القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

هل الديمقراطية حتمية معاصرة ؟؟؟

هل الديمقراطية حتمية معاصرة ؟

أبدأ تعقيبي على مقال الباحث المصري خليل العناني ، بجملته الأخيرة التي اختتم بها مقاله ، حيث يقول :

"بكلمات بسيطة، ليس من خيار أمام جماعة الإخوان المسلمين في مصر، إذا ما رغبت في البقاء كطرف أصيل في المعادلة السياسية المصرية، سوى إعادة تأسيس نفسها على أساس فكري متقدم، يدفع قواعدها نحو تخطي فجوة الزمن الديمقراطي، ويعوض سنوات جدبها السياسي."

من وجهة نظري اتفق مع الكاتب في عدة عناصر رئيسة أهمها على الإطلاق ، ضرورة إيمان جماعة الإخوان بحتمية إعادة تأسيس نفسها على أساس فكري متقدم ، أو أسس فكرية متقدمة .. وأتفق مع الكاتب في حاجة الجماعة إلى التطوير الداخلي ، وأتفق معه كذلك في ازدواجية المعايير الديمقراطية لدى الجماعة لاسيما فيما بين القيادات الفكرية والسياسية للجماعة وبين قواعدها .. وانتقال الريادة الفكرية من مصر إلى الشام  ، وكذا العراق ممثلة في الأستاذ الراشد ، وانتقال المرونة الحركية والإبداع والتطوير من القلب في مصر إلى ما عبر عنه الأستاذ العناني بالأطراف في الجزائر والمغرب والأردن ، والخليج ..

كلها ظواهر تعتبر ملفتة ، دون الدخول في تفاصيل الأسباب والمعوقات ..

فالجماعة إذن تحتاج إلى نهضة فكرية كبيرة أظن أنها يجب أن تبدأ من قواعدها متناغمة مع أصوات قياداتها الواعية المتطورة ..

والجماعة في حاجة فعلية إلى اقتحام العقبة ، وهي القيادات الوسيطة التي أدت دورها التاريخي ، ويجب أن تعطي مكانها لفكر شاب قادر على التطوير ..

لكن أهم ما أختلف فيه مع الباحث الكريم ، والذي استدعي مني كتابة هذا الرد المطول ، هو جوهر المقال ذاته ..

إن الأستاذ العناني يعتبر الديمقراطية هي المحك وهي المفصل الذي يجب أن تتم عملية التطوير في سياقه .. أو بمعنى آخر : أن التطوير مطلوب أساسا لتحقيق مبدأ الديمقراطية كمبدأ أساسي ، يحكم علاقات الجماعة خارجيا أي في تعاطيها مع المجتمع ، وكذا القوى السياسية الأخرى ، بالإضافة إلى النظام الحاكم ، وكذا داخليا في آليات عمل الجماعة ، وطرق اتخاذ القرار  ..

وأنا هنا لست بصدد الرفض المطلق للديمقراطية ، ولا محاكمتها في ضوء الفلسفة والتنظير بعيدا عن التطبيق في أرض الواقع .. رغم معرفتي أن رفض الديمقراطية جملة وتفصيلا مازالت تسيطر على جانب كبير من العقلية الإسلامية .. لكني سأتجاوز هذه الإشكالية الفقهية الفكرية ، معتمدا مناهج كثرة من العلماء المعاصرين ، من أمثال الشيخ القرضاوي ، والشيخ فيصل مولوي ، وغيرهم  الذين اعتبروا جوهر التطبيق الديمقراطي متفقا مع منهج الشورى ..

فيمكننا أن نفصل الديمقراطية إلى نظرية ، وإلى آليات .. فالنظرية في النهاية هي نظرية بشرية أنتجها العقل البشري لمواجهة ظروف وضغوط الواقع ..

والآليات وهي الأخرى نتيجة جهد بشري وتجارب بشرية تحتمل الصواب والخطأ وتخضع للتجربة الطويلة في المجتمعات المختلفة ..

أما من حيث النظرية ، فإن الفكرة السائدة عن الديمقراطية أنها تقوم على مبدأ حكم الشعب لنفسه ، حيث تكون كل ثوابت المجتمع قابلة للتغيير والتبديل ، بل والاستفتاء على الدين نفسه .. وهو الأمر النظري البحت ولا يتم تطبيقه من خلال الممارسة الواقعية ، حيث يحافظ كل مجتمع ديمقراطي على مجموعة من الثوابت غير قابلة للنقاش أو الاختلاف ..

