لم يكن حوارا عاديا .. فعادتي في الحوارات أن أنتمي لمدرسة “أحمد منصور ” – إن صح التعبير – في تبني الرأي المضاد لرأي الضيف ، وأنفر تماما من مدرسة الحوار التي تجعل الضيف في منزلة الأستاذ والمحاور في منزلة التلميذ ، ولو أن بعض الناس يجب أن يحاوروا هكذا لأستاذيتهم ومكانتهم الحقيقية خصوصا العلماء ( في كل مجال طبعا ) ، إلا أن سيل الإعلام المنافق يجعلني لا أطيق الحوار التابع المتابع . لكن – للحق – فإن الحوار المواجِه أيضا قد يتحول إلى النفاق والإفلاس ، وأشهر الحوارات المفلسة هي التي يكون ضيفا فيها واحد من الإخوان المسلمين ، فلقد غدت كل الأسئلة محفوظة ومعادة ومكررة إلى حد يثير الاشمئزاز ويعبر عن إفلاس حقيقي للعلمانية والديكتاتورية في بلادنا . فإني أيضا ضد أن يكون الحوار على الضد دائما وعلى طول الخط ، ومن حق الكثيرين ممن أُهْلِكوا حوارا مواجها أن يستمع الناس إليهم في حوارات مستفهمة تستهدف أن توضح الفكرة ووجهة النظر – مهما كانت وجهة النظر تلك - . والحوار حول “حتى لا تموت الروح” خصوصا ، يفرض أن يكون من نوع الحوار الذي يحاول توضيح الفكرة لا الذي يبحث عن نقاط الاختلاف ، وبرغم غرامي بمدرسة أحمد منصور إلا أن الإنصاف والحق يقتضيان أن أنحاز لمدرسة “الاستفهام” – إن صح التعبير – في هذا الحوار . لأن رواية “حتى لا تموت الروح” هي – بلا أدنى مبالغة – قفزة في الأدب الإسلامي ، فلأول مرة نجد رواية رومانسية قوية يمكن أن نقول عنها إسلامية . وهي ليست إسلامية لأنها تجنبت الألفاظ الخارجة فقط حتى في وصف لحظات عميقة جدا – وهذا وحده إنجاز – بل لأن منطلقها إسلامي الفكرة والمنهج وأبطالها إسلاميون متشربون للفكرة الإسلامية عاملون على تنفيذها .. وهي قبل كل هذا وبعده قصة حقيقية قامت على وجه الأرض بما يجعلنا سنضطر إلى أن نناقش أحداث الرواية خارج السياقات الفنية والأدبية والناقدة لندخل إلى ساحات الفكرة وكيفية تطبيق الفكرة ونقلها من سطور الكتب إلى شخوص تمشي على الأرض . وغني عن التعريف أن الحوار يكون صعبا مع طائفة الكتاب والأدباء ، فالذين يمتلكون ناصية القلم دائما أقدر على انتقاء الألفاظ وابتكار المصطلحات والأساليب التي ينجون بها من “فخاخ الأسئلة” بمهارة .. وحوارنا اليوم مع الأستاذ علاء سعدأحد أرباب القلم المرموقين . وسيلمس القارئ الكريم من تلقاء نفسه ، كيف أن الأولى في مثل هذا الحوار أن يكون ” استفهاميا استيضاحيا ” ، لأنه يدور حول شخصية امرأة مسلمة قد تصور الكثيرون – ومنهم أنا – أن عصرنا قد خلا من مثل هذا النموذج . * تعرف أخي علاء مدى حماستي للرواية ، فلن تجد مني مشقة أبدا بل ربما العكس ، وحيث أنه لا يحضرني سؤال مواجهة ، فدعنا نبدأ بسؤال عادي : متى فكرت في كتابة قصة حياتكما كرواية ؟ مرحبا بك أخي الحبيب ، ويعلم الله تعالى كم أنت حبيب على قلبي وقريب من نفسي .. شكر الله تعالى سعيك ، ونفع بك وبمجهودك وبكتاباتك ، وجعل قلمك ذخرا لخير الأمة والبشرية كلها .. وجزاك الله خيرا على حسن ظنك بي إذ فكرت في إجراء حوار معي .. ولكن والأمر كذلك فإنني أطلب منك أن تتحملني قليلا أو كثيرا ، وكذا قراءك الكرام ، فمن ضمن عيوبي الكثيرة الاسترسال في الحكي والكلام على طريقة سيرة وانفتحت ، فعذرا لما ستجده من مشقة في طول إجاباتي .. ولكن كما أخبرتك مقدما هذا عيب لصيق بي ، ليس من السهولة بمكان التخلص منه بشكل مفاجئ .. فأرجو أن تتحملني .. أعود بعد ذلك إلى سؤالك الأول .. وأظنك الآن أدركت بعضا من أسباب اعتذاري الأول كوني أسترسل في الحديث بلا رابط أو ضابط ، فلك أن تتحملني كثيرا لا قليلا هذه المرة .. السؤال كان : متى فكرت في كتابة هذه الرواية ؟ والإجابة عليه .. أننا في حياتنا معا أنا ومنال كتبت بعضا من قصص قصيرة عن مواقف في حياتنا ، منها على سبيل المثال ( الصراع – الموعد – المحاولة الأخيرة – حدود الخطأ – أحلام الحب .. وغيرها ) وكانت منال تقرأ هذه الأعمال وتحبها وتتأثر بها ، وبعضها كانت تعتبره هدية خاصة لها ، وكانت تعتبرها من أجمل ما يمكن أن أقدمه لها من هدايا .. وكانت في بعض مرات تسألني لمذا لا تكتب عني ، عن علاقتنا معا ، عن دوري كحبيبة في حياتك ؟ ، لدرجة أنها كانت أحيانا تغار من بعض بطلات أعمالي الأدبية ، حين أنجح في تجسيد الشخصية بشكل جيد .. فكانت فكرة الكتابة عنها موجودة لكن لم يكن هناك الظرف الدافع لهذه الكتابة بالشكل الذي جدث في ( حتى لا تموت الروح ) .. وبعدما تأكدنا من إصابة منال بمرضها الخطير ، وأنها في أشد أنواعه ومراحله فتكا وخطرا ، وبعدما أكد لي جميع الأطباء والمختصين أن ما بقى لها في حياتنا لن يتجاوز – علميا على الأقل – الشهرين بأي حال من الأحوال .. كنت أطلب منها أن تكتب عن حياتها ، فحياتها علم ينتفع به .. كيف يحيا المرء بالدين ، كيف تتبعل الزوجة لزوجها ؟ كيف تكسب قلوب كل من يعرفها أو يخالطها حتى تستحق بصدق وعن جدارة لقب أميرة القلوب ؟ ما هو الإتيكيت الإسلامي في فن التعامل مع الحياة بمختلف أطرافها ومواقفها ؟ كل هذا كنت أعتبره علما ينتفع به ، يجب أن يسجل ، فيكون لها زادا في قبرها ، وزيادة في إحسانها .. ولم تكن حالتها الصحية ولا الظروف المحيطة ولا إمكاناتها الطبيعية في الكتابة والتدوين تسمح لها للقيام بهذا العبء .. في اليوم التالي لوفاتها وجدتني أجلس أمام جهاز الكمبيوتر أكتب عنها ( حبيبتي ) .. ثم بدأت أعد قراء مدونتي بالكتابة عن مآثرها ، وكانت كل فكرتي أن أسجل تلك المآثر العظيمة بشكل تسجيلي عادي على صورة كتيب علم عن أخلاق المرأة المسلمة الملتزمة بدينها في كل شؤون حياتها .. ثم ألقى الله تعالى في روعي أن أكتب ما أردت كتابته في صورة رواية أدبية واقعية .. فوقعت في هذا الاضطراب الذي قدمت به لحواري معك .. * هل الفصول التي جاءت على لسان منال من كتابتها هي ، أم مما أملت عليك روحها كما أحببت أن تصف ما كتبته أنت في قميص الكتاب ؟ اسمح لي هذه المرة برأي ثالث .. ما ورد من مذكرات منال هو من خلال روايتها لي ، فهي مذكرات منطوقة مسموعة صادقة وشبه حرفية ، لكنها غير مكتوبة .. ولم تكن يرحمها الله من أهل الكتابة ، ورزقني الله تعالى أذن واعية تحفظ أشياء عجيبة وتفاصيل دقيقة منذ أيام طفولتي الأولى .. وهذا هو سر التفصيل الدقيق في الفصول المروية على لسانها .. كما أن اغلب أمسياتنا كانت كلها حكاوي الذكريات والمشاعر فحفظتها عن ظهر قلب .. أما فكرة الرواية نفسها وأسلوبها وتدفق الذكريات فيها هو ما أملته روحها الحبيبة قدسها الله تعالى على قلمي.. * السؤال الذي سألنيه كل من عرف الرواية عن طريقي هو سر تغيير اسمك في الرواية إلى “عماد” بدلا من “علاء” ، واسم والدك من “سعد” إلى “سعيد” . ليسهناك سر .. كل ما