رعشــــة قلــب تأتيني الأخبار عبر هاتفي المحمول ، وأخباري لم تعد تأتيني إلا عبر الهاتف .. أو ربما ( شاتنج ) ، أما عبر غير ذلك من وسائل فلا أظنني أستقبل أي أخبار ، ربما أصابتني لعنة زمن الاتصالات والتواصل ، ( بالقرف ) من سيل الأنباء المتواصل عبر الفضائيات والانترنت ، فقررت أن أعيش على أخبار لم يعد يهمني سواها .. - ما أخبار الرواية ؟ - الأخبار عندي قد تكون مبهجة لك أدبيا ، لكنها مؤسفة ماديا .. - ....!!! - بالتأكيد توجد نسب مبيعات جيدة .. كما أن الإقبال عليها جيد جدا .. لكن .. - لكن ماذا ؟ - الدار تقلل جدا من نسبة المبيعات !! - ربما كانت الدار على حق . - أبدا أنا أرقب عملية المبيعات عن قرب .. ما أراه بعيني لا تترجمه الأرقام المعلنة .. أغلقت الخط بعد تبادل تحية مقتضبة ومقبضة .. لا أدري لم تراءت لي صورة ( د محمد جمال حشمت ) بنظارته الطبية ذات السلسلة الفضية ؟ الاهتمام بتوزيع الرواية يشغل كل تفكيري ، وما يتبقى من وقتي بعد ساعات عمل طويل مرهق ، لم يعد في البال متسع لتسقط أخبار الدنيا .. والدينا فيها ما فيها .. أحيانا يغلبني الحنين إلى ( العاشرة مساء ) تجذبني مقدمته الرصينة ( منى الشاذلي ) بأدائها الراقي .. تكدر فكري كدرا على كدر وأنا أتابع مأساة أخينا المصري المسكين ، الذي فقد ( تحويشة العمر ) ثلاثمائة ألف جنيه ( لهفها ) نصاب مدينة نصر ( وطار ) .. مسكين الرجل ثلاثمائة ألف هي كل مدخراته ! وهي التي ينفق من ريعها على بناته ودروسهن الثانوية ، وأخيه مريض الفشل الكلوي بعدما باع سيارته هو وأخيه ! لا أدري لم تذكرت ( حدوتة ) كان يحكيها لي أبي – رحمه الله – عن رجل فقير فكان السائق الذي يعمل عنده فقيرا وكذلك الطباخ والخادم و ( السفرجي ) كانوا جميعا فقراء ، لأنهم يعملون عند هذا الرجل الفقير !!! شدني الموضوع فسمعت من أخينا المصري الثاني المسكين أيضا الذي ضاع عليه مبلغ مليون ونصف مليون جنيه ادخرها طوال سبع سنوات من عمله الشريف في شركة كبرى ! هؤلاء النصابين لم يتركوا للناس شيئا يقتاتون به .. فعلا أولاد ( الحرام ) لم يتركوا لأولاد ( الحلال ) شيئا !! تعلمت مثلا شهيرا أطلقته مذيعة شهيرة يقول : ( اقلب القناة ) .. قبل أن يرتفع ضغط دمك : اقلب القناة .. الهروب الكبير للحضري – سد مصر العالي – العدو الصهيوني يشن حملة إبادة على أهالي غزة .. أحد وزرائهم صرح أنها ( هولكوست المسلمين والعرب ) .. المحرقة تستمر .. الشهداء في ثلاثة أيام أكثر من مائتي وعشر شهيدا .. والسبب صاروخ طائش عكر مزاج السادة في ( تل ابيب ) !! لا حل أمامي سوى الهروب الكبير .. غبطت الحضري ، ليتني أستطيع أن أنفذ خطة الهروب الكبير .. ليتني أهرب من بين أحضان جلدي الذي يسجني في ذاتي .. في طريق الهروب رأيتني أقف أعلى المدرج الكبير في المعهد الصناعي بـ( كامب شيزار ) أرتل : ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) التوبة 8 .. ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأؤلئك هم المعتدون ) التوبة 10 وأتاني صوت النشيد يعكس رائحة الدم النازف .. دمنا على أبوابكم *** دمنا على أثوابكم دمنا يلون خبزكم *** دمنا طلى أكوابكم يا من عبدتم عجل إسرائيل في محرابكم *** آه آه آه يا من جعلتم من حبائلها عقود رقابكم *** آه أه أه يا من تشق صدورنا ونحورنا بحرابكم *** آه آه آه لن تقتلوا شعبي ولن يجثوا على أعتابكم *** آه آه آه لن تسرقوا فجري ففجري مؤذن بزوالكم *** آه آه آه أم أنني الآن أمام كتاب دراستي تخترقني المشاهد ، وتنكل بي مشاعري ، أرفع صوتي لأسمع نفسي بعض سطوره ، ولكني لا أسمع سوى : لأني أحمل الإيمان والجرح الفلسطيني لأن غمائم الأفيون لم تخمد براكيني لأني لم يكن إلا جهادا داميا ديني أشرد في منافي الأرض أجلد في الزنازين *** لأني ما خفضت الرأس في ريح الخيانات لأني ما طبعت على عقود الذل بصماتي أسير على جراحاتي وتنهشني عذاباتي وكل جريمتي أني فلسطيني ، فلسطيني *** لأن القدس لي دار وآثار وأسوار أحب القدس إن الحب لي ثار وإصرار وصوت حبيبتي في الأسر للأبطال إعصار يردد أرجعوا مجدا على ساحات حطين *** لأني أحمل الإيمان والجرح الفلسطيني فلا الأهوال تثنيني ولا الأيام تنسيني هوى أرضي التي تزدان بالزيتون والتين فأول قبلة للناس قد كانت فلسطين بين الجموع تهتف الحناجر تشق أذن السماء : صمت أذن الدنيا إن لم تسمع لنا .. يا دعاة الصلح إنا ألف لا أو يعود المسجد الأقصى لنا .. كفاية غدر كفاية خيانة الصهاينة عاوزين دانة قوائم بأسماء الطلاب الممنوعين من دخول المعهد تعلق في الصباح التالي .. نتزاحم أمامها ، يبحثون عن أسمائهم كما لو أنهم يبحثون عن تقدير ممتاز في نتيجة آخر العام .. هذا وجه رأيته مكدر حزين ، لأنه لم يجد اسمه بين كشوف المفصولين .. وهذان يتبادلان الأحضان ، لأنهما على رأس القائمة أحدهما الأول والآخر الثاني .. ( شريف الكنرلي ) و( ابراهيم عجمي ) .. يبدو أن رحلة الهروب الكبير معرضة للفشل .. ربما أعود من جديد كما عاد الحضري من ( سويسرا ) ، فهل أجر أذيال الخيبة ؟.. تتراءى لي الرواية .. كتب مكدسة بعضها فوق بعض .. وأستعيد من مدامع الغروب لحنا يهدهدني : قد كنت أصنع الكلام من دمي وكنت أعزف النشيد هامسا لعله إلى الفؤاد ينتمي وكنت أكتب الحروف واحدا فواحدا لتقرئي لتفهمي وكنت يا بلادي .. وكنت وكنت يا حبيبتي وكنت .. والآن لن أتم يا حبيبتي النغم فقد رأيت ما يحرم النشيد ألف عام .. أنظر من جديد إلى صفوف الرواية في ركامها بعضها فوق بعض .. أنظر إلى نفسي .. أتفرس في عروق كفي .. شراييني .. ألم تكن هذه من تلك .. ألم أسطر سطورها بمداد دمي ؟ ألم أسجل مشاعرها بأحرف حفرتها سنين عمري ؟ وددت لو أسأل أخا كان لي ، ومازلت أحبه ، لو أني جئتك زائرا وقت الغداء بعد الظهيرة على حين فجأة ، بعد كل هذا العمر الذي لم نلتق فيه ، هل كنت تضيفني ؟ أعرف دون أن أسأل ، ودون أن أضطرك أن تقسم .. أعرف أنك كنت ستضيفني ، بطعام وشراب يكفي نصف ثمنه لشراء نسخة من الرواية المكدسة أمامي على رفوف المنزل .. بل أعرف أنك لا تبخل على بنيك بزجاجات ( بيبسي ) من الحجم العائلي .. يكفي ثمن إدمان أسبوع منها لأن تنقذ مشروع حياتي ؟ رغم أن ثمن روايتي لن يصب جزء منه في ( بنوك ) الصهاينة لتصنيع سلاح جديد يفتك بأهلنا !! ألا تريد أن أبقي لك بعضا مني .. قبسا من روحي ، وجذوة من نورها .. بثمن نصف وجبة طعام كنت ستضيفني بها ؟! في مجمع نظري تنطلق الحناجر تصدع بالهتاف : لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى ليبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما لبيك إن عطش اللواء سكب الشباب له الدماء لبيك لبيك لبيك *** لبيك لبيك لبيك لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود بالروح بالدم نفديك يا أقصانا بالروح بالدم نفديك يا أقصانا ترتج مباني المجمع .. الأمن يغلق الأبواب بالجنازير .. هدير