ومن هنا يتقلص الفرق بين الديمقراطية ، ومنهج الشورى الإسلامية إلى السؤال الأبرز :

من الذي يضع ثوابت المجتمع ؟

في الديمقراطية يضع ثوابت المجتمع الأغلبية في زمن من الأزمان الذي تصاغ فيه هذه الثوابت ، ولتكن مواد الدستور ..

بينما الثوابت في الشورى يضعها المولى عز وجل من خلال الوحي ..

 

أما مكونات الديمقراطية من مبادئ مثل :

الشعب مصدر السلطات

مبدأ تداول السلطة

محاسبة الحاكم

التمثيل النيابي

احترام رأي الأغلبية

الفصل بين السلطات ( النيابية – التنفيذية – القضائية ) ..

فكل هذه الآليات أو المبادئ أقرها مبدأ الشورى الإسلامي ، وليس هذا تعسفا ، أو استنطاقا لتراثنا الإسلامي بما ليس فيه .. ولعلنا من خلال استعراض الأدلة البسيطة نستجلي بوضوح هذه الحقيقة ..

ولكننا قبل أن نمضي بعيدا في استجلاء المبادئ التي يقوم عليها منهج الشورى الإسلامية لابد من الاتفاق على مجموعة من الأساسيات :

أولا : الشورى أمر قرآني أمر به المولى عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ( وشاورهم في الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) آل عمران 159.. ذكر ابن كثير في تفسيره نقْلًا عن ابن مردويه عن علي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن العزم في قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) فقال: مشاورة أهل الرأي ثم إتباعهم.

وأثنى تعالى على الجماعة المؤمنة التي تقوم بتطبيقه ( وأمرهم شورى بينهم ) الشورى38 .. في التفسير أي يتشاورون في الأمور ولا يعجلون ولا يبرمون أمرا من مهمات الدنيا والدين إلا بعد المشورة [1]

وقال تعالى في أمر من خصوصيات الأسرة آمرا بالشورى :( فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) البقرة 233 ..

وفي الحديث : لا ندم من استشار ولا خاب من استخار ، وروي سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي .[2]

ولذا فإن الاختيار الإسلامي بين منهج الشورى وغيرها من المناهج ، هو أمر محسوم لصالح منهج الشورى ، امتثالا لأمر الله تعالى وتعبدا له ..

ثانيا : لابد من الاقتناع التام بأن في الحياة البشرية عبر التاريخ البشري جانب عملي تطبيقي ، وهو جانب متغير يخضع للتجربة والخطأ ، وقابل للتطور  والتغيير المستمر .. وهناك جانب ثابت هو جانب القيم ، وعلينا أن نؤمن أن الدين جاء لإقرار القيم في حياة البشرية فيما يعرف بثوابت الدين ، وهي ثوابت غير قابلة للتغيير والتطوير ، بينما لم يحجر الدين على الجانب المتغير فتركه لاجتهاد البشرية في كل زمان ومكان .. ولذا فإن كل ما أحكمه الدين في القرآن والسنة ، فعلينا أن نؤمن أولا بثباته ، كما نؤمن كذلك بعلوه وارتفاع شأنه عن أي اجتهاد بشري أو نظرية أرضية ، لأنه من لدن حكيم خبير  ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الملك14.. وعلى هذا نؤمن أن منهج الشورى الإسلامي من حيث النظرية الربانية ، هو منهج صالح للتطبيق العملي في كل زمان ومكان .. على أن المولى عز وجل ترك لنا آليات التطبيق باعتبارها متغيرات لا ثوابت قابلة للاجتهاد والتجريب ..

ثالثا : منهج الشورى لا يوضع في مقابل الديمقراطية الغربية ، فإن الديمقراطية في المفهوم الغربي ، والعقل المعاصر يقابلها أو يضادها حكم الفرد أو الاستبداد ، أو ما يعرف بالديكتاتورية ، وعلى هذا فإن كل من يرفض الديمقراطية مطالبا بتطبيق الشورى ، يظنه العقل المعاصر من أنصار الديكتاتورية ، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك ، فمنهج الشورى يقوم على التعددية والتداول واحترام الرأي والرأي الآخر ، واحترام رأي الأغلبية وغيرها من قواعد أساسية هي ما جعلت آليات الديمقراطية تتفق مع جوهر  منهج الشورى أو غاياته ..

