دعاة بلا عمائم ( 1 – 2 ) ظاهرة دعاة بلا عمائم ليست ظاهرة جديدة ولا مستحدثة ، لكنها برزت للوجود منذ أكثر من سبعين عاما حينما انطلق ( حسن أفندي البنا ) مدرس الابتدائي بالبذلة الإفرنجية والطربوش داعيا إلى الله في مقاهي الإسماعيلية .. فلم يكن حسن البنا شيخا من مشايخ الأزهر يظهر للناس بالجبة والعمامة ، ولكنه كان خريج دار العلوم ، كان أفنديا ولم يكن شيخا ولم يقعده ذلك عن الدعوة إلى الله ، كان الأستاذ البنا امتدادا لدعوة الإصلاح في العالم الإسلامي التي حمل لواءها الأستاذ جمال الدين الأفغاني ثم رفعها تلميذه من مصر الشيخ محمد عبده ثم تلميذ الشيخ عبده الشيخ محمد رشيد رضا ، وكان البنا امتدادا لتلك الدعوة الإصلاحية وكان هو بين هؤلاء الذي لم يحمل لقب شيخ ولم يكن معمما ، ولكنه كان مطربشا ، وكما كان يحلو للأفغاني أن يجمع الناس حوله في المقاهي ، فقد بدأ البنا دعوته من المقاهي .. " لقد كان أسلوب الدعوة التي حمل لواءها الأستاذ البنا له مظهر خاص وطبيعة مختلفة ، فهو لم يبدأ في المسجد ، وإنما بدأ من المقهى ، فقد كان الهدف أن يصل إلى من هم مازالوا خارج المسجد ، أولئك الذين تشغلهم الحياة ولهوها ، ولذلك فهو قد آثر اقتحام المقاهي ساعة أن تكون غاصة بالناس ، ولقد كان لهذا الأسلوب الجديد أثره البعيد ، فقد استطاع أن يكسب نفوسا غافلة ، وأن يفتح آذانا صما وقلوبا غلفا . " [1] ، هذا من ناحية مكان الدعوة الذي انتقل له البنا وجمهور الدعوة الذي تعامل معه ، أما من حيث شكله ومظهره هو فيقول محدثا عن نفسه في هذه الناحية : " لما وصلت إلى المطرية وجدت تبسما عند اللقاء بصورة تلفت النظر ، فلما سألت قيل : إنك فاجأت الناس بما لم يكونوا ينتظرون ، فهم كانوا يترقبون أن يروا شيخا فخما ضخما ، كبير السن جليل المظهر ، فإذا بهم يلقون فتى لم يصل إلى الخامسة والعشرين ، فعليك أن تعيد في نفوسهم الطمأنينة ، وأن تبذل جهدا كبيرا في الإقناع ..... ، وألقيت الكلمة في المساء في سرادق غاص بالأهلين ، لا يبلغ البصر مداه ، وفي نهايتها أقبل الكثير يصارحوني بشعورهم ، وبأنهم إلى تلك اللحظة كانوا يترقبون أن يروا مظهرا فرأوا مخبرا ، وذلك فضل الله " [2] ، ويحكي الأستاذ محمود عبد الحليم عن أول لقاء له به فيقول : " ودخلنا غرفة كبيرة ثبت على جدرانها رفوف خشبية مملوءة بالكتب والمجلدات ، ورأينا مكتبا تحيط به الرفوف من كل جانب يجلس إليه شاب أبيض الوجه مستديره ذو لحية سوداء يرتدي بذلة وعلى رأسه طربوش ، فكان هذا منظرا عجيبا حيث لم يكن مألوفا في ذلك الوقت أن يكون أحد معفيا لحيته إلا ويرتدي جبة وعمامة " [3] .. أما من ناحية ما يتناوله الداعية الجديد من موضوعات وما يقرع به سمعهم من كلمات فقد كان مختلفا شديد الاختلاف ، يروي اللواء صلاح شادي عن أول محاضرة سمعها له فيقول : " وكنت لا أميل إلى سماع المزيد من الحديث عن نواقض الوضوء أو فرائض الصلاة من المشايخ ، الأمر الذي لم أكن أتوقع أن أسمع سواه من الشيخ حسن البنا ، ولكن إزاء إصراره على الذهاب لحضور هذا الحفل لم أجد بدا من صحبته إلى