إن الطرح الصريح الذي يعلنه الأستاذ جمعة أمين بوضوح شديد ينسف أي فكرة أو توجه نحو إنشاء حزب إخواني مدني يعمل من خلال مواد الدستور المصري .. لأنه قام ببساطة شديدة بالمقارنة بين جماعة إسلامية وبين حزب سياسي مدني ، وهو ما يقودنا مباشرة إلى دعوتنا للجماعة بالتأني قبل الإعلان عن تشكيل حزب سياسي لها ، لأن هناك قضايا جوهرية يصعب الاتفاق عليها بين هذه الرؤى المتعارضة ، كما أن طبيعة الحزب السياسي لابد وأن تختلف عن طبيعة الجماعة الإسلامية التي شكلت فكر ورؤية القيادة الإخوانية عقودا طويلة ، وثمة قضايا خطيرة من أمثال : 1 - الموائمة بين حسم القضايا المرجعية والقوانين والمناخ السائد في مصر ، والذي يتجه بعد تعديل الدستور إلى علمنة المجتمع ، فإن كان قد حافظ على أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع ، فإنه ناقض ذلك بمادة المواطنة ، والتي لا اعتراض لي عليها من حيث المبدأ ، وإنما من حيث الصياغة والضمانات ، فلربما أتاحت حقوق المواطنة للفرد أن يتقلب بين الأديان المختلفة ، فيغير دينه طالما لم يغير وطنيته وجنسيته ، أو أن يطالب غير المسلم بحقه في الزواج من المسلمة باعتباره مواطنا مصريا متساويا في الحقوق والواجبات ، المواطنة مبدأ لا خلاف عليه كان يحتاج إلى بعض الضوابط والتفصيلات في الحالات التي تتقاطع مع الشرائع واحترام الخصوصية الدينية ..كما كان التناقض الأكبر في مواد الدستور ، في منع قيام حزب سياسي ذو مرجعية دينية ، فكيف تكون مرجعية الدولة نفسها إسلامية بينما يحظر قيام الأحزاب السياسية فيها في إطار نفس مرجعيتها ؟ وما صاحب ذلك من حظر الشعارات الإسلامية في انتخابات مجلس الشورى ، في بلد لا يمنع الحجاب في المدارس والجامعات لكنه لا يسمح حتى الآن بظهور مذيعة واحدة محجبة في تلفزيونه الرسمي بقنواته المتعددة ، ولا دخل قصره الجمهوري حتى تاريخه سيدة محجبة ! فخطر العلمنة قادم ما لم يتم مواجهته بالطريقة المناسبة .. 2 - قضية المرجعية الإسلامية لحزب مدني سياسي ، وكيفية إدارة العلاقة بين الشرعيين والسياسيين ، وهل تعتمد مبدأ ولاية الفقيه ؟ أم تستحدث نظرية توائم بين المرجعية الإسلامية ، وقيادة الساسة ، في ضوء الثوابت والمتغيرات في التشريع الإسلامي ؟ 3 - القضايا المتعلقة بالمرأة والأقباط ، وقضايا المرأة الشائكة ليست فقط ، في الولاية العامة ومسائل السياسة ، ولكن تتخطاها أيضا إلى ممارسة الفنون ، وغيرها من العلاقات الاجتماعية المتشابكة 4 - حسم قضية الدعوي والسياسي ، فهل تظل الجماعة تقوم بدورها المزدوج في حالة وجود الحزب ، أم يتكفل الحزب بأداء الواجب السياسي ، وتتفرغ الجماعة للعمل الدعوي والاجتماعي والخيري ؟ 5 - هل يناسب الحزب المفتوح جماعة بتراث جماعة الإخوان المسلمين تفرض قيودا موضوعية وخطوات مرحلية لقبول العضوية ، والتي تتضمن شروطا ومواصفات خلقية ودينية وفكرية لانضمام المدعو إليها ؟ 