نبض الشعوب ومباريات الكرة ربما قديما كنت من الذين يسخرون من انطلاق الاحتفالات الشعبية الصاخبة بعد فوز فرق كرة القدم بدورة كروية ما .. حتى أذكر أنني كتبت منذ سنوات طويلة مقالا بعنوان ( بين تنظيم الكرة ، وتنظيم القدس ) تساءلت فيه عن ظاهرة التداعي التلقائي الذي يعم عموم الشعب خاصة فئة الشباب عقب الفوز بتلك المباريات ، ذلك التداعي الذي يبدو أنه يحدث بعفوية شديدة ودون إعداد مسبق يتم بشكل علني واضح ، ولا يقف وراءه تنظيم معين يعلن مسؤوليته عنه .. فيما تعجز كل التنظيمات السياسية والاجتماعية عن حشد شعبي مماثل في حالة حدوث مصاب جلل يضرب الأمة الإسلامية مثلا ، رغم وقوف تنظيمات مفترض فيها غاية الدقة والتنظيم خلف تلك الدعوات ، إلا أن الاستجابة تظل محدودة مقارنة بالاحتفالات العفوية التلقائية التي تعقب مباريات الكرة .. ربما قديما كنت هكذا أفكر ، لكنني اليوم أرى الجزء الإيجابي من الظاهرة .. خاصة مع الإيمان بأن الرياضة قيمة حقيقية كبرى في حياة الأفراد والشعوب ، وأن قطاع البطولة في الرياضة تحتكره في العالم الدول الأكثر رقيا وتقدما ، بحيث تكون الرياضة مرآة حقيقية تكاد تكون معبرة تماما عن مستوى تقدم المجتمعات .. والمتابع لعالم كرة القدم يلحظ سيطرة أغلب الدول الثمانية الصناعية الكبرى على عرش اللعبة ، فيما تأتي البرازيل والأرجنتين كإحدى طفرات هذه الظاهرة ، وتسعى الولايات المتحدة وكذا كوريا واليابان للدخول بقوة وإصرار في حلبة السباق .. وهذا يؤكد أن الفاشل يظل فاشلا على صعيد الرياضة كما على صعيد السياسة والاقتصاد والتسليح وعلى مختلف الأصعدة .. والحال كذلك كان لابد أن نرصد مظاهر تلك الاحتفالات عفويتها وتكرارها وانتشارها .. أتعرض في هذه السطور إلى ثلاث لقطات فقط على مدار العامين الأخيرين .. اللقطة الأولى ( كروكونايل 2006 ) أو كأس الأمم الأفريقية بالقاهرة ، تلك التي جمعت الشعب المصري وأنسته آلامه وجراحه وأحزانه على مدار أسبوعين كاملين ، حتى كارثة العبارة السلام الغارقة في رحلة عودتها من السعودية أثناء إقامة مباريات البطولة .. هذا الالتفاف الشعبي غير العادي الذي وصفه المحللون بأنه لم يحدث منذ حرب العاشر من رمضان فيما عزوه إلى حاجة الناس إلى مشروع ، إلى أي مشروع وطني يلتفون حوله !! اللقطة الثانية كانت عشية الانتخابات البرلمانية الجزائرية التي تتشكل في ضوء نتائجها الحكومة التي تحكم الجزائر لعدة سنوات مقبلة ، تلك الانتخابات التي تزامنت مع فوز الفريق الجزائري بالبطولة العربية للأندية الأبطال ، ورصد موقع إسلام أون لاين احتفالات الشارع الجزائري بهذا الفوز الكروي والسهر حتى الصباح وقد ولت الجماهير ظهورها شطر الانتخابات البرلمانية ، والسياسة والأحزاب السياسية .. اللقطة الثالثة في المباراة النهائية على كأس آسيا 2007 بجاكرتا ( اندونيسيا ) ، والتي جمعت بين منتخبين عربيين خليجيين السعودية والعراق .. إن تعاطف الجماهير الاندونيسية الواضح مع المنتخب العراقي ، وتصاعد آهاتها وتشجيعها مع كل محاولة عراقية ، وكأن المباراة