هناك كارها ، وسمعت الرجل يتحدث لا عن نواقض الوضوء وفرائض الصلاة التي يعرفها غالب المسلمين ، وإنما عن جوهر الإسلام ، هذا الدين الذي يحل مشاكل العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فضلا عن مشاكل النفوس التي يعانيها شباب الجيل وأنا منهم بسبب فقدان الانتماء " [4] .. وهذا الذي أوردناه في هذا السياق إنما قصدنا به الإشارة إلى بداية هذه الظاهرة الدعوية من الناحية التاريخية ، بصرف النظر عن الاتجاه التنظيمي أو الفكري الذي مثله الأستاذ البنا فيما بعد ، لأن ظاهرة الدعاة التي نتناولها ظاهرة عامة أوسع من الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة .. منذ ذلك التاريخ البعيد بدأت الظاهرة وبدأت مدرسة جديدة في الدعوة إلى الله .. مدرسة تحمل مفهوم دعاة بلا عمائم ، دعاة ليسوا من خريجي الأزهر الشريف والمعاهد الدينية ، ولكنهم يحملون الدعوة بين جوانحهم يعيشون بها ويموتون من أجلها .. ولقد وصفهم الأستاذ الرافعي فقال عنهم في مقالته ( قصة الأيدي المتوضئة ) بعدما وصف حال خطيب الجمعة على منبر المسجد ليعقد مقارنة بين الوعاظ والمشايخ والخطباء وبين هذا الجيل الشاب من الدعاة الجدد ، وأطنب في وصف هذا الخطيب البارد المشاعر وسيفه الخشبي إلى أن قال على لسان السيف الخشبي : " ويحكم لو أنه كان لخطيبكم شيء من الكلام الناري المضطرم ، لما بقيت الخشبة في يده خشبة . وكيف يمتلئ الرجل إيمانا بإيمانه ، وكيف يصعد المنبر ليقول كلمة الدين من الحق الغالب ، وكلمة الحياة من الحق الواجب – وهو كما ترونه قد انتهى من الذل إلى أن فقد السيف روحه في يده ؟ أيها المسلمون ! لن تفلحوا وهذا خطيبكم المتكلم فيكم ، إلا إذا أفلحتم وأنا سيفكم المدافع عنكم . أيها المسلمون ، غيّروه وغيّروني .. ولما قضيت الصلاة ماج الناس إذ انبعث فيهم جماعة من الشبان يصيحون بهم ويستوقفونهم ليخطبوهم ، ثم قام أحدهم فخطب ، فذكر فلسطين وما نزل بها ، وتغير أحوال أهلها ، ونكبتهم وجهادهم واختلال أمرهم ، ثم استنجد واستعان ، ودعا الموسر والمخفّ إلى البذل والتبرع وإقراض الله تعالى ... وكان إلى جانبي رجل قروي من هؤلاء الفلاحين الذين تعرف الخير في وجوههم ، والصبر في أجسامهم ، والقناعة في نفوسهم ، والفضل في سجاياهم ، فقال لرجل كان معه : إن هذا الخطيب خطيب المسجد قد غشنا ، وهؤلاء الشبان قد فضحوه ، فما ينبغي أن تكون خطبة المسلمين إلا في أخص أحوال المسلمين .. ونبهني هذا الرجل الساذج إلى معنى دقيق في حكمة هذه المنابر الإسلامية .. وخيل إلي بعد هذا المعنى أن كل خطيب في هذه المساجد ناقص إلى النصف ، لأن السياسة تكرهه أن يخلع إسلاميته الواسعة قبل صعوده المنبر ، وألا يصعد إلا في إسلاميته الضيقة المحدودة بحدود الوعظ هو مع ذلك نصف وعظ ... فالخطبة في الحقيقة نصف خطبة ، أوكأنها أثر خطبة معها أثر سيف .. " [5] ، ثم أخذ الرافعي بعد ذلك يبين صفات هؤلاء الشباب ومآثرهم .. لقد كان هذا الذي كتبه الرافعي في مقاله قبل أكثر من نصف قرن من الزمان ، فظاهرة الدعاة بلا عمائم ، أو الدعاة الجدد كما