( 5 ) في نادي تنس الطاولة الذي تعود عادل حمدي التردد عليه كل مساء ، كان عادل يمارس هوايته المفضلة في لعب مباراة قوية مع أحد أصدقائه ، حتى قطع عليه انهماكه في المباراة صوت حسن صديقه الأسمر الذي كان عصام دائما يقول له : أنت صاحب فضل علي يا أبا علي .. قال حسن بصوت مرتفع : يا أخ عصام دقيقة واحدة من فضلك .. استأذن عصام من منافسه وألقى المضرب على الطاولة في تبرم خفي فقد كان يريد أن يتم مباراته .. لكنه كان يشعر في لهجة حسن بأهمية ما .. فتحرك إليه .. حيث أشار حسن إلى شاب يقف بجواره قائلا : ألا تعرف الأخ إبراهيم خليل ؟ إنه زميل لك في فرقتك بالكلية ! صوب عصام نظره لإبراهيم من أسفل نظارته الطبية نظرة قومته من منبت شعره إلى أخمص قدمه .. في البداية لم يشعر بترحيب إبراهيم به .. بل شعر أنه أمام شاب بارد جاف المشاعر .. وكان إبراهيم شاب قصير نحيف أبيض الوجه ذو ملامح طفولية بريئة إلى حد كبير ، وقد كان بالفعل أصغر سنا من عصام ، لأنه كما عرف فيما بعد تلقى تعليمه في المراحل الأولى في الخارج مما جعله أصغر من أقرانه بعامين وأصغر من عصام بثلاث سنوات .. رحب عصام بافتعال بإبراهيم وبدأ يجاذبه أطراف الحديث حول الكلية .. كانت إجابات وتعليقات إبراهيم خليل مقتضبة ومتشككة ، وشعر عصام أنه غير منطلق على سجيته فاستأذن في الانصراف إلى معاودة مباراته في تنس الطاولة على وعد بلقاء إبراهيم في المدرج صباح الغد .. لكنه مع هذا الوعد لم يكن قد استراح لهذا الشاب المتحفظ .. في الصباح لم يكن عصام في مزاج يسمح له باستكشاف زميله إبراهيم ، فتحاشي مقابلته مخلفا وعد الأمس ، ومنشغلا بالحديث مع بعض الزملاء في الأمور العامة وفي السياسة وفي كرة القدم .. لكن إبراهيم كان على ما يبدو يبحث عنه في المدرج ، حتى إذا وجده تقدم للجلوس بجواره ، وكانت المحاضرة على وشك البدء ، فلم يتبادلا سوى كلمات مقتضبة ، حياه إبراهيم بجفافه الذي لمسه منه بالأمس ثم سأله ببرود : - لماذا لم تنتظرني بالخارج كما اتفقنا بالأمس ؟ اعتذر عصام متمتما بكلمات مبهمة .. ثم سرعان ما بدأت المحاضرة قاطعة على إبراهيم عتابه البارد لزميله .. وما لبثت العلاقة بين عصام وإبراهيم تتدرج بهما نحو صداقة متينة ، كان كل منهما كأنه يستطلع شخصية صاحبه .. لقد كانت تربط عصام بإبراهيم أفكار كثيرة مشتركة ، وسلوكيات عامة وأخلاق قد تكون متماثلة ، بالإضافة إلى إيمانهم بمبادئ واحدة ، وانتمائهم العام والخاص المشترك ،غير أن شخصيتهما كانت متغايرة ، فبين شخصية عصام المنفعلة المنطلقة المتحفزة دائما .. وبين شخصية إبراهيم الهادئة الراكزة المتحفظة المستطلعة في برود .. حدث التباين الذي يعطي لصورة الصداقة روعتها .. وسرعان ما أضيف توأم جديد إلى سلسلة التوائم بالفرقة الأولى بالكلية .. فلم يعد يرى عصام إلا بصحبة إبراهيم خليل .. وكان مسكن إبراهيم خليل منزلا خاصا ملكا لأسرته ، وكان لإبراهيم شقة كاملة في الطابق الأرضي أثثتها له والدته تأثيثا أنيقا ليستقبل فيها أصدقاءه ويستذكر فيها دروسه ، ويقضي أوقات قراءته الطويلة ، حيث كان يحب الانقطاع