أصوات المصفحات يأتينا خافتا ، وقد غطى عليه الهتاف : في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء لا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء فليعد للدين مجده أو ترق منا الدماء فليعد للدين عزه أو ترق منا الدماء تظل حناجرنا تزأر على أنغام ثابتة لا تتغير نعرفها جيدا : ( هُو .. ضربتين بالأرجل المحملة بالأحذية الثقيلة على الأرض .. هُو .. ثم خبطتين بعصي الكهرباء على الواقي الحديد على صدر الجنود .. هُو ) يعلو الهتاف من داخل الأسوار : يا عميل يا عميل سيبنا نحارب إسرائيل تهون الحياة وكل يهون ولكن إسلامنا لا يهون نضحي له بالعزيز الكريم ومن أجله نستحب المنون إذا ما أرادوا لنا أن نميل عن الدرب قلنا لهم مستحيل لنا نهجنا من عزيز جليل ونحن به دائما سائرون قبل أسابيع كان العالم مشغولا بمتابعة حصار غزة .. انقطاع الكهرباء .. تعرض النساء والأطفال والشيوخ للخطر .. المرضى لا يجدون العناية في المشافي .. تعطلت الحياة .. غزة سجن كبير يفرضه الاحتلال الغاشم .. لم أكن أتابع ما يتابعه الناس .. كنت مشغولا في فك حصار آخر يفرضه مسلمون !! سألني الشرطي : - لم أخرت إيجار السكن كل هذه المدة ؟ .. ألا تعرف أن للناس حقوقا واجبة الأداء ؟.. - عندي ظروف قهرية .. استنفذت كل أموالي ، واضطررت للاستدانة بسببها .. ظروف يعرفها أصحاب الملك جيدا .. زوجتي توفيت بالمرض الخبيث – أبعد الله شروره عن المسلمين والسامعين – وتكلفت مبالغ طائلة في محاولة البحث عن علاج .. - أصحاب العقار يريدون أموالهم .. لا شأن لي بكل هذه المبررات .. إما الدفع أو التوقيف ( الحبس ) - عندي أطفال صغار محاصرون في المنزل ، ليس لهم عائل سواي ، وليس معهم من شخص كبير .. الابنة الكبرى حان موعد انصرافها من المدرسة .. أتركها في الشارع تأكلها الكلاب ؟ نحن في غربة كما ترى .. - لماذا لم تتزوج إذن ؟ ابتسمت في مرارة .. وأنا أشير لا أدري إلى قلبي أم إلى جيبي أم إليهما معا .. ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ، ثم رددنا لكم الكرة عليكم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ، إن أحسنتم ، أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ، عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) الإسراء 4-8 ذكرى الانتفاضة الفلسطينية الثالثة .. عرض فيلم فيديو يصور جرائم الاحتلال وبسالة أطفال الحجارة .. يقف الطالب متوشحا بالشال الفلسطيني يلقي كلمة تلهب حماس الطلاب والحضور .. فتدمع العيون ، وتهتف الحناجر : في القدس قد نطق الحجر لا مؤتمر لا مؤتمر أنا لا أريد سوى عمر صلاة الغائب على روح شهداء الانتفاضة .. وشهداء مذبحة الخليل .. اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم اللهم يا قاصم الجبابرة ، يا ملك الملوك ، يا من بيده ملكوت السماوات والأرض .. إنهم لا يعجزونك .. اللهم انصر الإسلام والمسلمين .. اللهم يا من نصرت أهل بدر وهم أذلة .. انصر أهل الإسلام وخاصته .. اللهم إن تهلك هذه العصابة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس فلن تعبد في الأرض .. اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم .. اللهم انصرهم على الصهاينة المعتدين .. الذين رملوا نساءنا ويتموا أطفالنا ، وشردوا شبابنا ، وثكلوا أمهاتنا ، وخربوا بيوتنا ، وحرقوا مزارعنا ، واقتلعوا أشجارنا .. اللهم آمين .. في مقر أمن الدولة في ظلمة الليل .. صرخ الضابط : - هل تصلون من اجل أهل فلسطين ؟ نظر الطالب حوله وأدرك ألا مفر ، فعلا صوته في كبرياء وتحدي : - أليسوا مسلمين ؟ أليسوا إخواننا ؟ أم تريدنا أن نصلي من أجل الصهاينة !! أظلمت الدنيا .. انتفض سبعة نفر من على مقاعدهم .. غلاظ شداد ، في يد بعضهم هراوات ، وفي أرجل بعضهم أثقال حديدية ، ولم يعد يعرف الطالب من أي الجهات تكال إليه الضربات ، بل لم يعد يحصي لها عددا .. طارت النظارة الطبية السميكة من على عينيه ، سحقتها الأقدام الثقيلة المتبلدة .. وسال الدم على زوايا الفم ... و ... ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ) إبراهيم 42-43 يرتل في خشوع ..صوت مرتعش باك يهز جنبات المدرج هزا .. يمس شغاف قلوب السامعين ، فتتجاوب له حبات القلوب ، يعقبه حديث هادر من القلب : إن الذين يحولون بيننا وبين الجهاد في سبيل الله ، ويحمون المحتل الغاصب ، ويفتحون له السفارات ، ويؤمنونها بثروات شعبنا ، ويقيمون له الموالد ويحمون أضرحتهم ومزاراتهم .. هؤلاء هم حماة العدو وشركاء جرائمه .. ( لنا النهار ولهم الليل ) ثورة ثورة على المحتل غير المصحف ما في الحل صبرا يا أقصانا صبرا احنا راجعين مهما طالت الليالي للوطن راجعين النار في دارك شبت فتقدم يا حاميها ورياح الجنة هبت فهنيئا يا باغيها من يطفئ تلك النار من يمحو ليل العار من يحمي شرف الدار والغاصب يعبث فيها من أنت بلا إيمان من أنت بلا عنوان من أنت وفي الأوطان بركان يعصف فيها أمتنا لا شرقية في الأرض ولا غربية أمتنا إسلامية فهلم بنا نحييها على فراش الموت قابعة هي في استسلام تام لملك الملوك .. ترتسم على وجهها آثار معركة ، بين الألم الرهيب الفتاك ، وبين روح الإيمان الوقادة حتى آخر العمر .. يقين يملأ القلب المكلوم .. لا بكاء على الدنيا وزخرفها ، فكل ما خلا الله باطل وزائل .. لكن الألم يفتت الكبد .. يسري في الأحشاء سريان النار في الهشيم .. يحرق الجوف .. رائحة الاحتراق تغطي حتى على روائح المعقمات الطبية النفاذة .. - فقط أحتاج إلى مسكن .. بالله عليك يا حبيبي .. لا تدعني أتألم .. أخاف على نفسي من فتنة الألم .. أخاف من شدة الألم تخرجني عن اعتصامي به .. أرجوك فقط قل لهم يضاعفوا لي جرعة المسكن .. يهربون ، يتوارون من أمام عيوننا .. يفرون من ملاحقتي .. كأنني أطلب المستحيل .. - المسكن هذا مخدر قوي ، ولا يمكن أن تستمر عليه طويلا .. لأنه يسبب الإدمان - يا طبيبنا .. ألم تقل أن المسألة مسألة أيام ! ، وهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها ؟.. وما الضير في أن تدمن كل مخدرات الدنيا طالما المنية ستوافيها بين لحظة وأخرى .. لم أعد أحتمل ألمها .. ساعدها أرجوك .. يتفلت مني .. يذهب دون أن يكتب لي وصفة طبية بالمسكن .. الذي أدفع ثمنه من جيبي الخاص .. أما إذا سددت أمامه منافذ الهروب الكبير .. كتب لي وصفة لأفاجئ أمام الصيدلاني أنها غير معتمدة بلا ختم المستشفى الخاص ، أو عيادة الطبيب .. لأعود أبحث عن جرعة مسكنة تخفف نوبات الألم المرعب !! في حفل تخرج دفعة من طلاب كلية الطب ، قال الدكتور ( وجيه ) : لا تستهينوا بالساعات التي تقضونها نوابا في الإشراف على المرضى .. لا يمكنكم تأجيل موت المريض لحظة واحدة ، لكن في إمكانكم ألا تجعلوه يتألم .. ألا تعينوا الشيطان عليه في سكرات الموت .. حقنة مسكنة قد تجعل آخر كلامه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله .. سطور رسالتي يا أم أحفرها بسكين وأنزف ما تبقى الآن من نبض الشرايين دخان القذف في أنفي عبير للرياحين ونار قذائف الأعداء ورد في بساتين أنا يا أم لا أبكي لأن الموت يدعوني فإن الموت أمنيتي وداعي الحق يحدوني لكن الواقع العربي يا أماه يدميني فقد جاءوا لنصرتنا برمح غير مسنون وقد آلت قضيتنا لكذاب ومأفون ليه عايزنا نعيش أنعام ناكل نشرب نصحى ننام الله أكبر الله أكبر ولله الحمد لا إله إلا الله عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نقاتل وعليها نلقى الله - هل معك ما تتبرعين به يا أختي ؟ - لقد وضعت كل ما املك من نقود في الصندوق .. لكني أشعر أنه لا يكفي .. فما معي قليل .. انتظري أختاه .. مازالت معي هذه .. تشير إلى خاتم خطبتها الذهبي يلمع في إصبعها .. - قد يغضب خطيبك .. تبتسم وهي تضيف ، ولا نريد أن نسبب لك مشاكل - يشرق وجهها رغم الدموع المتألقة على أهدابها : لا يمكن أن يغضب .. أعرف ماذا وضع في الصندوق الآن .. لقد وضع ساعته الثمينة .. كلنا فداء أمي فلسطين .. الجهاد سبيلنا الموت في سبيل الله أسمى أمانينا أنظر إلى الشاشة أمامي ، أحاول أن أغمض عيني .. مناظر الضمادات التي تلف رؤوس المرضي تؤرقني .. تذكرني .. المراسل يسأل الطبيب .. عدد المصابين الجرحى جراحات خطيرة مدى كفاية واستعدادات المستشفى لاستقبال مزيد من الحالات مدى توفر الخدمات الطبية ؟؟؟ هتف الطبيب كأنه في مظاهرة ، وبدأ يلقي خطبة عصماء عن العدوان الصهيوني الوحشي ، والصمت العالمي والعجز العربي !!! مسلمات .. والمسلمات لا تقدم خدمة طبية لجريح على فراش الموت .. اقتحمتني الذكرى ، وتداعت الصور . على فراشها الأبيض ترقد في سلام أو ألم ، أو تتأرجح بين السكينة والألم .. .. يكتب الطبيب دواء ما .. حقنة ما .. محلول ما .. أنتظر ان تنفذ الممرضة ( ملاك الرحمة ) تأشيرة الطبيب .. لا تحرك ساكنا .. أستفهم ، يأتيني الرد : - ادفع أولا ثمن الدواء .. الطبيب يترك المريضة تحتضر أياما ليحضر مؤتمرا طبيا .. نلجأ لطبيب آخر في فترة المؤتمر ، يرفض تقديم خدماته معتذرا : هذه حالة الدكتور ( فلان ) ، لا يمكنني التعامل معها ، حتى يحضر الدكتور ( فلان ) ! نقلت المريضة من المستشفى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة ، في محاولة للبحث عن جهاز حجبه عنا حصار ! لفظت المريضة أنفاسها في سيارة الإسعاف لم تغادرها .. في النهاية حصلت على شهادة من المستشفى المحترم تفيد بان المريضة دخلت كحالة عناية مركزة ، وخرجت منه بناء على طلب زوجها .. هكذا تكتب الحقائق في بلادي بعيدا عن إملاءات سلطات الاحتلال .. لا لن أهون ولن يهد قواي سلطان لعين لن أستكين لن أستكين مهما قسى الجلاد أمعن في الجنون ما زلت أذكر كيف جاء الغاصبون والحقد يغلي في وجوههم ويقتحم العيون قتلوا صغيري مزقوا زوجي وما رحموا الجنين صرخة البرج وشاتيلا وصبرا لم تزل ترسم تشريدا وقبرا وجراح داميات ليس تبرا يا أخي في القهر والتشريد صبرا ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون ، فيختبئ اليهود خلف الشجر والحجر ، فينادي الشجر والحجر يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعالى فاقتله ، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر يهود ) كم شجرة غرقد زرعها الصهاينة الآن مكان أشجار التين والزيتون ؟ إذا رأيتم الصواعق تبهر العيون ، والرعد يصم الآذان ، وشعرتم بالزلازل والبراكين ، وقيل قامت الساعة .. قامت الساعة .. فلا تصدقوا ، فلن تقوم الساعة قبل أن نهزم الصهاينة ونقتلهم حتى يختبئون .. ليست القضية قضية حرب أو سلام .. ولن تكون !! وإنما هي وعد الله ورسوله ، القضية قضية عباد الله الذي يبعثهم ( عبادا لنا ) ، عبد الله الذي يخبره الشجر والحجر بأن خلفه يهودي تعالى فاقتله .. فما هي صفات ( عباد لنا ) تلك التي تحسم المعركة ، ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) الفرقان أمام الطالب المتلفع بشاله الفلسطيني ، جلس في الصف الأول عميد الكلية ، وكبار الأساتذة ، وقائد الحرس الجامعي ، وبعض كبار المسؤولين بالجامعة ، وخارج القاعة تتنصت آذان ، وكلهم يشيرون للطالب أن يعجل في كلمته ، لينتهي هذا الجمع الغفير على خير .. بعد الحفل تقدم من المنصة الأستاذ الدكتور أيمن نور ( أستاذ الإنتاج الحيواني ) بالكلية ، وقبل رأس الطالب .. بينما هتف العميد في وجهه بعد انصراف الطلاب والمدعوين : هل اجتمعنا لك يا أستاذ كي تحدثنا في الدين ؟ لو أردنا الحديث في الدين لدعونا الشيخ الشعرواي .. غزة هاشم احترقت .. احترقت .. احترقت ! - هل تذكر صانع القنابل البشرية ؟ - أذكرها جيدا ، وأذكر ماذا فعلت في القارئين وقتها .. - لم أكتبها ولكني نزفتها من دمي .. كنت أنزف بالقلم .. أطلق آخر رصاصات مشاعري على قصاصات ورقي .. - هي كذلك ، فمازلت أذكر روعتها .. طعمها مازال في حلقي .. يوم قرأتها لأول مرة تعجبت أشد العجب من أنواع في شخصيتك الواحدة .. الثائر المشحون حتى لكأنك تشعل فتيل الثورة بزيت من دمك ، والعاقل الرصين حين تتحول إلى باحث بلا عواطف ، والمحب الوله حين تستسلم للعاطفة !! إسلامية إسلامية لا غربية ولا شرقية شرع الله عز وجل الإسلام هو الحل - حرام عليك يا أخي .. البنت احترقت .. طار عقلها وكادت تفقد صوابها - لا ادري عن أي شيء تتحدث ! - ربما يمكنك أن تخدع الجميع ، أما أنا فلا أظنك تستطيع ، فأنا أحفظك عن ظهر قلب - صدقني لا أعرف ماذا تقصد .. - أقصد ( عزة ) - آه ( غزة ) .. أنا أيضا قلبي مولع بها .. .. أمنيتي في الحياة أن أموت على ترابها .. - حسبك .. أنا أحدثك عن عزة وليس عن ( غزة ) .. - وأنا متيم بغزة ، هواي فلسطيني ، وقلبي فلسطيني ، لأني أحمل الإيمان والجرح والفلسطيني ، لأن غمائم النظرات لم تخمد براكيني .. حين كتبت قصة ( مريم صرخة الأزهار ) ، لم أكن أكتب قصة أدبية ، لم أكن أرسم ( بورتريه ) ، أو ألتقط صورة ، أو أجسد لحظة .. إنما كنت أنقل حالة .. حالة عاشت فيها أسرة أو مجموعة أسر .. تتغذى فيها الطفلة ابنة الخمس سنوات على القضية ، حتى فاقت المعاناة المعاشة طاقاتها على التحمل ، فسقطت فاقدة الوعي .. مريم صرخة الأزهار .. كانت أدبا ربما .. كتبت بدافع الحصول على جائزة أدبية .. ربما .. أو بدافع مهني ، أو لتفريغ شحنة كامنة في القلب كادت تحرقه !! لكنها ظلت كتلك الصورة التي التقطها المصور العبقري لقتل محمد الدرة بين أحضان والده .. المصور كان يقاتل بالـ ( كاميرا ) ، وظننت أنني أقاتل وقتها بقلم يكتب ( مريم صرخة الأزهار ) تتراكم في المخيلة صور شتى .. تتداخل ، تتقارب وتتباعد ، تظهر وتختفي .. صفوف من رواية ( حتى لا تموت الروح ) تحمل بعض روحها .. مستشفيات غزة - مستشفى ( كوم حمادة ) في أعماق دلتا مصر .. صورة وجه حبيب تخترق العين والذكرى .. وجه مشرق رغم الهزال ، باسم رغم حدة الألم .. عينان نضاحتان بالإيمان واليقين .. عينان كل ما فيهما روح .. وتتزاحم الأخبار .. هروب الحضري .. فرار نصاب مصر الجديدة .. حصار غزة .. صورة ( حشمت ) .. المستشارة ( نهى الزيني ) .. ( أبو تريكة ) .. وهمست رغما عني ، كأني في بداية كهولتي قد تجاوز عمري مائة عام ، أرضخ تحت أثقال شيخوخة على حافة الموت : أنا يا بُنيَّ غدا سيطوينـي الغسـق لم يبق من ظل الحياة سوى رمـق وحطام قلب عاش مشبـوبَ القلـق قد أشرق المصباح يومـا واحتـرق جفَّـت بـه آمالـه حتـى اختنـق فإذا نفضت غبار قبري عـن يـدك ومضيت تلتمس الطريق إلى غـدك فاذكر وصية والد تحـت التـراب سلبـوه آمـال الكهولـة والشبـاب مأساتنـا مأسـاة شعـب أبريـاء وحكاية يغلـي بأسطرهـا الشقـاء حملت إلى الآفـاق رائحـة الدمـاء أنا ما اعتديت ولا ادخرتك لاعتداء لكـن لـثـأر نبـعـه دام هـنـا بين الضلوع جعلتـه كـل المنـى وصبغت أحلامي به فوق الهضـاب وظمئت عمري ثم مت بلا شـراب كانت لنـا دار وكـان لنـا وطـن ألقت بـه أيـدي الخيانـة للمحـن وبذلـت فـي إنقـاذه أغلـى ثمـن بيدي دفنت أخـاك فيه بـلا كفـن إلا الدماء ومـا ألـم بـي الوهـن إن كنت يوما قـد سكبـت الأدمعـا فلأننـي حمِّلـت فقدهـمـا مـعـا جرحان في جنبي ثكـل واغتـراب ولد أُضِيع وبلـدة رهـن العـذاب تلك الربوع هناك قد عرفتك طفـلا يجني السنا والزهر حين يجوب حقلا فاضت عليك رياضها ماء وظـلا واليوم قد دهمت لك الأحداث أهـلا ومروجك الخضراء تحني الهام ذلا حيفا تئن أما سمعـت أنيـن حيفـا وشممت عن بعد شذى الليمون صيفا تبكي إذا لمحت وراء الأفْـق طيفـا سألته عن يوم الخلاص متى وكيفـا هي لا تريدك أن تعيش العمر ضيفا فوراءك الأرض التي غذت صباك وتود يوما فـي شبابـك أن تـراك لم تنسها إيـاك اهـوال المصـاب ترنو ولكن مـلء نظرتهـا عتـاب سيحدثونك يـا بُنـيَّ عـن السـلام إياك أن تصغي إلـى هـذا الكـلام كالطفل يخدع بالمنـى حتـى ينـام لا سِلمَ أو يجلو عن الوجه الرغـام صدقتهـم يومـا فآوتنـي الخيـام وغدا طعامي من نـوال المحسنيـن يلقى إلي .. إلى الجيـاع اللاجئيـن فسلامهـم مكـر وأمنهـمُ سـراب نشر الدمار على بلادك والخـراب غزة هاشم احترقت .. احترقت .. احترقت - ألن تكتب لنا شيء عن غزة ؟ - ... .... ..... - ألن تهتف مع الهاتفين ، تنزف بعض جراح الأمة في فلسطين ؟ - ....... .... ...... - ألن تشارك في الملحمة ؟! - .... .... .... - ... ... ... - .... .... .... - علاء .. علاء .. هل أنت معي ؟ - أين ذهبت ؟ - نعم ؟ - ألن تكتب شيئا عن غزة ؟ - أردت لكن .. - الحصار خانق .. - أتذكر كيف برر الصحابة الأطهار موقفهم عندما قتل الرعاع أمير المؤمنين الشهيد عثمان بن عفان ؟ - قالوا حصر عثمان ، وحصرنا معه .. - صدقوا والله .. أردت أن أكتب .. كلنا مغزوزون ، وكلنا غزاويون والآن يا حبيبتي لن أكمل الحديث وإن بدا مشوقا فليس ما أريده إثارة الطرب أو أن تحركي الشفاه من دلائل العجب ولن أتم يا حبيبتي النغم لقد رأيت ما يحرم النشيد ألف عام وصرت كلما بدأت في الغناء أجهشت في البكاء .. أجهشت في البكاء لن أمسك القلم فالرعشة التي سرت في قلبي الحزين قد أصابت المواقع الخضراء بالعفن فلم تعد تجيب غير نبضة الألم لن أكمل الحديث يا بلادي فشمعتي في ليلة الحداد أطفأت وأكذب الأصوات في هواك قد علت وقصة الكلام كلها قد انتهت قد انتهت .. قد انتهت
أضف تعليقا
من مصر

السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة
انك حقا موهوب بحق !!!!
