القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

خواطر في زمن الانعدام ..

خواطر في زمن الانعدام ..

 

تحذير : إذا كنت سعيدا تخشى فقدان السعادة في لحظات ألم

أو كنت حزينا أو مهموما أو مكتئبا

فلا تقرأ هذا الموضوع ..

 

لم يخطر ببالي أن أسأل نفسي هذا السؤال من قبل :

أي الحالين أسعد في حياة الإنسان ، حال النوم أم حال اليقظة ؟

 

الحقيقة أنني كنت أظن أن النوم هو حياة سلبية ، أو هو موت بطريقة ما ..

 

كان النوم يمثل لي هدنة بين حياتين ..

انقطاع عن الحياة من أجل مواصلة الحياة ..

 

لم يكن النوم هدفا في ذاته ، ولكنه كان استراحة ضرورية إجبارية لابد منها لاستقبال شوط جديد من أشواط كدنا أو سعادتنا في الحياة ، أو استقبالهما معا ..

 

والأصح أنهما يكونان معا في أغلب الأحوال ..

فليس على وجه الأرض إنسان حياته كلها نعيم سرمدي بلا منغص ، وليس هناك من يحيا في غم دائم لا ينقطع ..

وإن ظن كل منهما نفسه كذلك ..

لكن سنن الحياة تفرض تعاقب السعادة والشقاء ، كما تفرض تعاقب الليل والنهار لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ... ( الحديد- الجزء السابع والعشرون )

 

أما النفوس البشرية فهي التي تستطيع أن تلتقط من هذا التعاقب ضالتها في الحياة ..

فمن النفوس من تستطيع أن تتشبث بلحظات السعادة ، مهما تعاقبت عليها أسباب الشقاء ..

ومنها ما هو مرشح لاستقبال موجات الحزن وحدها ، دون القدرة على استقبال موجة سعيدة تدور بمحيطه تستحثه أن يكتشفها ثم يستمسك بها ..

 

النوم إذن كان هدنة بين حياتين ..

في واقعي أنا كنت ألجأ إلى النوم بهذا التوصيف الذي أصفه به ( الهدنة ) ،

فكنت أزهده وأبغضه وأعافه طالما كانت الحياة رغدا وسعادة ..

كنت أتشبث بها رافضا النوم ولو احتاجت إليه الجوارح ..

كالطفل الذي يسهو في لهوه وألعابه عن طعامه وعن نومه ، يريد أن يدخر من لحظات اللعب الجميل زادا ، متوجسا أن يصحو من نومه ، إن هو نام ، فلا يجد ألعابه ..

ثم يلجأ إلى حيلته الأخيرة ، فيضع أحب ألعابه إليه بجواره في الفراش ، فلا يغمض جفنه إلا وأسباب سعادته بين أحضانه ..

 

مثله تماما كنت أفعل ، فلا أنام إلا محتضنا أسباب سعادتي ..

أتفقدها في أوقات االسُبات ..

 

دفعني هذا الحرص البالغ على الاحتفاظ بها إلى التفكير في السؤال المحتوم :

 

ماذا لو فقدتها ؟؟

لا شيء في الحياة الدنيا خالد سوى وجه الله ( وكل شيء هالك إلا وجهه )  ، ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ..

فلابد لهذه الأسباب يوما أن تفنى أو أن .......

 

تشبثي بأهداب السعادة والأمل كان يدفعني أن أجيب على هذه الهواجس الكئيبة إجابات خيالية ، بريئة براءة الطفولة غير المدركة لحقائق الحياة ..

 

أستعيد من ذاكرة التاريخ ، قدرة المصريين على تحنيط الموتى ..

 

هل فعلا أستطيع أن أحنط أسباب سعادتي لأحتفظ بها أبد الدهر ، أو أبد وجودي في الدهر ؟

 

أو أبتكر حيلة هروبية أخرى ..

كنت أتخيل أن صدري يمكن أن ينشق فيحتوي أسباب سعادتي ، ثم يلتئم مرة أخرى ، وقد صارت سعادتي في أعماقي ..

 

أخيرا أدركت أنني لن أستطيع أن أستدعي ذاكرة التاريخ ، ولن أتمكن من اكتشاف أسرار قدماء المصريين ..

 

فصرت دائما أحتضن أسباب سعادتي بقوة ، وأضمها إلى صدري بلهفة ، وهي تتأوه من ضغطة ذراعي ، وأنا أتشبث بها ، تشبث الخائف على كنزه الثمين من الفقد أو الضياع ..

