القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

جرعة حب حتى آخر العمر

جرعة حب حتى آخر العمر

سألني مستنكرا ومحتدا :

-          ولم لا ؟

دائما أخشى من هذا السؤال ، فهو من نوع الأسئلة التي لا أجوبة صريحة واضحة لها ، لا أجوبة لفظية منطوقة مسموعة لها ، فإن لم يلمحها السائل قبل أن يسأل في لحظ العين ، ويقرؤها في قسمات الوجه ، ويسمعها في دقات القلب ، ويعرفها في التصرفات والسلوك .. فكيف بك تجيبه ؟!

إنه من نوع الأسئلة الحتمية .. أسئلة الوجود وأسرار الوجود .. من تلك الأسئلة التي تملأ النفس إجاباتها ، ولا تجد الألسن كلمات تعبر بها عنها ..

من نوع السؤال : لماذا أنت موجود ؟

أو لماذا أنت تدين بالإسلام ؟

أو لماذا أنت عربي ؟

كلها أسئلة أكبر من أن تجيب عليها الكلمات ، وأعجب من أن ينطق بها السائل ..

هل علي أن أردد السؤال في نفسي مرات عديدة ؟

 ولم لا ؟؟؟

أم أن هذا سؤال قد أعدت الروح له الجواب ؟

لا يجب أن يتردد هذا السؤال حائرا في النفس ، فهو من الأسئلة ذات الإجابات المحسومة سلفا ، قد لا نحسن التعبير عنها أو البوح بها .. لكنها ولاشك إجابات حتمية لا مناص منها ، تحمل في ذواتها نوعا من أنواع اليقين المطمئن الهادئ المستسلم في إيمان وثبات .. تردد في حبور :

-          لأن هذا ما يجب أن يكون .. لأن ما هو كائن لا يمكن أن يكون غيره ، لأنه جزء محتوم من القدر ، لأن الإيمان به كما هو دون سؤال أو تلجلج أو حرج في النفس ، هو نوع من الإيمان الفطري بخالق الأكوان ومقدر القدر ..

لم يردعه صمتي العميق عن تكرار السؤال البغيض :

-          لم لا ؟

لم تكن الحيرة التي تبدت في عيني نابعة من عدم معرفتي الجواب ، أبدا ، فهي حيرة حقيقية ناتجة من عدم معرفتي بأي الكلمات أنطق أو أعبر .. فألتجئ من جديد إلى الصمت ، فأحيانا يكون الصمت أصدق أنباء من الكتب ..

ويتردد السؤال دون كلل أو ملل ، يحمل في طياته شفقة من الحزن أو الهم ، أو من خليط بين الحزن والهم ، يحمل معنى من معاني الضياع ..

لكنه لا يستوعب أن الموضوع ليس موضوع حزن ، لم يكن في أي لحظة من اللحظات به معنى من معاني الحزن ، فقلبي من النوع المحصن ضد الأحزان – ربما بقدر ما أصابته الأحزان تكلس ضدها – وقلبي يحمل لافتة بيضاء ناصعة مكتوب عليا باللون الأحمر القاني اللاءات الثلاث المقدسة ..

" لا للحزن[1] .. لا لليأس[2] .. لا للعجز[3] "

حتى هؤلاء الذين كثيرا ما يلمحون دمعاتي الفارة من سجن الإرادة .. أو يضبطوني متلبسا بعد سويعات وحدة ما ، وقد احمرت عيناي حتى صارت مثل لون الدم . فيحاولون أن يخففوا عني أحزاني .. وأنا أقسم بالله أن ما بي ليس حزنا ..

وما أسقطت الأحزان يوما دمعة واحدة من عيني ، فلا تزيد الأحزان المآقي إلا تحجرا وتصلبا واستعصاءً ، فأراني عصي الدمع تتأبى دموعي على الأحزان ، وتتأبى أكثر على الهزائم أو الفواجع أو النكبات ..

فدموعي لا يسيلها سوى الرقة أو الحب أو الشوق الجارف .. دموع تحركها العاطفة .. عاطفة لا تعرف اللاءات الثلاث ..

