القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

الحلقة الثالثة من رواية المس واليوم وغدا

( 3 )

 

          في الصباح التالي كان الجو صحوا وقد أصبحت عزة مشرقة النفس خفيفة الروح لديها رغبة في التبكير إلى الكلية ، حتى أنها استثقلت دقائق انتظارها لإيمان ، وكانت تريد أن تجري أو تقفز إلى الكلية ، وأقبلت عليها إيمان في نشاط وهمة هي الأخرى .. فقطعا الطريق في حديث طويل ضاحك ومرح ، حتى ظنت عزة أن الطريق إلى الكلية قد قصر عن ذي قبل ..

وأمام سور الكلية لم يكن هناك شيء غير عادي كانت الأمور كلها طبيعية بحيث بدا صباح الأمس استثناءً غريبا مختلفا عما قبل ، ومميزا عما بعد !

 

لكن الجديد اليوم كان داخل المدرج ، كانت كل من عزة وإيمان تدركان أنهما وصلتا إلى الكلية مبكرا هذا الصباح ، ومع ذلك فقد وجدتا الطرقة المؤدية إلى المدرج خالية تقريبا ، وعند وصولهما إلى باب المدرج لمحتا شخصا يقف مكان الأستاذ ..

إذن لقد بدأت المحاضرة !

أسرعت عزة بدخول المدرج ، بينما نظرت إيمان إلى ساعة معصمها لتتأكد من الوقت ، ومع دخولهما المدرج تبينا أن الذي اتخذ مكان الأستاذ لم يكن سوى ( زميلنا عادل ) !

وكان عادل يقرأ سورة من القرآن الكريم بصوت شجي مشحون بالخشوع :

 

( ق والقرآن المجيد ، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب ،ءأذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ، قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ) ق1-4

 

ظل صوت عادل يرتل في خشوع فيسري في المدرج ، والطلاب جميعا صامتون في هدوء تام ، حتى إذا ما وصل إلى قوله تعالى :

 

( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ، ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق19-22

 

فتهدج صوته ، وكاد يبكي ، حتى ظنت عزة أنه يبذل جهدا كبيرا للسيطرة على مشاعره ..

ختم عادل تلاوته .. ثم رفع بصره في ومضة خاطفة إلى الطلاب أمامه وألقى السلام ، ثم انصرف من مكانه ..

ظل الطلاب برهة كأن على رؤوسهم الطير ، كأن صمتهم يستعيد رجع الصدى للصوت الخاشع والترتيل المؤثر ، إلى أن بدأت إيمان صاحبتها متسائلة :

- وهل توجد في القرآن سورة اسمها سورة ( ق ) ؟

أجابت عزة في شيء من التردد :

- نعم .. ربما لا أكون قد قرأت هذه السورة من قبل ، لكني لمحت الاسم في فهرست المصحف !

مرت لحظة صمت قالت عزة بعدها بشكل مفاجئ :

- ولكن أخبريني بالله عليك هل سمعت قرآنا يقرأ بهذا الشجن من قبل ؟

تدخلت عبير في الحديث وكانت تجلس بجوار إيمان في الطرف البعيد عن عزة فتطوعت بالإجابة عنها قائلة في شيء من سخرية :

- أنا سمعت مثل هذه القراءة .. في المآتم !!

ضحكت إيمان على ما اعتبرته طرفة زميلتها ، بينما احمر وجه عزة وقالت في شيء من الكرامة والحدة :

-   لم يكن الصوت حزينا أو نائحا .. هناك أصوات تقرأ فتشعرين بالوجوم ، كأنها غربان تنعق ، أما هذا الصوت فمشحون بالحب ، مملوء بالتأثر .. إنه .. إنه يصور المشاهد فيجعلك تفسرين المعاني ، وتتصورين الأحداث .. كل هذا بحاسة السمع وحدها !!

 

أطلقت عبير ضحكة صاخبة وهتفت :

-   الله .. الله .. لم أكن أعرف من قبل أنك شاعرة يا عزة .. أظن لو أن هذا الطالب سمع وصفك الشاعري لتلاوته لاعتزل تلاوة القرآن خوفا على نفسه من الفتنة ..