يسميهم الإعلام المعاصر ليست ظاهرة جديدة كما يتوهم الناس ، لكنها ظاهرة قديمة امتدت في حياة الأمة أوجدتها ظروف خاصة وضرورات اجتماعية ملحة منها : - سطحية التعليم الديني وهامشيته وعدم استمراريته .. إن غالبية أبناء المجتمع من أصحاب التعليم المدني المتوسط منه والعالي تنقطع صلتهم بالتعليم الديني بانتهاء المرحلة الثانوية ، هذا التعليم الذي لم يكن يشكل في الأساس بُعدا جوهريا من حيث الأهمية في مجموع الدرجات الذي يؤهل الطالب إلى الكليات المختلفة ، وبالتالي تتوقف المعرفة الدينية للمجتمع كله تقريبا عند ما درس أبناؤه من قشور حتى تلك المرحلة ، فكيف ينمي الفرد العادي ثقافته الدينية ؟ - اقتصار النشاط الدعوي والوعظي والإرشادي على خطبة الجمعة والعيدين .. تلك التي ينام عنها أو فيها هذا الصنف من المتمدينين وهم سواد المجتمع الأعظم ، مع الأخذ في الاعتبار مستوى الخطبة ومستوى الخطيب ، كما جاء في مقال الرافعي منذ أكثر من نصف قرن ، والذي لم يتغير حتى الآن ، فالقاعدة العامة هي ضعف الخطبة وضعف أداء الخطيب كأنها نصف خطبة أو أثر خطبة ليس معها أثر سيف ، ولا يشذ عن ذلك إلا النوابغ من الخطباء وهم لا يغطون حاجة المجتمع كله .. - عدم قدرة الوعاظ وخطباء المساجد على التغلغل في مؤسسات المجتمع المختلفة باعتبار ارتباطهم بمساجدهم ووظائفهم الرسمية ، ناهيك عن صعوبة اختراق المعاهد التعليمية والنوادي والنقابات والدوائر الحكومية وخلافه .. - غياب المرأة والفتاة عن أي نوع من أنواع الثقافة والمعرفة الدينية بعد المرحلة الثانوية ، والتي كانت تدرس فيها القشور بطبيعة المرحلة العمرية وطبيعة تدريس المادة وأهميتها من حيث النجاح والرسوب وخلافه ، مع عدم قدرة المرأة في الغالب الأعم على حضور وشهود الصلوات وخطب الجمعة في المساجد ، فمن يأتيها بمعرفة دينية ضرورية لحياتها اليومية على قواعد الشرع ؟ - طبيعة الإسلام نفسه الذي لا يعرف الفصل بين رجال الدنيا ورجال الدين .. فالمسلمون جميعا أصحاب رسالة سواء في ذلك صاحب العلم المدني أو الشرعي ، وإنما تختلف درجة التبليغ على حسب درجة العلم ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : بلغوا عني ولو آية .. وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه[6] .. لكل هذا رأينا حملة الإسلام في عهده الأول كانوا من أصحاب المهن والحرف الدنيوية ، فأبو بكر وعثمان وطلحة وبن عوف من كبار التجار ، وصهيب الرومي كان صانعا ماهرا .. واستمر هذا الأمر حتى وجدنا علماء الطب والرياضيات والفلك والكيمياء وغيرهم من جهابذة المسلمين يبدؤون بعلوم الشريعة وينتهون بها ، ولأغلبهم مؤلفات في العلم الشرعي كما لهم مؤلفات في علوم الحياة .. وأئمة المذاهب وفقهاء الأمة العظماء كانوا يمتهنون مهنا دنيوية يتكسبون منها مثل التجارة وغيرها فلم يكن منهم من يأخذ أجرا على العلم ، حتى الأنبياء أنفسهم كانوا أصحاب حرف .. وما ظهرت الحاجة إلى التخصص الدقيق في العلوم إلا في العصور المتأخرة لما تشعبت العلوم وضعفت الذاكرة فاحتاج الناس إلى التخصص ، ولكن هذا لا