القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

دعاة بلا عمائم ( 2 - 2 )

دعاة بلا عمائم (2 - 2 )

 

ماذا أنجز الدعاة الجدد في عالم الواقع بالفعل ؟،  أو ما هي عناصر المشروع الذي يحدد أدوار الدعاة الجدد في المجتمع ؟

يتهم البعض هؤلاء الدعاة الجدد بسيل من الاتهامات تصفهم بأنهم ظاهرة طارئة ستنتهي فيما بعد ، وأنهم موضة مثلهم مثل ( الفيديو كليب ) ، وأنهم سطحيون هامشيون قاموا باختزال الدين إلى مجموعة من العبادات لا ترتبط بواقع الحياة ، اتهموهم بالإفراط في الأناقة .. واتهمهم بعض الملتزمين بتقديم دين خالي من المقاومة ، أو دين بلا سياسة ..

 اتهامات كثيرة وجهت لهؤلاء الدعاة ، متجاهلة تاريخ أسلافهم في الدعوة ، ومتجاهلة كذلك مشروعهم الدعوي الكبير الذي يقدمونه للمجتمع ، فما هي ملامح هذا المشروع ، وما هو الدور الذي أنجزوه فعليا في واقع الدعوة الإسلامية المعاصرة ؟

1-     تبسيط الخطاب الديني ليناسب كافة المستويات ( أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ) ، والمجتمعات في حاجة ماسة إلى فهم الدين فهما سهلا ميسرا بعيدا عن التفصيلات الدقيقة التي لا يحتاج إليها إلا العلماء وطلاب العلم ، أما جمهور الناس فهم في حاجة إلى فهم حقيقة الدين في سلاسة وبساطة وسهولة ، وهذا ما يقدمه باقتدار هؤلاء الدعاة عبر وسائل الإعلام المختلفة ، ولا يمكن أن يكون التبسيط والتبسط اتهاما ، لكنه عبقرية في عرض المادة الدينية ، وهو من باب تبسيط العلوم المختلفة لغير المتخصصين ، فإذا كانت الساحة الثقافية تشهد إقبالا متزايدا على كتب تبسيط العلوم المختلفة مثل تبسيط علوم الحاسب الآلي والانترنت وخلافه ، ألا يعد تبسيط الخطاب الديني  ليصبح من ثقافة الناس الأساسية أمرا محمودا ومجهودا ضخما يحمد صاحبه والقائم عليه !!

 

2-     استهداف شرائح مختلفة وجديدة من المجتمع المسلم ، لاسيما شرائح الشباب والفتيات وشريحة أبناء المجتمع الأرستقراطي ، كانت الدعوة الإسلامية في عقودها القريبة السابقة تتهم بالنخبوية وتنتشر في أوساط المثقفين ، وتتغلغل في الشرائح الاجتماعية متوسطة الدخل ، فلما انتقلت إلى الإعلام بهذا الحضور القوي والعرض الجذاب ، استطاعت أن تتخطى هذه النخبوية وتنطلق إلى شرائح وقطاعات جديدة في المجتمعات الإسلامية ، واستطاعت أن تجذب شريحة ( أبناء الذوات ) بحسن العرض الذي وفق الله تعالى إليه هؤلاء الدعاة ، لتربط هذه الشريحة المترفة بدينها وتاريخها ومجتمعها ، بعدما كانت بعيدة عن كل ذلك ، وليس هذا بدعا في الإسلام فلقد آمن به أول مرة مصعب بن عمير أنعم فتى في مكة ، مع بلال بن رباح العبد الحبشي في مجتمع يتخطى بالأخوة حدود الطبقية الاجتماعية والاقتصادية ..

 

 

3-     اختراق الإعلام والفضائيات وتحقيق الانتشار الواسع من خلال تلك الوسائل ، وتقديم نظرية جديدة في الإعلام تقوم على المشاركة والتأثير بدلا من الرفض والمواجهة ، واستغلال المساحات الموجودة في الإعلام المتاح والقائم فعليا ما أمكن ، بدلا من انتظار قيام إعلام إسلامي مستقل بالكامل الأمر الذي يلاقي صعوبات جمة سياسية واقتصادية وتقنية ..