 

وكان جمع من البنات من بينهن جيهان ورباب وعلا قد سمعن تعليق عبير فضججن بالضحك .. وشعرت عزة بالدماء تتصاعد إلى وجنتيها حارة ملتهبة ، وبحثت عن جملة ترد بها فلم تجد غير الصمت الكسير ، وتدخلت إيمان بسرعة كأنما لتخرجها من ورطتها موجهة سؤالها للجالسات عن يمينها :

- لكن منذ الأمس وهناك أمورا غريبة تجري في الكلية هل لدى إحداكن تفسير لها ؟

تقمصت علا شخصية الخبيرة العليمة ببواطن الأمور ومضت تشرح قائلة :

-   الأمس كان تاريخ فتح باب الترشيح لانتخابات اتحاد الطلاب .. ودائما يكون الصراع في هذه الانتخابات محصورا بين طلاب الجماعة الإسلامية ، وبين الأمن الذي يحاول منع سيطرتهم على الجامعة ، ويعد قائمة طلابية مضادة لهم .. وغالبا ما تنتصر الجماعة الإسلامية وتفوز بهذه الانتخابات مستخدمة لتحقيق هذا الفوز وسائل مختلفة متنوعة ..

 

صفقت جيهان بكفيها وهي تعلق على شرح علا قائلة :

- ما شاء الله عليك يا ( أم العريف ) ومن أين أتيت بكل هذه الأخبار جميعا ؟!

تطوعت عبير بالإجابة عنها قائلة وهي تغمز بعينيها :

- من الأستاذ ممدوح بالطبع ..

تساءلت إيمان في دهشة حقيقية وهي تحاول تقليد صوت عبير وطريقتها في نطق الجملة :

- ولماذا الأستاذ ممدوح بالطبع !

قالت رباب : ألا تعرفين أن الأستاذ ممدوح هو خطيب هناء شقيقة علا ؟

 

وكان الأستاذ ( ممدوح بالطبع ! ) شابا على مشارف الثلاثين من عمره ، وسيما رشيقا أنيقا ، وكان يعمل موظفا بقسم شؤون الطلاب بالكلية ..

 

أما عزة فكانت قد انعزلت شعوريا وفكريا بشكل شبه تام عن الحوار الدائر حولها ، وهي تستعيد الصوت الخاشع يرتل

( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد )

حتى أنها ضبطت نفسها تكتب الآية الكريمة أعلى صفحة دفتر المحاضرات في شيء من لا وعي ، واستمرت في شرودها حتى بدأت المحاضرة .. وقد عزمت على أن تبذل جهدا مضاعفا اليوم للسيطرة على تركيزها في المحاضرة حتى لا تكون الحاضرة الغائبة كأمس ..

  

في المساء في منزلها ، وجدت عزة نفسها تفتح المصحف على سورة ( ق  ) وترتل .. شعرت وهي تقرأ أنها تستعيد من ذاكرة الصباح خشوعا ، وارتعاشة صوت .. لم يكن الصوت جميلا ، لكنه كان صوتا يسري في الروح ، ويتغلغل إلى القلب ويغسل النفس ..

كان الصوت يحدثها هي ذاتها بالقرآن .. وارتبطت عزة بسورة ( ق ) ، ارتبطت بثلاثة مشاهد فيها على وجه الخصوص .. مشهد الآخرة ، ومشهد الموت ، ومشهد الحساب ..

وتساءلت من جديد هذا المساء : من يكون عادل ؟

لعلها تأكدت اليوم من حديث ( علا ) أنه بالتأكيد عضو في الجماعة الإسلامية .. ومع ذلك لم يبدو في مظهره شيء مما تعرفه بعين خيالها ، وما تشاهده في الإعلام ، وما تسمعه في الحكايات عن أعضاء الجماعات الإسلامية !

