القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

حزب للمحافظين هو الحل 2 - 3

ثم أكد الدكتور عصام العريان  من خلال قراءته لنتائج الانتخابات التركية على رؤيته للعمل السياسي الإسلامي معبرا في الوقت نفسه عن نوع من أنواع المراجعة الذاتية للأداء السياسي للإسلاميين في بعض الأقطار العربية ، من خلال مقال ( الإسلام والتجربة التركية ) مجلة المجتمع بتاريخ 4/8/2007م ، ومقاله في المصريين بتاريخ 29/7/2007م بعنوان : هل يمكن أن يحدث في العالم العربي ما حدث في تركيا ؟

" لقد أعاد نجاح الإسلاميين الأتراك وزملائهم المغاربة.. الاعتبار إلى المشروع السياسي الإسلامي وقدرته على التكيف والاندماج. ومن المهم أن قادة المشروعين في العقدين الخامس والرابع من العمر، وكلاهما ينتمي بدرجة أو أخرى إلى المدرسة الإسلامية الإصلاحية التجديدية "الإخوان المسلمين" وإن لم ينتسب كلاهما إلى "التنظيم الإخواني".
دروس التجربة التركية في الحكم وقيادة البلاد وإدارة دفة الملفات المعقدة في بلد مثل تركيا، ثرية ومتنوعة. وعلى الإسلاميين أن يوجهوا بعض دارسيهم وكوادرهم للزيارة والإقامة في تركيا، للتعرف عن قرب على تلك التجربة التي تستحق الدراسة، مع الأخذ في الاعتبار تميز كل بلد وخصوصيته في كل مجتمع، والفروق البيئية بين الأقطار، مع الاشتراك في العقيدة والحضارة والتراث الإسلامي.

1-   كيفية بناء حزب وطني مفتوح للجميع، يشعر كل المنتسبين إليه بأنهم على قدم المساواة، ويشاركون في القرارات المهمة والخطيرة، خاصة مع تعثر تجربة الأحزاب الإسلامية في كل من الأردن واليمن والجزائر، وبقائها مغلقة على الإسلاميين فقط وحلفائهم.

2-   إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة كالجيش ومجلس الأمن القومي والرئاسة وبقية الأحزاب العلمانية؛ للوصول إلى توافق وطني عام أو الاختلاف في إطار الدستور والقانون، مع الاحتكام للشعب.

3-   النجاح الاقتصادي الباهر الذي كان أحد أهم عوامل النجاحات الانتخابية، وكيفية إدارة اقتصاد حر وتحقيق معدلات نمو متسارعة، وخفض العجز والتضخم، مع ازدهار للبورصة وكافة المؤشرات الاقتصادية، مما جعل أوروبا والمؤسسات العالمية تشهد للحزب الإسلامي بالنجاح، وكان أهم عوامله حرباً معلنة على مافيا الفساد.
ومن المعلوم أن النجاح الاقتصادي له مردود خارجي قد يكون أهم من المردود الداخلي، فهو يشجع على البقاء في البلاد وعدم الهجرة إلى الخارج، وفي الوقت نفسه يساعد على حسم إلحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي، حيث تقل نسبة المساعدات التي يقدمها الاتحاد إلى الدول حديثة العهد به.

4-   العلاقة مع أوروبا وأمريكا، تلك العلاقة التي تشكل عقبة كأداء في وجه الإسلاميين، حيث هناك "فيتو" كبير وضخم على مجرد إدماجهم، خشية نجاحهم المستحق في أي انتخابات حرة ونزيهة، مما يعني وصولهم إلى الحكم.

