الماسون في بلدنا من دعاه الثقافة مؤامرة الصمت عليك ... فقد مورست من قبل علي عظماء
الأخت الكريمةشمس
أبدا لم أقصد أنك تثبطين الهمة
ولكن أحيانا يكون التحذير بين الأصدقاء واجب
ولكني رغم المخاطر نشأت على العناد حتى آخر لحظة
وربنا تعالى يستر من آخرة هذا العناد
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من مصر
السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة
) فمنع الطلبة من ممارسة العمل السياسي في الجامعة هو وأد لاجيال و اجيال ... و النتيجةو ان عندنا حاله خواء سياسي بين صفوف الشباب و اعتقد ان الجيل الحالي هو من ترك له بعض المجال للتنفس قليلا في السبعينات ... فتحية صادقة لهذا القلم الواعي بحقيقة و بواطن الامور ... و ان توضح فكرة خطيرة مثل هذه الفكرة ...
اسمح لي سيدي ا لفاضل ان ارفع قبعتي - لنفترض انني ارتدي قبعة - احتراما ً لهذا النص الهادف للغاية
فلقد صغت اغلب ما يثار علي السنة العامة من تساؤلات متمثلة في سؤال "رباب" و سؤال "عرفة " و اجابات "عادل" و "وليد " المنطقية و الحقيقية و التي يتم تغييبها عن الاغلبية ...
علاج قضية مثل المساواة بين المسلمين و الاقباط و التي تسمي الان " المواطنة " و لكن هم ابناء ثقافة اسلامية متمثلة في الامه المصرية
و ان مسمي الجماعة لا يعني الافضلية و لكن التنبيه حتي لا يذل الانسان عن الطريق ...
"فمن احسن قولا ممن دعي الي الله و عمل صالحاً و قال انني من المسلمين "
و لن تصدق - استاذي الكريم - ان صدق قلمك جعل عيني تطفر بالدمع عند جزء الذي وجهت فيه رباب سؤال لوليد ثم اسعفة عادل ... لان هذا الموقف برمته هو ميلاد السياسي الحقيقي ( اتفقنا ام اختلفنا علي مسمي انسان سياسي
و اسمح لي بسؤال ... هل تنوي ان نتشر هذه الرواية حقاً ؟؟؟