لم يكن ملبسه قصيرا ، بل كان حسن الهندام ، أنيق المظهر .. ولم يكن فظا .. هي لم تتعامل معه ، لكن من يملك هذا الصوت الشجي والإحساس الرفيع الراقي ، لا يمكن أن يكون فظا غليظ القلب .. إنها تتخيل قلبه كحمامة مذبوحة ترفرف بأجنحتها الرفرفة الأخيرة في الحياة ..

أين اللحية الكثة ، والجلباب .. وأين .. وأين ؟

 

ثم عادت فساءلت نفسها في مواجهة لم تجد منها مفر ، ولم تعد لها جواب :

لم كل هذا الاهتمام بشأنه ؟

إنه على كل حال لا يعدو أن يكون زميلا مر في حياتها !

لم تقنعها الإجابة

دقات متسارعة لقلبها وشعور مفاجئ بهبوطه في صدرها كأنه يريد أن يفر من بين الضلوع ، يهمس في ذاتها انه لن يكون مجرد زميل عابر ، ولن يعبر صفحة حياتها أو يمر بها مرور الكرام ..

تنهدت عزة وحاولت أن تطرد أفكارها وهواجسها ، وأن تفتح كتبها وتبدأ في الدراسة .. ولما لم تستطع مقاومة أفكارها ومشاعرها .. خرجت إلى الصالة حيث الأسرة ملتفة حول التلفزيون ، فدفنت عينيها في شاشته تبحث عن سلوى أو ملاذ ، لكنها لم تعد ترى على شاشته سوى صورة ( عادل )

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 20 ابريل, 2008 03:44 ص , من قبل شمس
من مصر

السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة

استاذي الفاضل الكريم
عندما يريد المرءان يحسن من نفسة فلابد ان يطلع علي تجارب الاخرين ... و لا تعنيني الشهرة قدر ما يعنيني الابداع ,و حضرتك و اقول رأيي دون مجاملة لاني لا احبها , حضرتك حقا من ضمن الكتاب المبدعين , و ابداع حضرتك يكمن في انك تعكس صورة اقرب ما تكون الي الحقيقة بدلا من تبني صورة لا تعبر عنا بشكل او بأخر و محاولة اقحامها في مجتمعنا و فرضها علينا فرضاً ... و لكن - سيدي الكريم - زمننا هذا هو من تحدث قيه الرويبض , و لكن لا سبيل لمن يحملون رسالة معينة ان يبذلون ما يستطيعون لاخر نفس


**************************
تعليقي علي هذا الجزء انك استمريت في رصد فئة - حقيقية - من الفتيات و كيف هي تعاملاتهن , و سررت لفتك النظر العابر لضحاله الثقافة الدينية " هل هناك سورة اسمها قاف " و ايضا الطبع المصري المتكرر في السخرية من كل شئ ... و لكن ابضاً التركيز علي انه و بالرغم من كون "عزة " فتاه عادية جدا الا ان فطرتها لم تتلوث ... و هذا اجمل ما في الامر

الرسالة الجميلة التي تبعثها و التي هي غير مركزة في نفس الوقت , هي تصحيح صورة الجماعة الاسلامية - هذا المسطلح كان في السبعينات و لم يعد للاسف له وجود قوي مثلما مضي و لكنه الان تطور و لكنه انكمش -او المتدينين عموماً دون تشنج او انفتاح غير واقعي

و لكني - سيدي ا لكريم - ي قد اجد هناك تلميح علي انه من يرتدي الجلباب او ملتحي - رغم انني اصلا لا اميل الي هذه الصورة من المتدينين - و لكن هناك كثيرين محترمون للغاية و علي هذه الصورة ... فلابد ان يتم التفريق بين الزي و بين الاخلاق ... فلا زي للمتدين و لكن له "سمت " او اخلاق هي التي يجب ان تظهر عليه ...اي انه لا يجب ان تضع مشاعر سلبية تجاه زي معين ...

و لكن بشكل عامة الايطار جميل للغاية ...

-----> يتبع الحلقة الرابعة




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.