مراســـم اعتدت عند كل مرة أعود فيها إلى البيت على أن تفتشني.. تفتشني تفتيشا ذاتيا بمنتهى الدقة والمهارة.. تبحث عن سر أخبئه في طوايا النفس. أو همّ أسربه خلف الضلوع.. أو حزن في الحنايا.. تقلّب ملامح وجهي، تطمئن أنني لم أخفِ خلفها شيئا.. تدقق النظر إلى أذناي هل ترتعشان؟.. تفتش كل ذرة من حنايا النفس.. تستعرض كياني كله.. تخرج قلبي على كفها تتفحصه، تقلبه بين كفيها، تطمئن على من يسكن حجراته.. بعد ابتسامة العودة، وقبلة الاستقبال.. تأخذني من كفي تجلسني على أول مقعد.. تزود الأبناء عني، كحارسة أمينة: - يا أولاد اذهبوا الآن.. أبوكم عائد من العمل متعب.. اتركوه يستريح دقائق.. تركع على قدميها تخلع جوربي.. ثم تستطلعني بنظرات حانية، تتطلع إليّ بعينين بنيتين رائعتين وقلقتين.. ملؤهما الشفقة.. تنطقان بكل معنى من معاني السؤال.. تهتفان بي: - ماذا بك يا حبيبي؟ - كيف كان يومك؟ - هل أنت بخير حال؟ أنزل بوجهي إليها أقبل جبينها المرفوعة إلي.. بينما أمد ساقاي أمامي ليستريحا قليلا من عناء الوقوف أغلب ساعات العمل.. تصدر رغما عني آهة مكبوتة.. تغافلني على حين بغتة وأنا أمد ساقاي، تعبر عن ألم في طريقه إلى الزوال.. تفطن هي لها، فتمد كفيها إلى قدمي تدلكها برفق.. أمد كفي إلى ذقنها الحبيب أرفع وجهها من جديد إلي.. تلتقي عيوننا.. في لحظة خاطفة تتبادلان الحديث، تخبران بعضهما بكل ما هو مكنون، وبكل ما قد كان.. تبتسم الشفاه أخيرا، فلقد انتهت مراسم التفتيش الذاتي، ولم تجد سوى ما تجده عقب عودتي في كل مرة.. لم تجد سوى صورتها مطبوعة خلف الضلوع، ومجسم لها يحتل كل غرف القلب.. تستدرك وهي تشعر أنها قد تأخرت عن شيء فتهب مسرعة.. تجري كطفلة، تخطف كوب الماء من كف الصغيرة، متوسلة إليها برقة، وفي نظرتها كل معاني الحزم: - أنا الذي سأعطي كوب الماء لبابا.. جزاك الله خيرا، أنت أعددته، وأنا سأناوله إياه.. - حبي هل أعد لك الطعام الآن، أم تريد أن تستريح قليلا؟ تنظر إلي، تشعر أنها نسيت أمرا.. تتقدم مني من جديد، تفتح أزرار القميص، وتساعدني على خلعه.. طفل أنا في حماها.. تدللني بكل وسائل التدليل الممكنة.. أشير إليها بيدي: - أنا جائع.. تتسابق إلى المطبخ، تتركني لتحقيق رغبتي في إكمال خلع ملابسي بنفسي ووضعها على المشجب.. صغيراتها ورثن عنها الكثير.. ينتظرن حتى تغيب في المطبخ، تسألني إحداهما برقة: - هل تريد كوبا آخر من الماء يا بابا؟ وتقف الأخرى على أعتاب الحمام حاملة ( حذاء الحمام ) مستعدة أن تضعه تحت قدمي.. أطبع على جبين كل واحدة منهن قبلة.. ثم أتسلل إلى المطبخ بخفة.. أطوقها من الخلف، وأنا أعرف أي مكافأة أكافأها بها، رغم تمنعها وتململها، وهي تحاول التملص من بين ذراعي.. - الطعام على النار.. سوف يحترق .. سوف أحترق أنا الأخرى.. في محاولتها التخلص من ذراعيي تدير لي وجهها فألثم خدها الحبيب.. تترجاني أتركها تعد الطعام لحبيبها لأنه جائع.. اتركها أخيرا من أجل حبيبها الجائع..
أضف تعليقا
من المملكة العربية السعودية

أخي حسام
شرفني قراءتك لي
وربنا يرزقك بالزوجة الصالحة
فاظفر بذات الدين تربت يداك
من مصر

هذا يا صديقى مما يعجز الفكر... ويحير القلم... ويشتت الحروف...
ماتكتبه ياسيدى عنها هو أبلغ من أى خطبة أو درس للنساء....
أود فقط أن تكون هذه دروس عملية للنساء... وأن تعلم كل امرأة أن دورها الحقيقى فى الحياة اختصره النبى صلى الله عليه وسلم حين قال للمرأة عن زوجها هو جنتك أو نارك... فالزوج مقدم على أى شيئ هو دورها الحقيقى فى الحياة وهو دور مقدم على مايمكن أن تتصور أنه مقدم عليه... ولا يفضل عليه شيئ وبدون قيد ولاشرط...
حضرت يوما جنازة امرأة لرجل من الرعيل الأول للحركة الإسلامية وصاحب الأستاذ البنا... وكان فى طليعة المجاهدين فى فلسطين... وقضى فى السجون سنوات طويلة... وقد صاحبته مالا يقل عن خمسين عاما... وقبل أن يصلى عليها الجنازة التفت إلينا وقال كلمات قليلة جدا ولكنها اختصرت كل المسافات وأوضحت ببلاغة عميقة حزينة كل مايمكن أن يقال فى هذا الموضع... قال أشهد الله وأشهدكم أنى مارأيت منها شرا قط وأنها ميتة وأنها راض عنها... ثم استقبل القبلة للصلاة عليها
رحمها الله هذه وتلك وألحقهم بالنبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا...
من المملكة العربية السعودية

أستاذي عصام الدين بحر الحياة
يكفيني فخرا أن تزورني هنا
ولعلي حين وقفت على قبر حبيبتي ، صممت على أن أكون أنا الداعي لها جهارا ، والمشيعون يؤمنون خلفي ، وأحبابي أشفقوا علي من صعوبة المهمة ، وكان قد تحدث على القبر داعية مرموقا يشار إليه بالبنان ، ثم دعا لها ، فأرادوا أن يكتفون بذلك
لكني صممت على الدعاء جهرا .. فكان أهم ما دعوت به الله تعالى
أن هذه أمتك بنت أمتك بنت عبدك وفدت عليك ، وزوجها راض عنها يحتبسها عندك ، فأكرم وفادتها عليك ..
شكر الله لك
وأرجو أن تتكرم بزيارتي هنا أيضا
http://alaasaad19.tadwen.net/
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من مصر
أكرمك الله يا أخي الحبيب
أسجل اعجابي بما تكتب ... و إن شوقتني لزوجة صالحة أكرمنا الله بها ...
دعواتك