في الأمر ، لا أرى أن اسمي يستحق الذكر والاقتران بتلك الروح العظيمة التي أردتها وحدها أن تكون هي بطلة العمل لا سواها ، وما عماد سعيد أو علاء سعد أيا كان الاسم سوى ( قزيم ) - تصغير قزم - أمام عملقة روح منال رحمها الله وربما هروبا كذلك من ذكر اسماء التحبب التي كانت تناديني بها فهي من خصوصيتها وحدها يرحمها الله ولن يعرفها أحد سواها .. والحقيقة أنني غيرت أسماء معظم من ورد ذكرهم في العمل ليبقى اسم منال وحده الاسم الحقيقي الذي يستحق أن يذكر وأن يدعو له الناس بالرحمة والمغفرة وسعة القبر ، ورفعة الشأن والمصير .. * تعرف - أخي علاء - أني زرت شقيقك محمد في بيته أكثر من مرة ، وذات مرة كان مبيتنا في “الغرفة التي على الشارع التي نحبها وتحبنا” ، ولذا كنت اقرأ الرواية مستحضرا أماكنها الحقيقية في ذهني ما زاد من تأثري بالرواية عن غيري من القراء ، وما جعلني أعرف حق المعرفة مقدار اختلاف “منال” عن بنات الجيل في أحلامها عن مسكن الزوجية .. هل تُرجع هذا إلى مجرد التدين والالتزام عند “منال” أم لشئ في طبيعتها الشخصية لا يرتبط بالتدين أو غيره ؟ الغرفة التي على الطريق تسمع الأشواق تعصر الأسى .. الغرفة التي نحبها وتحبنا كانت في منزل أسرة منال القديم ( بيت السكنيدي ) ، في الحارة وقد انتقلوا منه ، وربما تم هدم المنزل نفسه .. أما ما زرته أنت فهو قد يكون شقة الزوجية .. أما عن أحلام منال وشخصيتها وعلاقتها بالتدين .. فأقول لك أن التدين الذي عرفناه أنا ومنال ليس طرحة وعباءة أو خمار أو نقاب ، وليس لحية أو جلباب ، وليس كذلك شعائر تؤدى وطقوس تقام ، وكلمات تحفظ ، ودعوات تقال وأذكار تذكر .. كل هذه وسائل لتحقيق التدين والمسلم مأجور عليها كلها بإذن الله ، ولكن التدين من وجهة نظرنا هو طريقة حياة .. كيف تصحو كيف تنام ، كيف تتكلم ، كيف تبتسم ، كيف تختلف ، كيف تحب ، كيف تلبس ، كيف تتعامل ، كيف تشتري ، كيف تنفق ، كيف تكسب ، كيف تعبر ، كيف تحلم ، كيف تفكر ، كيف تتسامح ، كيف تعاتب ، كيف تغضب ، كيف تعفو .. التدين في مفهومي أنا ومنال بالاختصار : كيف نحيا ؟ كيف نعيش ؟ وهو شيء امتزج بوجدان منال فأخرج منها شخصية أقرب للمثالية غير الممكنة .. منال عجنت بالتدين ، فلم يعد ممكنا فصل شخصيتها العادية عن شخصيتها المتدينة ، ربما ذكرت أنها كانت ابنة دعوتها ولم تكن ابنة بيئتها ، لا للتقليل من تلك البيئة ، ولكن البيئة التي خرجت منها منال تظل في النهاية بيئة بشرية طبيعية فيها عوامل الخير ونقيضه ، أما هي فكانت نموذجا وحده .. كانت إسلاما يمشي على الأرض بين الناس .. أحسبها كذلك ولا أزكي على الله أحد !! كذلك أخرج الإسلام قومي * كثيرا ما أخبرتنا أن منال قوية الشخصية وأنها “خاضت معاركا” .. لكن لم تقدم لنا تفاصيلا عن هذه المعارك التي خاضتها ولا لمرة واحدة . سأضرب لك أمثلة مما حكته الرواية لترجع إليها ، ولن أذكر المزيد مما لم يمكن ذكره في الرواية لأسباب متنوعة معركتها مع حسام من أجل قبولي وهي – للأسف الشديد – لم تكن تعرفني ولا سمعت بي من قبل - من أجل المبدأ نفسه ( إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) وقوله تعالى ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) تحديها من أجل تحديد وتقديم موعد عقد الزواج .. حتى وقفت موقفا عيرتها به – للأسف الشديد نساء من