6 – كما أن من أهم معوقات تحقيق التوافق بين القواعد ، وجناح من القيادة من أمثال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ، هو المحتوى الثقافي نفسه الذي يتعاطاه الإخوان في أسرهم التربوية المعتمد في مجمله على الكتب التراثية ، فكيف ينفتح الصف انفتاحا حقيقيا مؤصلا تأصيلا فقهيا وعميقا عمقا فكريا ، لا يعتمد على سياسة تبرير المواقف للقادة تجاه قضايا مثل المرأة والأقباط والديمقراطية وأن الأمة مصدر السلطات ، وقبول الآخر ، واحترام الحوار والاختلاف ، وهو مازال يدرس كتب الفقه نفسها ، ويعتمد في ثقافته على تراث الأستاذ سيد قطب وتلامذته من أصحاب منهج المفاصلة والتميز ، إن النقلة النوعية في آراء وأطروحات قادة الجماعة لابد أن يواكبها نقلة نوعية مماثلة في المحتويات الثقافية للمنهج التربوي واعتماد كتب مثل ( فتاوى معاصرة ) للدكتور القرضاوي كمرجعية فقهية ، بالإضافة إلى مؤلفات الشيخ الغزالي وأبو شقة وغيرهم في قضايا المرأة ، وطرح قضايا المواطنة وما يتعلق بها من حقوق وواجبات مع تأصيلها التأصيل الشرعي المناسب لها .. إن إعلان حزب سياسي إخواني حقيقي لابد أن يتأخر إلى أن يتم تعديل هذه المحتويات الثقافية للمنهاج التربوية ثم جني ثمارها الفكرية والفقهية في قواعد الجماعة ليتم ترجمتها بعد ذلك في برنامج حزبي متين وقادر على إحداث التغيير الحقيقي .. يلخص مسفر القحطاني في مقاله ( الحكومات والحركات الإسلامية ما بعد القطيعة ) إسلام أون لاين 15/8/2007م ، بعض إشكاليات الإسلاميين على هذا النحو : " أما الإشكالية الأخرى فتكمن في تعاطي بعض الإسلاميين للعمل السياسي من خلال مظاهر عدة: كازدواجية الخطاب الجماهيري التعبوي مع الخطاب السياسي المصلحي، والمثالية المفرطة في غايات الدولة الإسلامية، مقابل تناسي الواقع الراهن والأنظمة الأممية والأحلاف الدولية وسيادة القطب الأوحد في العالم، كما تظهر إفرازات هذه الإشكالية في تداخل الديني والعقدي أثناء الموالاة أو المعادة؛ ففي حين تخرج فتوى التكفير للاشتراكية والعلمانية تظهر تحالفات قوية معهم أثناء الانتخابات، أو داخل البرلمانات دون تأصيلٍ شرعي وفقهٍ واقعي يوضح هذا التغاير في المواقف والقرارات، فهذه الإشكاليات وغيرها قد تظهر في الممارسة، وقد تكون في أساس التنظير والبناء الفكري لدى قطاعات واسعة من الإسلاميين، وهي تحتاج إلى مراجعة وتقويم في عدة مناحٍ، منها: تقويم التراث الإسلامي السياسي، وعدم إسقاطه بالنص على واقع مختلف كلياً عنه، وفي تجربة شيخ الإسلام ابن تيمية قبل ثمانية قرون في نقد شروط الإمامة وواجبات الولاية خطوة من الريادة والإبداع يجب أن تستمر وتُستحضر خلالها ثوابت السياسة الشرعية لا متغيراتها التي أملتها الظروف الزمانية والمكانية والحالية في وقت مضى. كما أن تقسيم المجتمع إلى فئات متباينة في الدين والانتماء، والنظر إلى المخالفين سياسياً كأنهم خارج إطار الدين والعقيدة، كلها مفاهيم تحتاج إلى تمييز وتقويم وورع وإخلاص " حزب للمحافظين هو الحل من كل ما تقدم أخلص إلى الدعوة التي وجهها الدكتور العريان ذات مرة عبر موقع إسلام أون لاين مطالبا بإنشاء حزب للمحافظين بمصر ، وهو نفس المضمون الذي وجهه من خلال تعقيبه على الانتخابات التركية ، إذ اعتبر من أهم الدروس المستفادة : " كيفية بناء حزب وطني مفتوح للجميع، يشعر كل المنتسبين إليه بأنهم على قدم المساواة، ويشاركون في القرارات المهمة والخطيرة، خاصة مع تعثر تجربة الأحزاب الإسلامية في كل من الأردن واليمن والجزائر، وبقائها مغلقة على الإسلاميين فقط وحلفائهم." وما نادى به عقب الانتخابات البرلمانية في مصر قائلا : "نحن نريد أن نعمل مع الآخرين من كل التيارات والاتجاهات، من أجل دفع عجلة التغيير والإصلاح بسرعة أكبر؛ لأن الوضع لا يحتمل التأخير وأحب أن أؤكد أننا مع العمل الجبهوي الائتلافي، ولن نكون أبدا سببا في انهياره أو إفشاله" تلك الدعوة التي تلتقي مع رؤية الدكتور حشمت حول إنشاء حزب وطني في أجندته وأولوياته ، وهذا كله يتفق مع ما صرح به الدكتور حبيب عن برنامج الحزب ، واستطلاع آراء المصلحين المستقلين حوله : " أننا الآن نراجعه مراجعة شبه نهائية، ثم سنتخير مجموعة من النخبة من أهل الثقافة والفكر والاختصاص، والذين لهم باع في دراسة البرامج؛ ليطلعوا عليه، ويصبح مادة للحوار والمناقشة، ثم بعد ذلك يعاد لينظر في الصياغة النهائية من الإخوان، لكي يطرح بعدها على الرأي العام إننا بالتأكيد لابد أن نستفيد من خبرات وتجارب وآراء الآخرين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الجماعة منفتحة على الآخر، وحريصة على الاستماع إلى وجهات النظر المتعددة، والتي سوف تثري وتنضج الأفكار والتصورات والرؤى الموجودة." فإن مبدأ التنسيق والتعاون واستثمار الجهود والانفتاح مطلوب ومعمول به ، ويشكل رؤية الجميع في القيادة الاخوانية ، فإن بلورة ذلك إلى إنشاء حزب للمحافظين أو الإصلاحيين يمثل حلقة وسط بين الأحزاب الديكورية القائمة ، وحزب خاص للإخوان المسلمين ، فهو الحزب الإصلاحي الذي يمكن أن يمثل الخطوة الأهم نحو التدرج بالمجتمع نحو القيم الإسلامية في التطبيق والممارسة ، وكذلك التدرج في اختبار مدى نجاح وفاعلية التصورات الإخوانية والإصلاحية للحل الإسلامي .. مزايا ومبررات إنشاء حزب للمحافظين أو الإصلاحيين في ضوء أجندة إنقاذ وطنية جامعة : 1 – يحقق أكبر قدر من الالتفاف حوله ، واتساع دائرته 2 - يمثل اجتهادا في الرؤى والأطروحات يقبل الصواب والخطأ والتصويب والمراجعة ، بحيث لا يكون محسوبا على جماعة بعينها ، ولا ترتبط الاجتهادات الصادرة عن مؤسسيه وقيادته في الذهنية الشعبية بجماعة الإخوان وبالتالي بالحل الإسلامي ذاته . 3 – يبقى المرجعية الإسلامية لا تمس ، بحيث يكون معلوما أن ما يصدر من رؤى عن هذا الحزب هو اجتهادات قابلة للمراجعة والتعديل والتطوير . 4 – يمثل الحزب مرحلة تدريجية للتعاطي مع السياسة وفق مرجعية إسلامية ، يمكنه من خلاله الموائمة السياسية المناسبة مع الظروف والمتغيرات . 5 – استيعاب أكبر قدر ممكن من المفكرين والعلماء ومشروعاتهم الإصلاحية في شتى المجالات وعلى كافة الأصعدة ، في شكل اندماج وطني لا مزايدة عليه للاستفادة بعطائهم الإصلاحي .. 6 – يمكن من خلال برنامج هذا الحزب تقديم حلولا وسطا للقضايا المفصلية دون أن يعد ذلك تنازلا نهائيا أو تراجعا في قضايا ما محسوبا على الجماعة . هذا دون الدخول في تفاصيل الحصول على تصريح الحزب من عدمه ، لتساوي ذلك في حالة حزب خاص للإخوان ، مع حزب وطني إصلاحي ، فليست المعضلة في أن يظل الحزب تحت التأسيس ، أو تعترف به الدولة ، أو أن يعلن من طرف واحد ليظل حزبا محظورا نشاطه ، تعترف به كل القوى الوطنية والدولية ، لكنه في كل الأحوال سيكون ركيزة تحرك سياسي إصلاحي شامل وفاعل وضاغط . فهل يتبنى الإخوان هذا الطرح ليكون التجربة الأكثر اتساقا وتوافقا مع الضرورات الثلاث الداخلية ، والإقليمية ، والعالمية في الوقت الراهن ؟
.
.
الخميس, 23 اغسطس, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








