خطـــأ في شـهـــادة وفـــــاة !!! مع الاعتذار لأخي وصديقي الدكتور محمد دسوقي ( للاقتباس من عنوان رائعته الراقية أدبيا وشعوريا وعاطفيا : شهادة وفاة ) لم يكن أصعب علي كطبيبة منذ عينت بوزارة الصحة من الانتقال إلى البيوت للكشف عن جثث الموتى لإصدار شهادات الوفاة .. كنت أشعر أنني عينت بمكتب حانوتي .. إن دخول بيوت الأسر التي أصيبت بحالة الوفاة يكون دائما محفوفا بالمخاطر ، منطويا على الكآبة ، متفجرا بالحزن ، مترعا بالأسى .. كان هذا هو السبب الوحيد الذي يؤرقني ، ويدعوني للبحث عن وظيفة طبيبة في مكان آخر .. رغم أنه أصبح عملا روتينيا يجب أن أعتاد عليه .. لكنني حتى لحظتي هذه لم أكن قادرة على التعايش معه .. إن قيامي بفتح ( خراج ) وتنظيفه ، أو خياطة جرح نازف ، رغم ما في ذلك من معاناة للمريض المتألم ، والمستسلم رغما عن إرادته بين ذراعي لمشرطي وأدواتي ، وما يحركه من تعاطف إنساني مع الألم ، كان أهون عندي من مطالعة صورة الموت ، وتشمم رائحته .. عم إبراهيم عامل الصحة ، كان يرمقني بنظرة مشفقة كلما تقدم إلينا أحدهم يطلب استصدار شهادة وفاة .. كان الرجل الذي قضى أكثر من ثلاثين سنة من عمره في هذا العمل ، وفي هذا الموقع بالتحديد ، قد تآلف مع ما يقوم به من عمل تماما .. لكنه كان يعاملني كابنته ، وإن لم يصرح لي بذلك أبدا .. ربما خجلا من نفسه أن يعتبر الطبيبة مثل ابنته !! لكني كنت أشعر بأبوته وحنانه ، خاصة حين تدهمني مصيبة القيام بتدوين شهادة وفاة .. في سيارة الصحة رافقنا الشاب الذي جاء مبلغا عن حالة وفاة ، عرفت منه أن المتوفاة هي شقيقته ، امرأة شابة في مقتبل العمر ، تركت خلفها زوجا وأربعة زهور بريئة .. أشفقت على نفسي أكثر من ذي قبل ، وأنا مقدمة على معاينة جثة لامرأة مثلي لا تكبرني سنا سوى بأعوام قليلة .. وتخيلت هدير الحزن الذي سيصطدم بوجهي لحظة الوصول إلى البيت .. أمام البيت كان المنظر المعتاد في مثل هذه المناسبات .. عشرات المقاعد أعدت أمام المدخل ، يجلس عليها الرجال .. وحركة عاجلة في مدخل البيت ، أما النساء فكن في الطابق الأعلى ، لم أسمع لهن صوتا كما توجست من قبل ، وإنما أحسست بحرارة شديدة رغم كوننا في فصل الشتاء ! كنا في شهر ديسمبر حيث البرد القارص .. لقد كانت حرارة الحزن الصامت تكوي أفئدة أهل الميتة وجيرانها .. دخلت إلى الغرفة المغلقة على النهاية الوحيدة الأكيدة في هذه الدنيا ، يرافقني عم إبراهيم ، وشقيق المرأة .. على الفراش طالعني الوجه المكدود من أثر معركة طويلة ، أو قصيرة ، ضارية وغير متكافئة مع المرض الخبيث .. رغم ذلك شعرت بطمأنينة وسكينة تلف الوجه المودع للحياة !! لم يكن في سبب الوفاة شك .. أثر ( الكانيولات ) في أماكن متفرقة من الذراعين ، وعلى جانبي الرقبة ، يؤكد على مستوى الرعاية الطبية التي حظيت بها المريضة قبل وفاتها .. سجلت البيانات المطلوبة في شهادة الوفاة ، ثم خرجت من الغرفة .. طالعني وجه شاب أو كهل ، لم أستطع التحقق على وجه الدقة .. كان يقف بالقرب من الباب متلهفا على الدخول .. لقد كان وجه شاب ، شاب رأسه قبل الأوان .. عرفت من همهمات حولي أنه زوجها .. تفحصت وجهه من جديد .. لم أدر لما غلبني الفضول لتفحصه بهذه الدقة .. نظرت في عينيه .. لم يكن فيهما نظرة حزن أو جزع .. أو حتى إشارة إلى الثبات والصبر كان فيهما فراغ .. ضياع .. كانت العين المطبقة للمرأة المتوفاة بالداخل أكثر تعبيرا من عينيه التي تنمان عن اللاشيء !! إن أول شيء ينظر إليه الطبيب للتأكد من حدوث الوفاة بعد قياس النبض عن طريق رسغ المتوفى ، هما عينيه .. إن عيني الميت تفقدان بريقهما ولمعان الحياة خلال أقل من ثانية .. لقد شاهدت تلك العينين التي حسبت أنني خلفتهما ورائي في الداخل .. شاهدتهما أمامي من جديد .. عينان فقدا كل اتصال لهما بالحياة والأحياء .. لقد كان الرجل الواقف قبالتي ، أيا كان عمره .. صورة مجسدة للموت .. ونظرت في دفتر تصاريح الدفن .. راجعت الاسم الذي دونته قبل دقائق بعناية شديدة .. وهممت أن أسأله ، أو أن أسأل أحد الموجودين حوله عن اسمه .. وأن أصحح الاسم المدون بالدفاتر .. لقد أدركت أنني أخطأت في تحرير شهادة الوفاة ..
.
.
الجمعة, 20 ابريل, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 21 ابريل, 2007 10:09 م , من قبل asameh3000
من قطر
من قطر

السلام عليكم،
اخي الكريم علاء...
غبت عنا طويلا... ولكن كنت اعلم انك تستعد بعدة ابداعات جديدة
اخي الكريم...
لست ادري بم ابدا... فقط اود ان اعبر لك عن تقديري لحزنك ، ولكن حقيقي قلق "واسمح لي بذلك .. طالما انك ادخلتنا معك بيتك " كنت اتمنى عليك ان تبدا النظر الى قادم الايام سريعا من اجلك زهورك الاربعة ، فهم قطعا يحتاجون الكثييييييييييييير جدا من العناية والاهتمام واشاعة جو عادي خالي من الحزن الشديد المستمر حتى لا يؤثر على صحتهم النفسية
ارجو ان لا تدخلت اكثر من اللازم
ولكني سمحت لنفسي بان اكون اخا لك في الله
احمد سامح
اضيف في 28 ابريل, 2007 08:06 م , من قبل م. محمد إلهامى
من مصر
من مصر

أحسب أن العيون المسبلة ، لو عادت إلى الحياة ما تمنت إلا أن تتمثل العيون الفارغة قولة أبي بكر الخالدة :
طبت حيا وميتا
ثم خرج فقال :
على رسلك ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










من مصر
وفاء نادر