لكنها يقينا تعرف الضعف البشري الممزوج بالرقة ..

أعلم يقينا أنه لن يرتدع عن السؤال مهما أجابته الدمعات في عيني ، أو النجمات في سمائي ، أو النبضات في فؤادي .. لابد أن يسمع كلمة ما .. إجابة ما يجريها على العقل ، يعمل فيها الفكر ،  يطبق عليها  قوانين المنطق والصواب والخطأ ، رغم أن إجابتي لابد أن تكون من نوع الإجابات التي لا تخضع لمقاييس المنطق ، لا يعييها العقل المحدود ، ولا الفكر المجرد .. إنها من نوع الحقائق التي لا تحملها من الإنسان سوى الروح ، ولا يعيها سوى القلب .. القلب وحده بقوانينه ، والروح وحدها بأسرارها السرمدية الغامضة هي التي تعي هذا النوع من الإجابات ..

يحدث أن يصاب الإنسان في طفولته مثلا بالجدري ، أو الحصبة أو غيرها من الأمراض الفيروسية المعدية ، بسبب إهمال أو تقصير ما ، في جرعات التحصينات الصحية ، لكنه يقينا لن يصاب بتلك الأمراض مرة أخرى ، فإن الحصانة التي يكسبها المرض للجسم ، هي أقوى نوع من الحصانة ، بحيث لا يمكن أن يتكرر المرض مرة أخرى أبدا مهما خالط من مرضى بنفس الداء ، فهو محصن ضد العدوى بجدار لا يمكن اختراقه ..

ويحدث أحيانا أن يصاب الإنسان بالحب ، بجرعة من الحب ، جرعة أقل من أن تقتله ، لكنها تحصنه تماما ، تكسب قلبه مناعة دائمة لا يمكن أبدا تخطيها ، هي نوع من الجدار الناري الذي لا يمكن اختراقه بأي نوع من أنواع أسلحة القلوب الفتاكة ، كإشعاعات نظرات العيون والمقل ، أو سهام نارية من عذب الكلمات ، ورقة الأسلوب ، أو إشارات وإيماءات مبثوثة هنا وهناك .. كلها أسلحة تتكسر بسهولة على الجدار الواقي الذي يغلف القلب المحصن بالحب الأبدي ضد الحب ..

إن الإصابة بتلك الجرعة الكافية من الحب ، نوع من قدر الله الغالب الذي لا مرد له ، فما زلت أؤمن أن الحب لا يصنعه سوى الله تعالى ، وأنه لم يكن يوما من صنع البشر مهما حاولوا ، فالبشر يتوادون ، يتحببون ، يتقربون ، يتزلفون .. أما الحب فهو صنع من صنع الله يلقيه الله في قلوب الناس للناس .. هو سر من أسراره سبحانه ، لأنه على ما يبدو عمل من أعمال الروح ، والروح أمرها عند الله فهو العالم وحده سبحانه بأسرارها ..

تلك الجرعة من الحب يختلف فيها الناس ، فمنهم من يعتبرها ابتلاء بالنعمة ، ومنهم من يعتبرها ابتلاء بالمصيبة ، لأنه لا يملك حيالها دفعا أو درءا ..

لكنها في كلتا الحالتين قدر من قدر الله الغالب ، وحتمية من حتميات الوجود ..

فحين يصاب الإنسان بتلك الجرعة ، فإنه يدرك أنها كافية .. كافية تماما حتى آخر العمر ..

أعلم يقينا أنه ولو أراد ، وبذل ما في وسعه ، حتى يصاب مرتين بالحب ما استطاع .. لأن الجرعة الأولى تمنحه حصانة دائمة لا يمكن تخطيها حتى آخر العمر ..