 

4-     تجسير العلاقة بين الحاضر والماضي أو تاريخ الأمة الإسلامية وحاضرها ومستقبلها .. هذا الربط الوثيق بين تراث الأمة وحاضرها ، والتركيز على أن الأمة الإسلامية أمة ذات تاريخ مجيد طويل ، وإنعاش ذاكرة الأمة ، مع محاولة بناء مستقبل مشرق على أساسات هذا التاريخ العريق يعد واحدا من أبرز ملامح هذا المشروع الدعوي الإعلامي ..

 

 

5-     التركيز على تقديم القدوة العملية الصالحة والمؤثرة في إصلاح المجتمع والحياة من خلال التركيز على تقديم نماذج الصحابة وأمهات المؤمنين وسلف الأمة الصالح ، فالقدوة في علم النفس والاجتماع هي أحد المحركات الأساسية للطاقات الإنسانية ، القدوة والمثل العليا هي عوامل النهوض الدائم بالفرد والمجتمع [1] ..

6-     الربط الوثيق بين العقيدة والعبادات في الإسلام من جهة وبين الأخلاق والمعاملات  من جهة أخرى .. وهو المعنى الكبير الغائب في حياة المسلمين .. والتركيز على معنى ( الإسلام للحياة ) وليس لدور العبادة فقط ..

 ومن العجيب أن يأتي الاتهام لهؤلاء الدعاة باختزال الدين في بعض العبادات الضيقة المحدودة ، من نقاد أقل ما يفترض فيهم متابعة ما ينقدون من ظواهر قبل أن يقوموا بنقدها ، فالمتتبع لبرامج هؤلاء الدعاة ، يجد أن أهم أولويات مشروعهم الدعوي هو التركيز على الأخلاق والمعاملات ، والربط بين الشعائر التعبدية وبين الحياة في محراب العبادة ، وأن سلاسل دعوية كاملة وكتب تصدر لهؤلاء الدعاة تركز على الأخلاق والمعاملات في الإسلام ، والربط بين العقيدة والعمل !!

 

7-     الانتقال بالفكر الإسلامي من مرحلة التنظير إلى مرحلة بناء المشروع العملي من خلال برامج مثل ( حتى يغيروا ما بأنفسهم – صناع الحياة – دواء السماء  - الدورات الإدارية والتربوية والتنمية البشرية  ) وهي برامج تركز على الإيجابية والإنجاز والعلم والعمل ومجموعات العمل ، وتعالج الأمراض والمشاكل النفسية ، وتقدم الخبرات المتراكمة في ترتيب الحياة وأولوياتها ، وتنظيم الأهداف ، وتغيير النفس والمجتمع ..

 

8-     استخدام وتفعيل مختلف الأدوات التقنية الحديثة في الدعوة إلى الله ( الفضائيات – الإنترنت  – الصحف واسعة الانتشار ) والاعتماد على نظريات الإبهار الإعلامي والفنون النفسية في التأثير على المتلقي وتوصيل المعلومة وإحداث الهدف ..

 

 

9-     إقامة قول الله تبارك وتعالى ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) الذاريات 55 ، فلا يجب أن يكون كل الوعظ أو التعليم أو التثقيف الديني جديدا ، وإلا فمن أين يأتي الجديد في الدين ، إن من بعض واجبات الدعاة والوعاظ بل والعلماء التذكرة والإلحاح في هذه التذكرة ، فقد يفتح الله على بعضهم في غالب الوقت بمعاني جديدة ودروس لم يسلكها أحد من قبلهم ، وقد لا يأذن بذلك فتكون دعوتهم تذكرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وإلا فكيف يخطب خطيب أو واعظ في مسجد واحد ما يتجاوز عدده مائتان وخمسون خطبة خلال فترة خمسة أعوام على أن تكون كلها موضوعات جديدة لم يسمعوا بها من قبل ! ما لم يتحول إلى كاتب صحفي يلاحق الأحداث ملاحقة ، ولو فعل لاتهم بالانخراط في السياسة وغيرها ..