تقام في بغداد ! يعكس النبض الحقيقي للشعوب ، فلم يكن هذا التعاطف التلقائي العفوي ، والذي عبر عنه إعلاميون كثيرون في مختلف الفضائيات العربية ، فيه شبهة تحيز أو تجني ضد المنتخب السعودي ، بل كان تعبيرا عن نبض الشارع العربي والإسلامي مع العراق المحتلة .. كان حشدا تلقائيا ضد الاحتلال الأمريكي للعراق .. حتى أن الفضائيات رصدت الاحتفالات التي انطلقت في القاهرة ابتهاجا بفوز العراق ، وقد شاركت فيها الجماهير السعودية التي تزور مصر ، تعبيرا عن تضامنها مع الفرحة العراقية .. هذه اللقطات الثلاث العشوائية تماما ، والمتكررة بصور مختلفة ومتفاوتة من مجتمع لآخر تبرز مجموعة من الحقائق : 1 – تغلغل الانتماء الوطني في نفوس الشباب والناشئة ، رغم الشعور العام بعكس ذلك ورصد مظاهر كثيرة تدل على التغريب والتأثر بنفايات الحضارة الغربية .. 2 – حاجة الشعوب والشباب خاصة إلى مشروعات وطنية عامة تكون محل اتفاق الجميع بعيدا عن تجادلات السياسة ، وتجاذبات الأيديولوجيات المختلفة ، مشروع وطني يستطيع توحيد الشعب وتحقيق الالتفاف العام حوله .. 3 – أثر الإعلام في تضخيم ودعم مثل هذه الظواهر ، فلولا الأهمية القصوى التي يوليها الإعلام لمثل هذه الاستحقاقات الرياضية ، ما كانت لتحتل هذا التدافع العفوي في وجدان الشعوب ، فلو احتشد الإعلام خلف مشروع وطني موحد فإنه قادر على حشد الجماهير بنفس القوة حوله .. 4 - قياس نبض الشعوب سواء في دعم الوطنية ، والتعبير عن الانتماء للوطن والعَلَم ، أو التعاطف الشعبي الوجداني مع الشعوب المستضعفة والمحتلة في مواجهة قوى الاستكبار والعدوان .. حيث أوقن أن نهائي الكأس الأسيوية ما كان ليحتل هذه المكانة ، إن لم يكن الفريق العراقي طرفا فيه .. حتى تذكرت وأنا أتابع الاهتمام الإعلامي غير العادي بتلك المباراة قول الإمام أحمد : بيننا وبينكم الجنازات ، فقلت في نفسي هل أصبحت مقولة العصر : بيننا وبينكم المباريات ؟! 5 – قدرة الرياضة على توحيد الشعوب التي فرقتها مؤامرات المحتل ، فلا شك لدي أن ( يونس أحمد ) الذي أحرز هدف الفوز بالمباراة ، امتلك من الإجماع الشعبي عقب المباراة ما لم يتحقق لأي سياسي عراقي ، دون النظر لهويته ومذهبه .. لاشك وإنها إن تك دورة لكرة القدم إلا أنها تظهر النبض الحقيقي للشعوب ، دون الحاجة إلى التعبير الاحتجاجي الصاخب عبر المظاهرات والمسيرات الغاضبة والاصطدام بالأمن .. إنها التعبير التلقائي العفوي المحتشد ضد الاحتلال والقتل العشوائي على الهوية في العراق ، وليست هذه المظاهر بدعا أو وقفا على المجتمعات العربية ، أو تعكس نوعا من الفراغ أو الضياع ، فإنها في النهاية جزء من ظاهرة عالمية ، تنتظم كل شعوب الأرض ، وما الاحتفالات الصاخبة التي أقامها الشعب الفرنسي في أعقاب الحصول على المركز الثاني في كأس العالم 2006 ، والاستقبال الرسمي للمنتخب الفرنسي في قصر الشانزلزيه عنا ببعيد .. علاء سعد حسن كاتب مصري مقيم بالسعودية
.
.
الثلاثاء, 31 يوليو, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








