الأزهر .. غيبة وتغييب !! كم للأزهر من مكانة في النفس ، وحب في القلب ، وجرس خاص عند السماع في الأذن .. ولا أزعم أنني أنفرد بهذا الحب الطاغي والاحترام الضافي للأزهر الشريف ، ولكني على ثقة بأن للأزهر هذه المكانة الرفيعة الفريدة في قلب كل مسلم عرف شيئا من تاريخ الأزهر ودوره في حفظ مكانة الإسلام ، ونشر نوره في ربوع الأرض .. من هذا المنطلق ، منطلق الحب والإعزاز والتقدير . أتساءل مع كل محب مخلص للأزهر عن دوره المعاصر في حياتنا الآنية ؟ إن كل مقارنة موضوعية مع تاريخ الأزهر ونضاله في أزمان سابقة ، ولنأخذ على سبيل المثال فترة الحملة الفرنسية على مصر .. هل تكون في صالح الدور الذي يقوم به الأزهر في حياتنا المعاصرة ؟! الأزهر من وجهة نظري – المتواضعة – ليس فصيلا سياسيا ، فهو يمثل بالنسبة لي المرجعية ، والمرجعية تعلو ولا يعلى عليها ، المرجعية التي يحتكم إليها المتخاصمون إذا اختلفوا ، والتي تشكل هوية الأمة ، وتحفظها من الذوبان أو التآكل ، وأنا لا أبني وجهة نظري هذه على خيالات ، بل أبنيها على قول الحق تبارك وتعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59 فمن يمثل أهل الذكر في كل مسائل ديننا الحنيف ، إن لم تمثله مؤسسة الأزهر ورجاله وعلماؤه ؟! وأبني وجهة نظري كذلك على مكانة الأزهر في الواقع المصري ، حيث لا تستطيع المؤسسة السياسية أن تمرر أمرا من أمور الحكم على تماس مع الدين ، دون أن ترجع إلى المؤسسة الدينية ممثلة في الأزهر الشريف ، إن لم يكن ذلك من قبيل الدستور ، فهو على أقل تقدير من قبيل احترام التدين الطبيعي للشعب المصري .. وإذا كان شيخ الأزهر في مصر بدرجة رئيس وزراء من الناحية الوظيفية ، فإنه يمثل أعلى درجة من درجات السلطة التنفيذية في الدولة ، وهذا يمثل الرؤية الرسمية للمؤسسة السياسية في مصر لدور الأزهر ومكانته !! الأزهر إذن يمثل المرجعية الحقيقة للأمة ، ولقد سعدت وأنا أسمع تصريح الدكتور مصطفى الفقي المعبر عن نظرته للأزهر ورئيسه ، حين قال في مقابلة فضائية : إن شيخ الأزهر ، يمثل إمام أهل السنة في العالم .. ربما اختلف الكثيرون – خاصة – من خارج مصر ، مع هذا التصور للدكتور الفقي ، لكنني أتفق معه تماما في أن الأزهر لابد وأن يمثل مرجعية لأمة ، هي في أمس الحاجة لمرجعية واضحة حاسمة يرجع إليها الناس في أمور دينهم ، وفيما اختلفوا فيه من مستحدثات الأمور .. ولست هنا أعيد طرح إشكالية علاقة الدين بالسياسة ، وما تقتضيه في الآونة الأخيرة من جدل واسع وخلاف محتدم بين تيارات متنافرة ، ولا أقصد كذلك بدور حاضر وفاعل ، توريط مؤسسة الأزهر أو إغراقه في العمل السياسي ، أو التجاذبات السياسية القائمة ، بصرف النظر عن كونه طرفا فاعلا في مثل هذه القضايا السياسية عبر تاريخه الطويل ، حيث كان قلعة الوطنية في وجه أي احتلا أو فساد ! ولا أقصد بذلك أيضا أن أزج بمؤسسة الأزهر في قوائم المعارضة للنظام الحاكم . لكن ما أقصده أن يكون للأزهر كلمة الفصل في كثير من قضايا حياتنا المعاصرة الملتبسة ، والتي وفدت إلينا عبر مصطلحات مستوردة في معظمها أو مجموعها .. لا يعنيني هنا أن تكون القضية المثارة قضية سياسية أو اقتصادية ، فما يعنيني كمواطن عادي بسيط ، أنها قضية حياتية ينبني عليها عمل ، وتترتب عليها نتائج تمس بمعيشة المواطن اليومية .. من هذه القضايا المثيرة للجدل قضايا وملفات ، بعضها دخل ضمن التعديلات الدستورية الأخيرة في مصر ، وبعضها مثار بشكل إعلامي مكثف في مصر ومختلف المجتمعات الإسلامية ، مثل : - المواطنة – الالتباس بين الدولة الدينية والدولة المدنية – منع تأسيس الأحزاب ذات المرجعية الدينية ، وبالتالي الدول ذات المرجعية الدينية ، على خلاف مع أوربا التي يوجد بكبرى الدول فيها أحزاب مسيحية مثل ألمانيا وإيطاليا ، وغيرهما ، وتركيا ذات النظام العلماني التي سمحت بتأسيس حزب مدني ذو مرجعية إسلامية !! - الولاء في الإسلام يكون على أساس العقيدة أم على أساس الجنسية والمواطنة ؟ - حدود الحرية الفكرية ، وحرية الإبداع ، وحرية الرأي والتعبير هناك كثير من القضايا الشائكة والملتبسة ، وأكثرها محسوم من قبل أصحاب التوجه الإسلامي ، غير أن كثرة الجدل حولها ، وإثارتها وتكثيف اللغط الإعلامي حولها ، يحتاج في المقابل إلى رأي قاطع من المرجعية الإسلامية الموثوقة لدى الجميع .. إن غياب دور الأزهر في القضايا الساخنة المثارة ، أو تغييبه أو محاولة التعتيم على رؤيته واجتهاد علمائه ، يعطي الفرصة في المقابل لتيارات إسلامية ، لا أشك في إخلاصها ونواياها وعاطفتها ، ولكني أشك بالتأكيد في مدى إلمامها الكامل بالعلوم الشرعية ، وقواعد الفتوى ، وتنزيل الأحكام الشرعية السليمة على القضايا المعاصرة .. ليس من المعقول أن يتصدى لمثل هذه القضايا المثارة ، تيارا إسلاميا هو في الوقت نفسه فصيلا سياسيا معارضا ومنافسا لنظام الحكم القائم !! إن حكماء هذا التيار وعلى رأسهم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح صرح عقب الانتخابات البرلمانية الفائتة التي قال الشعب فيها كلمته لصالح التيار الإسلامي ، قال : لا تعطونا الفرصة لاحتكار الإسلام ، فنحن لسنا أوصياء على الدين .. إن صمت مؤسسة الأزهر أو غيابها أو تغييبها ، عن واقع الحياة المعاصر يدفع بقوة وإصرار نحو احتكار الدين من قبل تيار الإسلام السياسي .. أو على الأقل التصدي الدائم من قبلهم للحفاظ على ثوابت الدين .. إن مداولات ونقاشات حقيقية تدور الآن داخل التيار الإسلامي ذاته حول فصل الدعوي عن السياسي .. في هذه الحالة يتصدى للعمل السياسي بكافة أشكاله ، حزبا سياسيا مدنيا ذو مرجعية إسلامية ، يتكون من كوادر وقواعد سياسية متخصصة ومتمرسة .. فتحت أي مظلة يمكن أن يمارس العمل الدعوي دوره بعيدا عن هيمنة الحزب السياسي ؟ إن المظلة الحقيقية التي يمكن أن يندرج تحت لوائها العمل الدعوي ، هو المؤسسة الإسلامية المرجعية في الأمة ، إنها مؤسسة الأزهر الشريف .. إن الأزهر قادر بعلمائه ورجاله ، ومجتهديه وطلابه أن ينهض بدوره وأن يتبوأ مكانته في قيادة الأمة .. إن أي مقابلة أو حوار مع أي من رجال الأزهر ، نلمح عندهم سعة العلم ، ودقة الإلمام بظروف الأمة المحيطة الداخلية والخارجية ، إنهم على المستوى الفردي جبال شامخة في مختلف المجالات ، فما الذي يمنع أن يكون لمؤسستهم بهم دورا في تحقيق المرجعية الغائبة عن أمة الإسلام ؟!!
.
.
الاربعاء, 04 ابريل, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 13 ابريل, 2007 09:34 ص , من قبل asameh3000
من قطر
من قطر

اخي الفاضل
ان الحال الذي وصلت اليه مؤسسة الازهر هي الصورة الحتمية لتولية من لا يستحقون مقاليده لمده طويلة ، فدائما ان اردت ان تدمر مؤسسة فاسنها الى اسوا البائل المعروضه والمتاحة ، وهذا ما يتم في جميع المناصب في مصرنا حاليا ، وانا لله وانا اليه راجعون
اخوك احمد سامح
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










من مصر
كلام جميل كلام معقول مقدرش اقول حاجه عنه
اجابه سؤالك فى نظرى ان الأزهر لا يتدخل فى السياسه حقيقى والقائمين عليه دأبوا ان يمارسوا لعبه التوازن بإستمرار فى محاولة التوفيق بين غضب الرب وغضب الحكومه ، ولكن السياسه تتدخل فيه فلا يقوى على ان يلج فى طريق دون أذن والا تعرض للمسائلة ، حتى ولو كان كل شيوخه كما زكرت وااوفقك عليه قمم شامخه بما فيهم فضيله شيخ الأزهر