 إن على الداعية والخطيب التجديد ، لكن هناك معاني لا تبلى على كثرة الرد ، والدين ليس تعليما بحتا مثل الرياضيات والفلسفة وغيرها نبدأ فيها من مستوى ثم الذي يليه وهكذا ، قد يكون المستمع أكثر ثقافة دينية من محدثه أحيانا ، لكن المتحدث ينفخ في الموضوع المعاد المكرور من روحه ونفسه وإخلاصه فيؤثر في السامع العالم أو المثقف تأثيرا وجدانيا .. وإلا فما حكمة تكرار تلاوة القرآن الكريم ، وهو كتاب علمنا بكل يقين نهاية كل حادثة أو قصة فيه ، لكن الكتاب الذي يعظ القلوب ويذكر النفوس لا يخلق على كثرة الرد ، ولذا يطالبنا الإسلام بقراءته كل يوم دونما ملل أو توقف ..

 

10-   التركيز على السير الذاتية ، وأهميتها أنها تحوي كل شيء من عقيدة إلى تفسير إلى مواقف إلى عبادات إلى بطولة وشجاعة وإقدام وفداء ، وهكذا تستطيع أن تتناول فروع الدين كله من خلال عرض شخصية ما من الشخصيات الإسلامية الفذة ..

 

11-   التفاعل مع ما يستجد من قضايا الأمة ، والظواهر الاجتماعية المختلفة والمستحدثة فيها ، وتقديم رؤية جديدة لبعض القضايا العالقة ، مثال التعايش مع الآخر ، والحوار مع الغرب ، ومواجهة ظواهر اجتماعية سلبية مثل المخدرات والتدخين وخلافه ..

 

كيف يمكن تفسير ظاهرة دعاة بلا عمائم ؟

لقد أصبح لهؤلاء الدعاة عبر الفضائيات جماهير واسعة بمئات الملايين ، بحيث لم يعد انتشارهم وتأثيرهم محل شك أو مزايدة ، ورغم هذا الانتشار الواسع السريع ، ورغم هذا التأثير الإيجابي على الشباب المسلم في الاتجاه الصحيح ، اتجاه التمسك بالقيم والأخلاق ، فإن بعض المراقبين يذهبون في تفسير ظاهرة انتشار هؤلاء الدعاة كل مذهب يلقي بظلال من الريبة والشك عليهم ، مع التركيز على الجوانب السلبية فقط ، أو محاولة إيجاد صورة سلبية لهؤلاء الدعاة ، بعيدا عن التفسيرات المنطقية التي أدت للانتشار الجماهيري  الواسع لهؤلاء الدعاة ، والحقيقة أن ظاهرة الانتشار الإعلامي للدعاة الجدد أو الدعاة بلا عمائم كشفت عن :

 

أ – حاجة الشباب إلى الدين ، أو حاجة المجتمع كله بمختلف أجياله وشرائحه إلى تعاليم الدين في سهولة ويسر ، ولعل بعض الدراسات الاجتماعية والاستبيانات التي يجب إجراؤها لقياس مدى تغلغل وتأثير الدعاة في الإعلام على المجتمعات الإسلامية ستثبت قوة هذه الحقيقة .. 

ب – الاستفادة المتبادلة بين الإعلام والفضائيات من جهة وبين الدعاة من جهة أخرى في زمن الإعلام التجاري القائم على التمويل الجماهيري ، لتسقط مقولة سيطرت على الإعلام العربي حقبة من الزمن ، تدعي أن الجمهور يريد الغث الرديء على حساب الجيد الثمين ، فالجمهور يريد الإعلام المحترم المتدين وهذا هو الدليل ..

 

جـ - حاجة المجتمع إلى تجديد وتنويع مادة الخطاب الديني وطرق عرضه ووسائل الجذب إليه ، والتجديد في الشكل والمضمون ولغة الخطاب ..

 

د – عجز الدعاة الرسميين ووعاظ المساجد عن تلبية الحاجة الاجتماعية للدين ، لأنهم تحولوا - كما يقول عنهم الرافعي - إلى أنصاف وعاظ يقدمون نصف وعظ ليس فيه أثر من حرارة أو انفعال ، لقد أراد المجتمع أن تعود الحياة بمعناها الواسع  إلى المسجد ، أو أن يعود المسجد إلى الحياة  ..