 

كم تمنيت أن أحتويها بين ضلوعي فلا تضييع مني أبدا ..

 

أتفقدها في نومي كما يتفقد الطفل لعبته الجديدة وقد أبى إلا أن تبيت في حضنه ..

 

أو كما يتفقد الرضيع في نومه ثدي أمه طلبا للحنان لا الغذاء ..

 

فإذا انسلت من فراشها إلى صلاة ، أو لأحد شؤونها ، فلا أنام حتى تعود ..

 

ثم .. ثم فقدتها ..

 

لم أفقد أسباب سعادتي ، ولكني فقدت أسباب استمراري في الحياة ..

فقدت الهدف الذي يعيش الإنسان – أي إنسان – من أجله ..

ففقدت الشهية للحياة ..

فكيف يحيا من فقد أسباب حياته ؟

وكيف يعيش من انتقل من السعادة الغامرة إلى الشقاء المقيم ؟

وكيف يستمر في المسير من فقد الطريق ؟

 

ربما استمررت في الطريق لو أنني فقدت الدابة ، أو فقدت الزاد ..

أو فقدتهما معا ..

لكني فقدت الطريق ذاته ..

انقطع بي السبيل فجأة ..

وصلت إلى حافته ، أو نهايته بغتة ..

لم يعد بعد خطوي مكانا لأنقل إليه خطوة قادمة ..

ولا خلفي متسعا لأن أرجع خطوة إلى الوراء ..

من أمامي ضياع ..

ومن خلفي انقطاع ..

 

عاجز عن المسير ، لا لأنني فقدت قدمي ، ولكن لأن المسير قد انتهى ..

وأنا عن العودة أعجز ..

لقد غلقت الأبواب ..

 

لم يعد النوم يمثل لي هدنة بين حياتين ، ولا حياة سلبية ، أو موت بشكل ما ..

إنما صار النوم هدفا .

أصبح النوم حياة بين هدنتين ..

 

النوم لا يطالبني بالمسير حيث لا طريق ، وقد انقطع المسير ..

 

وفي النوم ..

في النوم وحده

يمكنني العودة إلى الوراء حيث لا حواجز ..

كما يمكنني المضي إلى الأمام فألتقي أسباب سعادتي ..

فأحقق في النوم ما لا يمكن أن أحققه في اليقظة ..

 

كنت في السابق أسعد في اليقظة ، ثم يغلبني التعب ، فأنام نوما هانئا لا منغصات فيه ولا كوابيس ..

 

واليوم صرت أسعد في النوم ، فأستيقظ سعيدا نشيطا .. متسائلا :

متى تحين فترة النوم التالية ؟!

 

لقد أصبحت اليقظة هدنة سلبية بين حياتين يشكلهما النوم ..

 

الحياة السلبية ، موت يتحرك فيه الجسد بالقصور الذاتي ، كالآلات الحديثة كلها ..

تعمل ولا تحيا

تتحرك ولا تشعر

تنتج ولا تحب

تعطي ولا تأخذ أبدا . إلا ما يجدد طاقتها لاستمرار الحركة ..

 

وفي النوم فقط تتوقف آلتي عن العمل ، وتكف عن الحركة ، لكنها تحيا حين تعود إليها الروح ..

فتشعر وتحب وتأخذ وتسعد ..

 

عجيب هو عالم الأرواح ، خلف ستار من الأسرار ، لا يمكن إزاحته ..

كيف وهي من أمر الله ؟!

عالم تحكمه قوانينه الخاصة التي نجهل عنها كل شيء ..

الروح الحاضر الغائب دائما ..

أو الموجود في كل وقت ، المستتر بستر الله تعالى ..

 

آه لو كنا نلتقي بالأرواح الحبيبة الغائبة في عالم اليقظة ، كما يمكن أن نلتقي بها في عالم النوم !!

 

لتحولت يقظتنا إلى سعادة غامرة ، ونعيم مقيم ..

 

لكنه التنافر الطبيعي بين الثريا والثرى ..

بين إشراق النور ، وظلمة الطين ..

بين شفافية الروح ، وغلظة الجسد ..

بين المعراج إلى السماء ، والثقلة إلى الأرض

 

موقن أنا أن الروح الحبيبة لو أطلت علينا في ساعات اليقظة ، لا يمكن لنا أن نستشعرها بحواسنا ، لن نستطيع أن نحتويها في أحضاننا ..

أو نقبلها بشفاهنا

أو نلمسها بأصابعنا ..