5-   العمل في ظل ظروف بالغة القسوة مع عدم الرضا بالواقع المر أملا في تغييره مع التدرج في ذلك والنفس الطويل
وهنا تثور الأسئلة التي تتراوح من إشكالية العلاقة مع "العدو الصهيوني" وتنتهي إلى صلب المشكلة وهي "الالتزام بالعقيدة والشريعة الإسلامية". فهل قدم أتراك "العدالة والتنمية" تنازلات خطيرة في هذا الصدد؟ أم أن ظروف تركيا لا تجعل هذه الأسئلة مطروحة، فهي من قبيل تحصيل الحاصل:
فالعلاقة مع "إسرائيل" غير مطروحة، فهي موجودة من ذي قبل وقد يبرر الحزب تلك العلاقة بأن ذلك يعطيه فرصة للتفاوض والتوسط لحل المشكلة الفلسطينية، وهذه قراءة أخرى لبيان الترحيب الصادر عن "حماس" في فلسطين، فلعلهم يراهنون على وساطته في الصراع مع العدو.
وأيضاً "تطبيق الشريعة الإسلامية" غير مطروح من الأساس في بلد كتركيا يجاهد الإسلاميون فيها منذ عقود لمجرد السماح بالحجاب الإسلامي للنساء، ولرفع الحظر المفروض على المحجبات في الدراسة والعمل والعلاج .. إلخ، مما دفع أردوغان نفسه لإرسال بنتيه المحجبتين للدراسة في أمريكا، وإصداره تعليمات للوزراء بالحضور إلى قصر الرئاسة بدون زوجاتهم المحجبات في المناسبات الرسمية.
ولعل "أردوغان" يراهن على حل تلك المشاكل وفق جدول زمني طويل نسبياً، ساعياً إلى تراكم التأييد الشعبي ووصول رئيس جديد يسمح للمحجبات بالدخول إلى قصر الرئاسة، حتى ولو كانت زوجته غير محجبة ."

وبينما أشعر من خلال قراءة الدكتور العريان للوضع في تركيا ثنائه ، أو على الأقل تفهمه وقبوله لموقف حزب العدالة والتنمية من قضايا أساسية ، مثل العلاقة مع الدولة الصهيونية ، نجد الدكتور حبيب يصرح في حواره الشامل مع إسلام أون لاين ( الخميس 16/8/2007 م ) الذي تصدرته العناوين :

" لا للاعتراف بإسرائيل، لا للاتفاقيات الدولية الجائرة، لا لرئاسة الدولة للأقباط والمرأة.

تلك هي اللاءات الثلاثة لبرنامج حزب الإخوان المزمع الإعلان عنه، والتي أكد عليها الدكتور محمد حبيب، النائب الأول لمرشد جماعة الإخوان المسلمين، في حواره مع إسلام أون لاين.

حبيب قال: "إن الاعتراف بالكيان الصهيوني يمثل خطا أحمر لا يجوز الاقتراب منه"، مؤكدا على أن الإخوان يقولون بمنتهى الصراحة: "نحن لن نعترف بإسرائيل، فهو كيان مغتصب لأرض العروبة والإسلام .. "

 

ألا يمكننا القول قياسا على قراءة الدكتور العريان أن اعتراف أي حكومة في مصر بالدولة الصهيونية من قبيل تحصيل الحاصل ، حيث أنها أيضا لن تكون قد استحدثت جديدا ، وإنما تتعامل مع موقف اتخذه نظام سابق ؟

" فالعلاقة مع "إسرائيل" غير مطروحة، فهي موجودة من ذي قبل وقد يبرر الحزب تلك العلاقة بأن ذلك يعطيه فرصة للتفاوض والتوسط لحل المشكلة الفلسطينية، وهذه قراءة أخرى لبيان الترحيب الصادر عن "حماس" في فلسطين"  ، ألا ينطبق هذا القول للدكتور العريان ، على الوضع في مصر ، التي تربطها اتفاقية كامب ديفيد أقدم الاتفاقيات العربية مع الصهاينة ، والذين تحتل سفارتهم موقعا مميزا ما في قلب القاهرة ؟

أما الموقف من تنامي نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا والذي أعتبره مقياسا لاختلاف وجهات النظر بخصوص البرنامج السياسي الحزبي الذي يمكن أن يتبناه الإخوان ، فبينما عرضت لرؤية الدكتور العريان له ، فأعرض كذلك لرؤى مخالفة يمثلها الدكتور حبيب النائب الأول لمرشد الجماعة ، ورؤية الأستاذ جمعة أمين عضو مكتب الإرشاد ، مفضلا عدم أخذ الآراء الأكثر عنفا وهجوما والتي مثلها مقال المهندس علي عبد الفتاح في ( جريدة المصريين 30/7/2007م) الذي قارن فيه بين حماس والعدالة والتنمية واصفا المقارنة بينهما بالمقارنة بين الأحرار والعبيد ..