عن العالم في خلوة طويلة ممتدة مع الكتب وعالم القراءة والفكر وفي منزل إبراهيم خليل التقى عادل حمدي لأول مرة بالطالبين ( محمد بسيوني ) و ( أشرف أبو نعمة ) .. أما محمد بسيوني فكان طويلا معتدل القوام أسمر البشرة ذو حسنة مميزة على خده الأيسر .. وكان بطبيعته المرحة لا يكف عن المزاح ، وإطلاق التعليقات الساخرة والصاخبة على كل من حوله وما حوله .. حتى كان يستطيع تحويل أي لقاء أو مقابلة مهما كانت أهميتهما إلى جو من المرح الصاخب .. وأما أشرف أبو نعمة فكان ربعة مفتول العضلات ، وكانت ملامحه الريفية تعكس عنه انطباعا بالسذاجة والقوة الجسدية معا .. وكان محمد بسيوني كثيرا ما يحول سذاجة ( أشرف ) إلى مادة للفكاهة طوال السهرة ، حتى انه كان لا يكتفي بذلك بل كثيرا ما كان يستكمل ما بدءه من سخرية لاذعة مساء في منزل إبراهيم خليل في صباح اليوم التالي في الكلية !! والغريب في الأمر أن ( أشرف أبو نعمة ) نفسه لم يكن يبدي أي ضجر من هذه السخرية ، وكان على العكس من ذلك يضحك مع الضاحكين .. ولما سأله عادل حمدي في ذلك أجابه أشرف في بساطة محببة : أنا رجل فلاح .. وأتشرف أن أكون كذلك ، ولا أريد أن أظهر بمظهر مخالف لحقيقة أمري .. ولذا فانا أسعد بأن تعتبروني بينكم ذلك القروي الساذج الذي بهرته أضواء المدينة .. وأنا سعيد كذلك بما أسببه من سعادتكم وانطلاق ضحكاتكم ! وتحول منزل إبراهيم خليل إلى ملتقى ليلي لهذه المجموعة الصغيرة من الأصدقاء ( إبراهيم وعادل حمدي ومحمد بسيوني وأشرف أبو نعمة ) ، ولم تعد تمر ليلة دون أن يلتقوا .. حتى انضم إليهم الطالبان هشام فتحي وعرفة إبراهيم اللذان ربطتهما صداقة سريعة مع عادل حمدي فدعاهما إلى الاستذكار في منزل إبراهيم خليل .. والحقيقة أن الذي جمع بين عادل وكل من هشام وعرفه كان هو رضا عبد الحميد ، ولقد كان عادل حمدي يدرك بعد نظر رضا في هذه المسائل .. وكان رضا حريصا كل الحرص على متابعة طلاب الفرقة الأولى واختيار من يتوسم فيهم صفات معينة ليربطهم بعادل حمدي ، وكانت أهم هذه الصفات من وجهة نظر رضا حسن الخلق وتجنب الفحش في القول والفعل .. أما إذا كان الطالب مواظبا على أداء الصلاة في مسجد الكلية فإنه بذلك يكون قد استحوذ على عقل رضا وقلبه معا .. وكان رضا يلفت انتباه عادل إلى ذلك الطالب ويسأله عنه بشكل دائم في إصرار ودأب حتى يطمئن أن الاهتمام به قد انتقل إلى عادل ، ثم يتكفل عادل بمهمة صنع صداقة متينة مع هذا الطالب أو ذاك .. ولم تكن هذه الأمور تجري بشكل معقد ، فإن ما يجمع الزملاء في مجال الدراسة المشتركة وهم كذلك في عمومهم من أبناء مدينة واحدة مما يسهل إنشاء علاقات الصداقة والتآلف .. اصطحب عادل حمدي هشام فتحي وعرفه ابراهيم في أول زيارة تالية إلى منزل إبراهيم خليل الذي استقبلهم بدوره بما يليق بهم ، وذهب ليعد الشاي للمجموعة كلها حيث كان من الحاضرين محمد بسيوني وأشرف أبو نعمة .. غاب إبراهيم بضع دقائق في المطبخ ثم عاد لينادي على عادل قائلا : ألن تساعد في تحضير الشاي . أليس هؤلاء ضيوفك ؟! احمر وجه عادل حمدي فقد كان حييا بطبعه يستحي من مثل هذه التوجيهات الصريحة في الاجتماعات وبين الأصدقاء ، فلما لحق بإبراهيم في المطبخ سأله ببروده المعتاد : - من هؤلاء الضيوف ؟ هل هم أخوة ؟ - أجابه عادل ببرود مماثل : ما رأيك أنت ؟ - أنا أسألك .. ألست أنت من جاء بهم !! - قال عادل مستجمعا كل برود ممكن : ولكني أريد انطباعك أنت عنهم .. - مظهرهم جيد .. لكني بالطبع لا أعرف شيئا عنهم بعد . - سأله عادل مشاكسا : وإن لم يكونوا أخوة فلن تحضر لهم الشاي ؟ - نفى إبراهيم بشدة قائلا : على العكس مرحبا بهم في أي وقت ، ومرحبا بأي من ضيوفك في كل وقت ، فإن لم يكونوا إخوة فربما كان الواجب يحتم أن نحضر لهم عشاء .. - صمت إبراهيم برهة ثم قال على نحو مفاجئ : لكن قل لي يا عادل أين ومتى تعلمت هذا البرود ؟ - عكس وجه عادل دهشة مصطنعة .. - فأردف إبراهيم : ليست هذه عاداتك في الحوار .. - وما هي عاداتي إذن ؟ - عرفت فيك الصدق وشيء من الاندفاع ، كما أن كل ما بداخلك يظهر دائما على وجهك .. أما الآن فأراك تتخابث .. - جلجلت ضحكة عادل حمدي وهو يغمز بعينيه قائلا : من عاشر القوم يا أخ إبراهيم !! ثم خرجا معا إبراهيم يحمل صينية الشاي وعادل يحمل دورق الماء البارد إلى الأصدقاء .. كان هشام فتحي طويلا نحيفا كان ربما أطول من ( محمد بسيوني ) تميل بشرته إلى البياض ، ينمو فوق شفته شارب خفيف يعطي وجهه شكلا طفوليا إلى حد ما .. أما عرفه ابراهيم فكان ربعة الجسم أشقر أبيض البشرة ، كان يحمل ملامح تركية ، وكان يتسم بحب المزاح والانطلاق الدائم .. وهكذا تحول منزل إبراهيم خليل إلى قبلة مجموعة الأصدقاء يقصدونه كل مساء ، فيستذكرون قليلا ، ويضحكون كثيرا ، ويتناقشون أو يتجادلون أو يذكرون بعض ملاحظاتهم على طلاب وأساتذة وموظفي الكلية .. وكانوا كثيرا ما يصخبون حتى يقلبون شقة إبراهيم رأسا على عقب ، فيتقاذفون بالوسائد ، وينقلبون بعضهم على بعض في منازلات مصارعة رومانية مفاجئة .. وأحيانا كانت أم إبراهيم تستدعيه على عجل فتعنفه على ارتفاع الصوت والجلبة الشديدة التي يحدثها مع أصدقائه .. ولا يمكن لعادل حمدي أن ينس أبدا تلك المرة التي عاد فيها إبراهيم من استدعاء أمه له أصفر مكفهر الوجه يتصبب عرقا باردا في جو الشتاء البارد ، فكان منظره يذكرهم بالكتكوت الذي خرج لتوه من مسقاة الماء فنجا من الغرق المؤكد .. لكنه وقف مرتعشا ينتفض جسمه الصغير من شدة الخوف والبرد .. وقطرات الماء تتساقط من ريشه المنفوش كالقنفد .. هذه الصورة أو ذلك التشبيه الذي كثيرا ما رسمه إبراهيم خليل نفسه لأي من أصدقائه يراه واقفا موقفا لا يحسد عليه .. فكان دائما يصيح به قائلا : ما بالك وقاف في مكانك هكذا مثل الكتكوت الذي خرج لتوه من مسقاة الماء في شدة البرد !! والذي حدث وتسبب في كل هذا اللوم الذي ناله إبراهيم خليل فعاد إليهم على هذه الصورة .. أن علي حسن كان أحد أصدقاء إبراهيم خليل وجيرانه ، ولم يكن طالبا معهم في نفس الكلية ، وإنما كان طالبا في المعهد الصناعي .. ولقد أخطأ علي حسن خطأ فادحا دون أن يدري ، إذ جاء لزيارة جاره إبراهيم خليل في وقت تواجد مجموعة الأصدقاء عنده .. وكان هذا من وجهة نظر المجموعة خطأ لا يغتفر ، إذ فكروا في ترويع كل من يكون من خارج مجموعتهم .. كنوع من الدعابة الثقيلة ، فقاموا على عليا ضربا ومصارعة .. حتى ارتفع الضجيج وعلت الصيحات ، وارتفعت نبرة استغاثة علي حسن .. ووصلت الضجة إلى أم إبراهيم في الطابق الأعلى .. .. واستغل علي حسن استدعاء أم إبراهيم لابنها ، لينجو بنفسه خارجا من منزل إبراهيم إلى غير عودة !! وعاد إبراهيم من استدعاء أمه على الهيئة التي يتذكرها دائما ليذكر لهم ما قالته له أمه : يا إبراهيم يا ابني لقد ذكرني صياح صديقك بالديك الذي دخل ( عشة ) غريبة !! وستلقى الأصدقاء على ظهورهم من الضحك على تعبير أم إبراهيم ، وعلى منظر إبراهيم وطريقته في نقل ما تلقاه من لوم !! وكان أن اقترح إبراهيم خليل بصفته المضيف على مجموعة الأصدقاء ، أن يبدؤوا لقاءهم الليلي بتلاوة نصف حزب من القرآن الكريم بحيث يقرأ كل منهم خمسة آيات بالتناوب ، قبل بدأ نشاطهم اليومي سواء في المذاكرة أو المشاكسة .. كما كان يوصيهم قبل الانصراف خاصة إذا كثر هرجهم ، وتعالت ضحكاتهم وصيحاتهم ، وأحيانا إذا انقلبوا بعضهم فوق بعض ضربا وصراعا عنيفا كنوع من تفريغ النشاط الزائد .. فكان يوصيهم إبراهيم بذكر ختام المسجد : سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد ألا أله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك .. ولم تعد مجموعة الأصدقاء التي تضم ستة أفراد تعتمد على التوائم المتماثلة فقط ، بل أصبحت تضم أكبر مجموعة متكاملة ، لا يكاد يفترق أفرادها !!
.
.
الاثنين, 21 ابريل, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 29 ابريل, 2008 04:47 م , من قبل alaasaad19
من ألمانيا
من ألمانيا

اختنا الكريمة شمس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا على استمرار مرورك وتشجيعك
لقد أصبت كبد المقصود بهذا التعليق الذكي شديد العمق
دمت لنا أخت
كريمة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










من مصر
السلام عليكم
نعود من جديد
اسلوبك يتميز بنقل الكاميرا تماما من البطلة - عزة - الي عدة ابطال شباب
و هو يلقي الضوء علي جانب خفي و مبهم من حياه الجامعة نادرا ما تحدث عنه احد عايشة بالفعل , لان اغلب الاجتهادات التي تتحدث عن حياة الطلبة الملتزمين يكون اجتهاد\ تطوعي من اشخاص لا يعرفون اي شئ عن طبيعة و خصوصية هذه الفئة ... فبتطوعون برسم صورة تنم عن خيال مريض و لكنها ترسخ صورة ذهنية ثابته و يكاد الجميع ان يصدقها - لان الزن علي الاذن امر من السحر - اقصد جميع من يشاهد مسلسلات او افلام و هم كثر ...
لذلك اعتقد ان اهمية روايتك تتعدي الاهمية الادبية العادية الي اهمية درء مفسدة و تصحيحي صورة ذهنية عالقة و مترسخة في نفوس بشر لا هم ولا من كتب عاصر ما يحدث علي ارض الواقع
اعجبني ايضا تصوير هؤلاء الشباب انهم ليسوا قوالب و لكنهم شباب حقيقي ينبض روحا و تألق ... و حتي تهريجهم تهريج شباب علي رأي اخي في وصفة لتهريج الولاد علي انه تهريج جنود ...
دام قلمك المتألق دائما و جعله صدقة جارية