يمنع أن يكون كل مسلم داعيا إلى الإسلام في حدود علمه وثقافته الدينية ، على أن يحترم التخصص في العلم والفقه والفتوى .. من أجل هذه الظروف وغيرها كان لابد أن يقوم بالدعوة إلى الدين والتثقيف به والتعريف بتعاليمه شباب من الدعاة من أرباب المهن الدنيوية والتعليم المدني ممن يعرفون بالدعاة بلا عمائم ، ولقد تربينا جميعا على أيدي هؤلاء ، لقد تعلم هؤلاء بعض فنون الدعوة ، فانطلقوا بما تعلموا مبشرين ودعاة ، فاقتحموا الجامعات والمعاهد التعليمية والنقابات والمؤسسات المهنية المختلفة والنوادي الرياضية والاجتماعية ، انتقل هؤلاء بالدعوة إلى حياة الناس ، لم يؤلفوا علما ولم يدّعوا أنهم أصحاب فتوى ، لكنهم كانوا ينقلون ما يتعلمون ويبلّغون ما يدرسون ، فكتب للدين على أيديهم حياة في حياة الناس وواقعهم من جديد .. إن الذي جد على هذا الواقع واقع ( دعاة بلا عمائم ) أن الإعلام قد سمح لهم أخيرا - وبعد مرور قرابة سبعين عاما على انطلاق المطربش الأول في مصر داعيا إلى الله تعالى ومبلغا ما فقهه في الدين ابتداء من المقاهي والنوادي - سمح لهم الإعلام أخيرا بالظهور إلى ساحاته وتصدر نواصي التوجيه فيه بعدما سمح عقودا طويلة لكل من هب ودب ليفتي في الدين مخربا العقول والقلوب خاصة عبر الدراما التمثيلية .. سمح لهم الإعلام أخيرا بالظهور إما عن اقتناع بالحاجة إليهم لجمع الشباب حول شاشاته المتنافسة في زمن الفضائيات ، أو جذبا للإعلانات التجارية والاتصالات الهاتفية ذات الدخل الوفير في عصر الإعلام التجاري ، وإما ذكاء من هؤلاء الدعاة الذين اقتحموا الإعلام اقتحاما فأثروا تأثيرا غير محدود .. ليس الجديد إذن ظاهرة دعاة بلا عمائم ولكن الجديد هو ظهورهم الإعلامي القوي والمؤثر بسبب المتغيرات الضخمة والمتسارعة على الساحة الإعلامية .. الظاهرة لا تمثل فردا بعينه بقدر ما تمثل تحالف مجموعة من الدعاة والمجددين ذوي الكفاءات الإعلامية والنفسية والإدارية والعلمية المختلفة ، وهم يقدمون المعرفة الدينية البسيطة ، ويقدمون الدورات الإدارية على أعلى مستوى وهكذا يتنوع خطابهم الديني والإصلاحي للجماهير والشباب . [1] - من كتاب حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد لأنور الجندي ص 40 [2] - المرجع السابق ص 46 [3] - كتاب الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ص38 [4] - كتاب صفحات من التاريخ للواء صلاح شادي ص 41 [5] - وحي القلم للرافعي .. ج2 ( قصة الأيدي المتوضئة ) ص 24 – 25 [6] - فقه السيرة للبوطي ص 339
.
.
الخميس, 31 مايو, 2007
تجدد الهجوم على ( الدعاة الجدد ) أو دعاة الفضائيات ( دعاة بلا عمائم ) وعلى مؤسس مدرستهم الحديثة ( عمرو خالد ) بمناسبة حصولة على جائزة مجلة التايم الأمريكية ، وذهابه لأمريكا لتسلم الجائزة ..
وهذا بحث بسيط ومختصر كنت قد أعددته سابقا عن ظاهرة ( دعاة بلا عمائم ) النشأة والتطور
دعاة بلا عمائم
على أن وخطب الجمعة والعيدين والتي غالبا ما ينام عنها هذا النوع من المتمدينيين
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