رابعا : لابد من الاعتراف بعد ذلك بأن العقلية المسلمة لم تنتج آليات معاصرة متسقة مع منهج الشورى ، وبالتالي لا يمكن الإدعاء بأن هناك نظرية متكاملة لتطبيق الشورى ، تجمع بين النظرية القرآنية والتطبيق النبوي الكريم ، وبين الآليات المعاصرة للتطبيق .. وهذا ما يحوجنا إلى النظر  فيما أنتجه العقل البشري عند الآخر  من آليات للتطبيق ، باعتبار أن هذه الآليات ذاتها غير مضادة لمنهج الشورى ، كما أنها في معظمها اجتهادات بشرية تحقق المفهوم الإسلامي للشورى ، ومن هنا فقط تحدث المقاربة بين الإسلام والديمقراطية  ..

خامسا: منهج الشورى الذي نعنيه في بحثنا ، ليس مجرد استطلاع الرأي أو استجلائه في قضية ما ، وإنما هو منهج متكامل في الحكم ، فيمكننا أن نضع نظام الحكم في الإسلام تحت مسمى النظام ( الشوري ) .. كما يقوم الحكم في الغرب على النظام الديمقراطي .. نحن إذن أمام  نظام شامل متكامل للحكم يحدد مصدر السلطات ، والتشريع ، وطرق تداول السلطة ، والعلاقة بين السلطات ، وغيرها من المبادئ التي تقوم عليها نظم الحكم في العالم المعاصر  ..

مبادئ وآليات منهج الشورى كما نستدل عليه من النصوص والتراث الإسلامي :

1 – الوحي مصدر التشريع ، والأمة مصدر السلطات .. اتفقنا عقلا وتجربة وواقعا على أن لكل مجتمع ثوابته التي ارتضاها ولا يمكن بحال من الأحوال إخضاعها للنقاش أو الحوار الديمقراطي ، في الغرب واضعوا الدستور هم الذين يحددون ثوابت مجتمع ما في فترة زمينة معينة .. بينما الثوابت في المجتمع المسلم يحددها الوحي الإلهي قرآنا وسنة ، وهي محكمات الدين ، أو المعلوم من الدين بالضرورة ، أو ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، وهي أصل الدين ، وهي ثوابت غير قابلة للتغيير  ( إن الحكم إلا لله )يوسف40-67

 ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) المائدة : 49

ورغم أن نظام الحكم في الإسلام  يلتزم بتنفيذ الثوابت القطعية من قبل الوحي ، فإنه لا يحكم بالحق الإلهي المقدس ( الثيوقراطي ) .. بل الأمة ( الشعب ) مصدر السلطات ، فالأمة هي التي تعين الحاكم  ( بالانتخاب الحر المباشر  ) وهي الصورة العصرية أو النسخة المستحدثة لنظام البيعة ، والبيعة أو الانتخاب من الآليات التي تقبل التطوير والتغيير والاستحداث والاستعارة من الآخر  ، أما جوهر العملية نفسها فهي الموافقة أو عدمها على تولية الحاكم وتسميته ، فالأمة هي التي تعين الحاكم ، ولها حق عزله ومحاسبته ، فهي التي تمنح السلطة التنفيذية وهي التي تحاسب عليها .. فهي مصدر السلطات عبر التراث الإسلامي والتطبيق التاريخي لتولية الخلفاء ..

 

2 – التداول السلمي للسلطة ، وسلطات الحاكم ..

تختلط عند بعض الدارسين وقائع التاريخ ، بالحقائق المجردة الثابتة ، فينظرون مثلا إلى أن الخلفاء الراشدين – باعتبارهم النموذج الأمثل للحكم الإسلامي – حكموا جميعا حتى الموت ، هذا من حيث الواقع التاريخي ، لكننا كذلك لا يمكننا أن نفصل عن هذا الواقع الحقائق الثابتة والمبادئ العامة التي أقرها الخلفاء الراشدون أنفسهم ، فيقول أبو بكر  : أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم .. ويقول عمر بن الخطاب : فإن رأيتم بي اعوجاجا فقوموني ..