 

غير أنني آمل أن تلتقي الروح بالروح ، فنسعد في يقظتنا كسعادتنا في منامنا ..

 

لكن روحها تصر على أن تأخذ توأمها ( روحي ) معها ، لا أن تحضر هي إليها ..

 

لذا تستيقظ حواسي بلا روح ..

 وأمضي فلا أجد الطريق ..

 وأعمل دونما هدف ..

وتستمر الجوارح في وظائفها دون أن يكون لها نفع يجلب على النفس سعادة أو سرورا أو بهجة ..

 

وفي عالم النوم حين يشتد السُبات وتغيب الجوارح ، يظهر التوأمان معا ..

يسعدان ..

يمرحان ..

يتعاتبان ..

يعبران عن الأشواق المحمومة المكبوتة ..

 

لكم حاولت أن أخدع نفسي ، أخادع الروح ،

أتناوم .. لأستقبل الروح بين النوم واليقظة ..

لكنها تأبي أن تنخدع ، ولا مجال لخداعها ..

فهي لا تظهر إلا حينما تغيب الجوارح ، لا عندما تغيْب ..

حالما تنام ، لا تتناوم ..

 

 

أدركت أخيرا سر أزواج الطيور الوفية ، إذا مات أحد الزوجين ، أضرب الآخر عن الحياة حتى يلحق به سريعا ..

إن الطير الباقي في عالم المحسوس ، لا يبحث عن الموت في هذه الحالة ،

إنه يبحث عن الحياة ..

حياة الروح ..

 

كنت دائما حين تطرح فكرة الموت ، وكثيرا ما كانت تطرح ، كالأمر المحتوم الواقع البعيد ..

كانت تتمنى أن تسبقني لأنها لم تتخيل أن تبقى في الحياة بدوني ..

وكنت أصر على أننا يجب أن نموت معا ..

 

تتساءل في إنكار واستنكار :

وهل نتحكم في قدر الله ؟!

 

وكنت أجيبها في طفولية ساذجة :

 

        لا أتخيل سوى أن نموت معا ..

في حادثة ..

في مغامرة ..

أو في مهمة كبرى تضمن لنا الخلود ..

 

كانت تستشعر الخطر من الفكرة ، فتعقب :

والأولاد ؟؟؟؟

 

لم يكن هناك مناص من أن نحيا معا ، أو أن نموت معا ..

ولقد تحققت أمنيتنا معا ..

 

تحققت أمنيتها في أن يسبق جسدها جسدي بالفناء ..

وأن يستبقي الله تعالى جسدي ، ليعمل كآلة من أجل الأبناء ..

 

وتحققت أمنيتي في أن أموت معها في لحظة واحدة ..

 

فإني على يقين أنه حين أُمر ملك الموت ( رضي الله عنه ) ، أن ينزع روحها ، بأن روحي خرجت معها في نفس اللحظة ..

جسدها واراه التراب ..

وجسدي واراه الضنى ..

انقطعت جوارحها عن العمل

وانقطع عملي عن الهدف

وتوقف قلبها عن النبض ،

وتوقف نبضي عن الأمل ..

وحُبسنا كلانا حيث لا عودة ولا تقدم ، في برزخ محدود ..

 

لقد كتبت عنها :

حتى لا تموت الروح ..

واليوم أكتب عن نفسي ..

أردت أن أكتب :

حين تموت الروح ..

غير أنني أدرك أن الأرواح لا تموت ..

ولذا أكتب :

حين فارقتني الروح 

 

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 يونيو, 2007 07:01 م , من قبل asameh3000
من قطر

الفاضل أ/ علاء
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

وودت فقط ان اسجل متابعتي للجديد دائما

اون عجزت ان اعبر عما يجول بخاطري

احترامي وتحياتي
احمد سامح


اضيف في 09 يونيو, 2007 11:54 م , من قبل عابر سبيل
من مصر

أخى علاء
هون عليك أخى
وإحتسبها من القلب عند الله سبحانه وتعالى
تغلب بقوتك وصبرك
وأذكرك ونفسى بقول الله تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون

والقلب والقلم واللسان فى حالة عجز عن التعبير


اضيف في 11 يونيو, 2007 12:10 ص , من قبل منة الله
من مصر

علاء


ادعوك للمشاركة في استطلاع راي

اكثر 10 مدونات تاثيرا في قرائها

و احب ان اخبرك ان مدونتك تم ترشيحها فعلا

اليك الرابط

http://www.6ef.blogspot.com/




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.