أما الدكتور حبيب فيقول عن التجربة التركية في حواره الشامل مع إسلام أون لاين :

"  أولاً، البيئة الاجتماعية، والواقع الاجتماعي، والسياق الموجود في تركيا مخالف للبيئة الاجتماعية والواقع والسياق الموجود على مستوى الدول العربية، هناك ديمقراطية، هناك حرية، لا يوجد تزوير لإرادة الشعب، توجد حرية تشكيل الأحزاب، وإذا كان هناك من يستعمل الفيتو ضد الإسلام، فهنا من يستعمل الفيتو ضد الإسلام وغير الإسلام. 

البيئة مختلفة، وعملية استنساخ أو استنبات التجربة غير وارد، لكن نحن نهنئ الشعب التركي بهذه الديمقراطية، وأقول: إن هذا الفوز يعبر أيضا عن الهوية الإسلامية الموجودة لدى الشعب التركي.

لا شك أن الحزب (العدالة والتنمية التركي) قدم رؤية اقتصادية عالية المستوى، قدم رؤية متميزة في عالم الإدارة، لكن كما قلنا إنه في ظل ظروف وفي ظل مناخ وفي ظل أوضاع يختلف معنا فيها، يعني مسألة العلمانية، مسألة التعامل مع الكيان الصهيوني، كل هذه أمور بالنسبة للإخوان خط أحمر.

أنا قلت إن هناك اختلافا بين البيئتين وبين النظامين، فهنا لا تستطيع الأنظمة أن تعمل بدون تزوير، هنا قمع، هنا استبداد، هنا دكتاتورية لكن دين الدولة هو الإسلام، لا يستطيع أحد أن يجهر بعلمانيته، ولا يمكن أن يظهر قانون من المجلس (البرلمان المصري) لا يتفق ولا يتناسب مع الشريعة الإسلامية، فالقضية هنا مختلفة عن القضية هناك. "

أما الأستاذ جمعة أمين عضو مكتب إرشاد الجماعة فيعقب على التجربة التركية بعد أن أعلن عن فرحه بهذا الفوز الكبير قائلا :

" إن الذي حدث في تركيا لا بد أن يكون واضحًا لدينا؛ حتى لا تتداخل الغايات بالوسائل،والأهداف البعيدة بالقريبة، وحتى لا تقول: ليتنا نسلك نفس المسلك كي نحقق ماحققوه..!! أقول: الذي حدث في تركيا هو وصول لسدَّة الحكم والسلطة، وهذا ما كانوايسعَون إليه بكل وسيلة، وهم لا ينكرون ذلك كهدف لهم يُرتجَى ويَسعَون إليه بكلجهدهم ووسائلهم المشروعة، وفي سبيل ذلك كان كل همِّهم التجمُّع لا الجماعة التي لهاتوجُّهاتُها ومنهجُها وأهدافُها ووسائلُها، بل وغاياتُها وخطتُها ومنهجُها النبويفي التغيير.

تعتبر تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا إحدى تجارب الإسلام السياسي في تاريخالأمة العربية والإسلامية الحديث والمعاصر، إلا أن هذه التجربة غير قابلة للتطبيقفي حالة الإخوان المسلمين في مصر لعدد من الأسباب التي من أهمها:

أولاً: التزام أردوغان بقواعد العملية السياسية التركية وبأحكام الدستور، حتى وصلت بهالمواءمة السياسية إلى الإعلان علنًا أنه ملتزمٌ ليس فحسب بالطبيعة المدنية في إطارمرجعيته السياسية، بل قال إنه ملتزمٌ بهويَّة تركيا العلمانية، لدرجة السكوت علىالثورة التي حدثت من العلمانيين؛ بسبب حجاب زوجة وزير الخارجية عبد الله جول عندترشيحه لمنصب الرئيس؛ حيث قال قائلهم "إنه ليس من الممكن أن تكون السيدة الأولى فىتركيا محجبة"!! وقالوا: "إن دخول زوجة جول المحجبة- السيدة خير- إلى قصر الرئاسةالتركي الذي أسَّسه أبو العلمانية التركية أتاتورك أمرٌ يخالف كافةَ القيمالعلمانية التركية ويخالف الدستور"!!
ومما زاد الطين بلَّةً أنَّأوردغان نفسه لم يستطع إتمام تعليم ابنته المحجَّبة في تركيا، بسبب منع الحجاب فيالجامعات التركية فأرسلها إلى الولايات المتحدة لاستكمالتعليمها.
هذه هي العلمانية التي قال عنها أردوغان إننا لن نحيد عنهاولن نغيِّر فيها أيَّ شيء، بل ما جئنا إلا للمحافظة عليها، وهذا هو خيار حزبالعدالة والتنمية، وهذا خيارٌ لا يمكن للإخوان في مصر أن يتبنَّوه على أي شكل منالأشكال؛ لأن الإخوان مع التزامهم بالدستور المصري؛ لأنه يقول إن الدين الرسميللدولة هو الإسلام، وإن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لا يمكن لهمقبول كامل قواعد اللعبة السياسية التي وضعها النظام المصري الحاكم منذ خمسة عقود،سواءٌ على مستوى المبادئ الحاكمة، أو الممارسة السياسية، من قبول لمؤسسات شكلية،وفساد سياسي واقتصادي وإداري واجتماعي موجود، وإلا فقَدَ الإخوان مصداقيةَ مايطرحونه من برامج وأهداف، وبالتالي سوف يفقدون أهم عناصر قوة الجماعة وهو عنصرالشرعية الجماهيرية، وتأييد الشارع المصري والعربي والإسلامي لهم، والذي قبِلَهموأيَّدَهم بسبب أجندتهم هذه

ثانيًا: أن التيار الإصلاحي (تيار الإخوان) بأجندته يرمي إلى إحياء تجربة الأمةالإسلامية الواحدة، وإعادة الواجهة الحضارية القديمة لها، واستعادة دورها الرياديالعالمي في كل المجالات، وهذا لا ينادي به أردوغان، فتياره يعمل داخل حدوده فحسب،ولا يطرح أجنداتٍ إسلاميةً ذات طابع عالمي، وهو الأمر الذي لا يقلق الغرب الأمريكيوالأوروبي بل والصهيونية العالمية، بعكس التيار الإخواني ذي الأجندة التي تتجاوزحدود قطره، ويمثِّل خطرًا على المشروع الأمريكي الصهيوني العالمي، لأجندته ومشروعهالإسلامي المتكامل، والذي يشمل العالم الإسلامي بأسره، والذي ينادي به الإخوان، وهوأحد أهدافهم الكبرى لاستعادة الخلافة الإسلامية وليس الاستعداد لتغييره لأنه مبدأثابت عندهم.
ثالثًا: إن للإخوان ثوابت لا تحيد عنها ولا تتغير،كقضية الاعتراف بـ"إسرائيل" وبيت المقدس وغيرها من القضايا المهمة والتي هي على غيرالمواءمة السياسية لحزب العدالة والتنمية، فما زالت تركيا عضوًا في حلف شمالالأطلنطي (الناتو) الذي يضرب المسلمين في أفغانستان ويحيك المؤامرات في بلادالمسلمين إلى يومنا هذا، ولا تزال تحتفظ بعلاقات مع الكيان الصهيوني والولاياتالمتحدة، ويعلن أردوغان المحافظة على هذه العلاقات.
وهذا هو الفارقالذي جعل الغرب يتقبَّل حزب العدالة والتنمية بينما يرفض حماس في فلسطين، بل بمجردأن يفوز الإخوان بعدد من المقاعد في مجلس الشعب يعلن الحرب عليهم، فما بالكم لو دخلالإخوان المسلمون إلى الحكم وهم عازفون عنه..؟! لا بد أن يظهر العَدَاء الغربيالصريح ويعمل أصحاب المشروع الغربي الصهيوني جاهدين لإسقاط تجربتهم في الحكم إن حدثذلك".

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.