فسلطات الخليفة بهذا المفهوم لم تكن مطلقة ، وإنما هو قائم لتحقيق أهداف المجتمع المسلم وعلى رأسها تحقيق منهج الإسلام ، فإن خالف هذا المنهج ، فعلى الأمة محاسبته وعزله ، وهذا أمر لم يحدث من حيث التطبيق في التاريخ الإسلامي ، لكون الخليفة أو الحاكم عبر التاريخ الطويل لم يكن سوى أحد اثنين : إما حاكم عادل قائم بأمر الله ، لم يغير ولم يبدل ، فاستوجبت الأمة بقاءه ورضيت قيادته ، وإما حاكم مستبد وهذا أصلا لم يستمد شرعية بقاءه من الأمة بل من السيف .. فإن عدم التطبيق التاريخي لا ينفي الحقيقة الثابتة التي فهمها خير قرون هذه الأمة في جيل الصحابة وعبر عنها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .. وهذا يشمل بالبديهة مبدأ محاسبة الحاكم إن قصر أو أخطأ ..

3 – التمثيل النيابي .. في أعقاب غزوة حنين ، حينما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع الغنائم إلى من أسلم من القبائل التي حاربته ( هوازن ).. " فَقَالَ النّاسُ قَدْ طَيّبْنَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ إنّا لَا نَعْرِفُ مَنْ رَضِيَ مِنْكُمْ مِمّنْ لَمْ يَرْضَ فَارْجِعُوا حَتّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ "[3] ، ومن البديهي أن نفهم دون أي تعسف أو لي للألفاظ أن العرفاء هنا هم ممثلي ومندوبي ونواب المسلمين .. بل إنه صلى الله عليه وسلم شدد على الشورى قبيل غزوة بدر ، فتكلم المهاجرون ، فظل النبي صلى الله عليه وسلم يكرر : أشيروا علي أيها الناس .. حتى تكلم سعد بن معاذ من الأنصار .. فكان حديث أحد وجهائهم وقادتهم نيابة عنهم جميعا .. فمبدأ التمثيل النيابي في حد ذاته مبدأ لا يمكن اعتباره مستحدثا بشكل مطلق ، وإنما هو تطوير لما عرفته البشرية في تاريخها القديم ..

4 – الأخذ برأي الأغلبية ، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى المشركين في غزوة أحد .. ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه أمام رأي الأغلبية واستقر الرأي على الخروج من المدينة واللقاء في الميدان السافر [4] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "لو اتَّفَقْتُمَا على رأيٍ ما خَالَفْتُكُمَا"[5].. ومعناه: أنه يرجح رأي الاثنين على رأي الواحد، ولو كان هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. وهو بذلك يضع القاعدة الأساسية للأخذ برأي الأغلبية ، بل يجعل الأغلبية ممثلة في الثلثين مقابل الثلث ، للقضاء على إشكالية الديمقراطية في بعض المجتمعات التي تقوم على فكرة (  خمسين بالمائة + فرد واحد ) ، وهي نسبة تسبب جدل دائم في التطبيق الديمقراطي ، بينما فكرة موافقة ثلثي الأعضاء ، فهي معمول بها في كثير من البرلمانات والمجالس الحديثة ، وهي كما ترى تعبير إسلامي أصيل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ..

5 – عرف التطبيق الإسلامي في تاريخه الراشد ، وقوف الحاكم أو أمير المؤمنين أو الخليفة بين يدي القاضي ليحكم له أو عليه في قضية يخاصمه فيها أحد رعيته ، وأشهر القصص في ذلك قصة اليهودي الذي خاصم الإمام علي كرم الله وجهه إلى القاضي في أمر درعه ، فحكم القاضي بالدرع لليهودي ، لعدم ثبوت بينة الخليفة ( الحاكم ) .. هذا مثل مطلق للفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية ممثلة في شخص الحاكم أو الخليفة .. ورجال الحل والعقد في الإسلام هم بمثابة سلطة رابعة ، هي سلطة علماء الشرع  وأهل الاختصاص الشرعي ، الذين يقومون بتفصيل وتفسير أحكام ومقاصد الشريعة ، والخلط الذي يحدث عند الدارسين بين هذه السلطة ، وهي سلطة تستمد مكانتها من علمها الشرعي ، وبين المجالس النيابية التي تنوب عن الأمة في تولية الحاكم وعزله ومحاسبته ، خلط مردود عليه ، بأن البيعة بالخلافة لم تكن تنعقد ببيعة أهل الحل والعقد أو علماء الأمة وثقاتها فقط ، وإنما كانت تنعقد ببيعة عامة الأمة ، فأبو بكر كانت له بيعة خاصة في سقيفة بني ساعدة ، وبيعة عامة في المسجد ، وهكذا ..