ربما كانت هذه هي الإجابة الوحيدة الممكنة على السؤال اللحوح :

-          لم لا ؟

-          لأن الأولى كانت كافية حتى آخر العمر

 



[1]- ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم )الحديد 23

[2] - ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )يوسف 87

[3] - في الحديث : استعن بالله ولا تعجز

(2) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 08 سبتمبر, 2007 04:13 م , من قبل بحر الحياة
من مصر

أخى الحبيب علاء
قرأت جرعة حب حتى آخر العمر... لأول مرة حين نشرت وظلت عالقة فى ذهنى ومشاعرى لفترة طويلة... إذ أن الرد عليها كان سهلا ولكننى فى الحقيقة أود أن أنتقى كلماتى فى هذا الموضع حتى لايجرحك حرف أو يخوننى لفظ أو يفهم من كلامى غير ما أقصد... وإن كنت أعرف أنك لن تسيئ الظن بى لحظة واحدة...
الذى سألك هذا السؤال ربما لم يدرك أبعاد الحب الذى عشته ولازلت تعيشه وستعيشه حتى آخر العمر...
ولكن دعنى أسألك أنا سؤالا... الحب الذى أعطته السيدة خديجة للنبى صلى الله عليه وسلم ألم يكن يكفيه حتى آخر العمر؟
ولكنه مضى بالحياة الطبيعية للإنسان وذلك لاعتبارات كثيرة انسانية ودعوية وغيرها... ومضى يعلن ويدافع عن حبه للسيدة خديجة... ومع ذلك مضى فى طريق الحياة الإنسانية كبشر ليعلم الناس أنه مهما حمل القلب فالدنيا لن تستوعب ولن تفهم حجم هذا الحب المفتقد... فتمضى الحياة بسننها الإنسانية ويمضى القلب بسننه الخاصة....
دعنى أسألك مجددا... أليس لديك اعتبارات أخرى؟... إذا كانت جرعة الحب ستكفيك حتى آخر العمر... أليس لديك اعتبارات أخرى تحتاج لجرعات اهتمام وحب تساعدها على اجتياز الحياة؟ ... أليست الأفراخ الصغيرة فى احتياج لجناحين يطيران بهما بأمان فى رحلة الحياة؟... هل ترى أن جناح واحد يكفيهما...
إن النظرة للحياة نظرة أحادية قد توقعنا من حيث لاندرى فى شرك خطير جدا لانفيق معه إلا بعد فوات الأوان إذ أننا قد ننظر للحياة من زاوية الاحتياجات الشخصية ونظل نقيم الحجج وندافع عن ذواتنا وننسى فى زحمة الحجج القلبية والروحية أن هناك حياة انسانية كاملة تعيش حولنا تحتاج الى ممارسة قوانين الحياة الطبيعية... ولن تستطيع كل حجج ذواتنا السير بها فى طريق وضع الله تبارك وتعالى قوانينه وسننه...
عندى كلام كثير ولكنى أخشى من الولوج أكثر...
أعذرنى وسامحنى...


اضيف في 08 سبتمبر, 2007 07:46 م , من قبل alaasaad19
من المملكة العربية السعودية

أستاذي بحر الحياة
أو الأستا عصام
عندما ينصح الأستاذ مثلك
فعلى التلميذ مثلي أن يصمت وأن يتعلم وأن يفهم

كل ما أخشاه على الفراخ الصغار
أن يظل جناحا واحدا يرفرف حولهم
بينما يعمل الجناح الثاني بفطرته وغريزته - إذ أنهم لا ينتمون إليه - على قصقصة ريش الجناح الواحد

فأكون بذلك لا أبقيت لهم الجناح الواحد سليما ليحلق وحده ، ولا أبدلتهم بجناحين

حبي لأطفالي وخوفي عليهم من مصير مجهول ما ، كما خوفي من تكرار تجربة ، شربت أحلى ما فيها بحيث لم يعد في حلاوتها باقيا .. يجعلني أتمسك بموقفي ولو مؤقتا

نعم أستاي وبدون حرج
وبدون تحفظ أن تتوغل أكثر في حنايا النفس

أنا مصاب بفوبيا البداية من جديد أو تكرار التجربة .. وكأنني أومن أن ما عشته لا يمكن أن يتكرر أبدا
وأن الحياة لا تكون إلا مرة واحدة .. وقد عشتها بأحلى صورة ممكنة لبشر على وجه الأرض

حياك الله تعالى حين تبحث عني
ودعواتك




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.