حموها – فم تأبه لأنها كانت تدافع عن اقتناعها أولا وعن حبها – أولا أيضا – دورها البطولي في مواجهة أسرتها لتحديد موعد الزفاف قبل السفر .. حتى ظن الجميع بنا الظنون – وكانت بريئة – مواجهتها لظروف قهرية لا يتحملها بشر عندما مكثت معي في المملكة ثلاثة سنوات بلا أوراق نظامية تحت تهديد أمني مرعب .. تحديها المرض نفسه ببسالة وثبات غير عادي أدهش كل الأطباء والمتابعين الذين راهنوا على تدهور حالتها النفسية ودخولها في مرحلة ( اكتئاب حاد ) لكنها ماتت وهي مبتسمة راضية .. تحديها الأخير من أجل الإقامة في منزل أمي فترة العلاج ، وما أدراك ما المعارك الاجتماعية التي نشأت بسبب ذلك !! ثم تحديها لي في السوبر ماركت من أجل عدم شراء الجبن الدانمركي .. ولقد تحدتني كثيرا وخاضت معي معارك على مبادئ معينة وكانت تنتصر غالبا .. ولكني في حل من ذكرها ، طالما أن الرواية سكتت عنها .. * قصدت أنك لم تشرح لنا تفاصيل المعارك . هكذا أحسست وربما أخطأ شخصية البطلة لم تظهر كما ينبغي من خلال ما كتب في تلك “المعارك” بإيجازالإحساس ، لكن كان بظني أن قوة ؟ من اجل هذا قلت أن من عظمة شخصية منال أن ( حتى لا تموت الروح ) لم توفها حقها ، ولم تحط بجوانب عظمة شخصيتها .. لعل في الكتابات القادمة إن شاء الله تركيزا على مثل هذه المعارك بشكل منفصل..“المؤرخ” يحاور “القلم” جـ1
أما وإن كان الحديث يدور حول رواية ( حتى لا تموت الروح ) فأرجو قبل الخوض في أي سؤال أو إجابة على سؤال أن أقول شيئا مهما بالنسبة لهذا العمل .. رواية حتى لا تموت الروح عملا شاقا نتيجة لظروف معينة أحاطت به ، وهي ظروف كتابة السير الذاتية عموما .. وهنا توجد سلبية أساسية في هذا العمل ، أنه أراد أن يجمع بين النفس الأدبي ، وبين كتابة سيرة ذاتية كاملة وحقيقية وصادقة لشخصية أعتبرها لا لصلتي بها فقط ، ولكنها تستحق أن تكون كذلك لما قدمته خلال حياتها القصيرة من تطبيق حرفي لما كانت تؤمن به من مبادئ وقيم وأخلاق في حياتها .. تورطت إذن في الكتابة المزدوجة في سيرة ذاتية بنفس أدبي ، مما جعل العمل كله مضطربا بين هذا وذاك ، فقد فرضت علي ضرورات العمل الأدبي أشياء تسيء للعمل كسيرة ذاتية ، والعكس بالعكس ، قد يضطرني الصدق والأمانة والموضوعية عند تسجيل قصة حياة واقعية عن التغاضي عن قوالب أدبية كانت يجب أن تراعي .. فخرج العمل في النهاية كما ترى مذبذبا بين هذا وذاك ، وربما لم يحقق النجاح في كلا الأمرين ، غير أن العمل نجح في أمر واحد أظنه وصل فيه إلى حد قريب من الكمال ، وهو الصدق المطلق في الحكي عن بطلة الرواية والظروف التي عاشت فيها ، ما أمكن إلى ذلك سبيلا .. فمن يقرأ هذا العمل في تقديري لن يخرج منه فعلا سوى بصدق النقل عن هذه الشخصية التي يجب من وجهة نظري أن تترسخ في وجدان الأمة كلها ..
شبابا مخلصا حرا أمينا
وعلمه الكرامة كيف تبنى
فيأبى أن يقيد أو يهون
إصرارها على قبول الخاطب الفقير حديث التخرج ابن الأسرة البسيطة الذي تقدم لها قبلي ، بل إصرارها على ذلك لدرجة أنها لم تقبل الأخذ بالنصيحة التي جاءتها عبر الرؤية عقب صلاة الاستخارة بأنه لا يصلح لها .. لسبب واحد هو تثبيت مفهومها عن الارتباط بذي الدين ولو كان معدما
معركتها من أجل الخمار والنقاب ..
.
.
السبت, 19 ابريل, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