إن بعض الأصوليين يرفضون إطلاق مصطلح ( السلطة التشريعية ) على المجالس النيابية ، على اعتبار أن التشريع لله تعالى ، ويفهمه ويفصله علماء الشرع من أهل الاختصاص .. أما السلطة النيابية ، فهي التي تنوب عن الأمة في تقدير مصالحها ، وفي سن القوانين التي تحكم المتغيرات وهي دائرة واسعة جدا ، سكت عنها التشريع مراعاة للتغيير المستمر في الحياة البشرية ..

هذا فيما يمكن أن نطلقه على وسائل وطرق تطبيق منهج الشورى ، على أن منهج الشورى يبقى معتمدا بعد ذلك على المناخ والممارسة ، فمن ضمن معوقات منهج الشورى ، غياب الشفافية ، وحرية تداول المعلومات والوصول إليها .. إن حجب المعلومات دائما هو المعوق الأبرز لعملية الشورى ، فكيف يستشار المرء في أمر يجهله ؟

كما أن المناخ الذي تكثر فيه الكراهية ، ويسود فيه سوء الظن ، وتبادل الاتهامات ، والتماس الأخطاء وانتظار الهفوات والسقطات .. مناخ كله منافي لممارسة الشورى ، والديمقراطية على السواء ..

وإذا نظرنا إلى الأخلاق الاجتماعية العامة في الإسلام نجدها تصفي هذه الأجواء تماما ، حيث يقدم الفرد رأيه واجتهاده مطمئنا إلى حسن ظن المجتمع وثقته المتبادلة معه .. بل إن أهم ميزة في المجتمع المسلم تجعل أمر الشورى سهلا ميسورا .. هو الأجر الدائم على الاجتهاد خطأً كان أم صوابا ، فللمجتهد المخطئ أجر ، وللمصيب أجران .. وهو مناخ داعم لتقديم الرأي والاجتهاد فيه ..

إن من مثالب الديمقراطية المعاصرة مثلا قضية الالتزام الحزبي ، حيث يفرض على عضو الحزب أن يؤيد رأي الأغلبية الحزبية مقدما إياه على رأيه في حال الاختلاف والتعارض.. فهل يكون الولاء للحزب أقوى من الولاء للمجتمع ؟

هذه النقطة وغيرها تحتاج إلى حلول إسلامية النبع والاجتهاد ..

فإذا كانت هذه هي بعض الأدلة التي تشير إلى آليات ووسائل تطبيق منهج الشورى في تاريخنا الإسلامي ، فإن الإسلاميين ( الإخوان وغيرهم ) مطالبون في المقام الأول ، بإخراج نظرية إسلامية واضحة المعالم لملامح نظام الحكم في الإسلام ومنهج الشورى قواعد منظمة ووسائل مقترحة ..

هذا الانجاز الفكري الكبير ، والتأصيل الشرعي لمفهوم الشورى ممارسة ومناخا وتطبيقا ، وتعزيز ممارستها داخل الجماعة هو المطلب الأهم ، بدلا من الدوران في فلك الديمقراطية الغربية ..

لأن هذا المشروع الإسلامي الخالص ، وإن اعتمد بعض وسائل الديمقراطية كوسائل لتطبيق الشورى باعتبارها تجارب بشرية قابلة للاقتباس ، كفيل بفض الالتباس والتوجس من إشكاليات الديمقراطية ونشوئها الغربي ..

وهو أيضا حري أن يقدم للعالم نظرية أكثر نضجا ورقيا من الديمقراطية المعاصرة ، تكون بمثابة المساهمة الإسلامية في تطور البشرية ..

إن الإسلاميين بمختلف فصائلهم مطالبون فعلا بهذا الإنجاز ، بدلا من مطالبتهم بتوفيق أوضاعهم وفق النظام الديمقراطي المعاصر ....


[1]- صفوة التفاسير للصابوني 1288

[2]- من القرطبي في تفسير قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر )

[3]- زاد المعاد - (ج 3 / ص 417

[4]الرحيق المختوم للمباركفوري 248- 249

[5]- رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنم "4/227" وفي سنده شهر بن حوشب، وهو صدوق مختلف فيه، وقد وثقه الشيخ شاكر في تخريج المسند

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 13 يوليو, 2007 01:10 ص , من قبل محمد ثروت
من المملكة العربية السعودية

مقال صعب




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.