 

في النهاية يبقى السؤال المهم : لماذا تتم المقارنة الظالمة بين العلماء والمفكرين من جهة وبين الدعاة من جهة أخرى ؟ ، أليس لكل فريق دوره ومجاله ؟ ، ألا يتسع الإسلام لأدوار العلماء والمفكرين والدعاة والوعاظ على السواء ولكل دوره وأسلوبه ووسائله ، والجميع مطلوب ومقبول في الدعوة الإسلامية  ؟ ، أليست المقارنة العادلة تكون بين فئة وعاظ المساجد وبين الدعاة الجدد باعتبار طبيعة أعمارهم المتقاربة ،  ونوع التعليم الذي تلقاه كل منهم ، مع التنويه إلى أن وعاظ المساجد أكثر تخصصا من حيث الدراسة الشرعية ولكن الساحة أظهرت عجزهم التام أمام هؤلاء الدعاة الجدد في التأثير والهيمنة على الشباب خاصة ؟

هل قامت دراسة أو استبيان يستهدف فئة الشباب يحوي سؤالا : لماذا يتأخر الشاب عن الذهاب إلى المسجد لحضور خطبة الجمعة رغم جزيل الأجر على ذلك ، وحرصه على متابعة برنامج دعوي عبر الفضائيات منذ بدايته ؟

 

ليس المطلوب من هذا النمط من الدعاة أن يتحول إلى مفكرين وفقهاء وعلماء متخصصين في علوم الشرع ، فلكل مجاله وأدواته ، وهذا التحول يحتاج إلى تخصص ودراسة طويلة مضنية ، لكن المطلوب من الإعلام الموازنة في تقديم البرامج بين هؤلاء جميعا ، فحصص لبرامج دعوة الشباب والدعاة العصريين ، وحصص أخرى لبرامج الإفتاء ، وثالثة للفكر الإسلامي ، ورابعة للثقافة الإسلامية العامة ، وهكذا ..

قد أزعم بوجود هذا النوع العادل من التوزيع في الفضائيات ذات الطابع الإسلامي تحديدا ، غير أن نقادها مصابون بداء خطير هو داء الرؤية الانتقائية وبالتالي النقد الانتقائي ، بمعنى التركيز على برنامج معين في إطار خطة برمجية متكاملة لنقده منفردا ، وأخذه دليلا على السطحية والتهميش من ناحية ، والتركيز داخل البرنامج الواحد على حلقة أو عدة حلقات تركز على الحجاب والعبادات فقط وسحب النقد على مجموع حلقات البرنامج الذي يتناول عناصر أخرى مثل العلم والنجاح والعمل والحضارة والإنتاج ، والاقتصاد والإعلام وخلافه ..

وهذا انتقاء إما يدل على ضعف القائمين بالنقد عن واجبات وظيفتهم من الحيادية والشمول والتأني في الدراسة وإصدار الأحكام ، وإما متعمد لتشويه التجربة الإعلامية الإسلامية ووصمها بما ليس فيها من التهميش والسطحية والاختزال ..

 



[1]  - أ . د محمود عكاشة وكيل كلية التربية جامعة الاسكندرية وعميد معهد الخدمة العالي بدمنهور كتاب علم نفس النمو ص 486

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 17 فبراير, 2008 10:11 م , من قبل تونسي وأفتخر93
من تونس

تعليق منطقي يا أخي لكن أختلف معك فبي هذا التعبير "لقد أراد المجتمع أن تعود الحياة بمعناها الواسع إلى المسجد ، أو أن يعود المسجد إلى الحياة " فالمسجد حي لم و لن يموت لكن الطريقة التي يقدم بها الخطاب التقليدي هي طريقة جعلت الخطاب مشوشا بين الطرفين المرسل والمرسل إليه


اضيف في 19 فبراير, 2008 12:54 م , من قبل alaasaad19
من المملكة العربية السعودية

أهلا وسهلا ومرحبا بنسور قرطاج

أحب تونس الخضراء ذات العلم الحمر

حياك الله أخي تونسي وتفتخر

ولك كل الحق بفخر بتونسيتك العربية المسلمة

وشكرا على مشاركتك ورأيك الكريم




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.