رغم انها مجرد كلمات الا انني شاهدت من خلالها قيلما سنيمائيا تجري احداثة بسرعة امامي ... و ان كنت لا اعرف كل هذه الاناشيد الا انني شعرت انا اذا لحنت كانت ستطفي موسيقي تصويرية رائعة علي هذا الفيلم المكتوب
شعرت حقا بتوهان روحك وحدها دون رفيقة الدرب - رحمة الله عليها
و شعرت بمدي حنقك و المك الذي كبلك و اعحزك حتي عن كل ما قالوه لك
للاسف , الفساد من المصريين انفسهم اقوي من اي شئ يمكن ان يفعله الصهاينة بنا ... و حنقني كثيرا ما حكيت له عن موضوع صرف الادوية في العلاج ... لاني اعمل في هذا المجال عن قرب و اتعجب من قسوة بعض الاطباء علي مرضاهم و برود اعصابهم ... ربنا يرحمنا من قسوة القلب
يعجز قلمي عن موافاتك حقك و لكن ادام الله عليك نعمة القلم المبدع
دمت في حفظ الله
من المملكة العربية السعودية

الحبيب المهندس المؤرخ محمد إلهامي
إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة
ولعل روعة الشعر فاقت بكثير مستوى البيان
بل غن روعة الشعر وتألق الأشعار هي التي صاغت هنا قوة البيان
دمت لي عونا وسندا .. وفقك الله لكل خير
من المملكة العربية السعودية

الحبيب المهندس المؤرخ محمد إلهامي
إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة
ولعل روعة الشعر فاقت بكثير مستوى البيان
بل غن روعة الشعر وتألق الأشعار هي التي صاغت هنا قوة البيان
دمت لي عونا وسندا .. وفقك الله لكل خير
من المملكة العربية السعودية

اختنا الكريمة شمس
أولا شكرا لك على مجامكلتك الرقيقة فجزاك الله خيرا كثيرا .. وأشهد أن ثناءك الجميل أكبر بكثير مما كتبته يداي
ثانيا كثيرا ما يسالني الأصدقاء ، لماذا لا أرد على التلعيقات بالمدونة ؟
والحقيقة أنني أعجز أمام بعض التعليقات خاصة من تلك النوع الذي تتحفينا به فجزاك الله خيرا مرة أخرى ..
ثالثا : فعلا كل هذه الأناشيد ملحنة .. وهي بالمناسبة تحكي قصة حياة على مدى ربع قرن على هامش المعاناة الفلسطينية والعربية والإسلامية ..
كنت وأنا أكتب أستعيدها من لحظات الغروب ..
فما يكبلني عجز بعد فقد حبيبة ، وإنما يكبلنا أننا كلنا أسرى في دنيا تحتاج إلى إعادة بناء من أسفل القواعد .. لم تعد تجدي معها الشعارات العنترية ، ولا المظاهرات الحناجرية .. ثم .. ثم لا شيء ..
بعضهم ظن - ومعه كل الحق - أنني قدت مظاهرة من خلال السطور آنفة الذكر باعتبارها استعراض للمظاهرات في عالمنا على مدى ربع قرن ..
والبعض ظن أنني تعبت من متابعة القضية
وآخرون ظنوا أنني ألتمس الأعذر للذين يقولون لقد قدمنا من أجل فلسطين كثيرا ، وآن لنا أن نسترح قليلا ..
ولم أكن أقصد بما بحت به أمر من هذه الأمور
كل ما أردت أن أقوله أن البناء يجب أن يعاد من أسفل الهرم ، لأن الفساد يعشعش فينا نحن ، وحين يكون الأساس خرب ، فلن يصلحه روعة الأثاث ..
دمت لنا اختا كريمة ووفقك الله تعالى لكل خير
من المملكة العربية السعودية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حقيقة شدنتي طريقة استعراضك للأحداث سريعا..وكأنني اشاهد فلما سنمائيا
أحسست بشوق روحك لروح الحبيبة..وبتوهانك من بعدها...
رحمها الله رحمة واسعة...
دائما أسمع أن الشعور بالإشتياق رائع..رغم مايصاحبه من ألم وحنين...الله المستعان
يبدو أنك واجهت صعوبات من أجل خروج الرواية وحتى بعد صدورها...أسأل الله لك التوفيق والسداد...
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من مصر
إن من البيان لسحرا .
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .