الفقي والنص القرآني المقدس !!! الفقي في تراث مدينتنا الشعبي هو مقرئ القرآن الكريم ، لاسيما الذي يقوم بقراءة القرآن في الجنائز وعند المقابر .. وهو بالطبع غير الفقيه ( المنتهي بحرف الهاء ) .. ولست أدري هل تعني هذه الكلمة نفس المعنى في التراث الشعبي المصري ككل ، أما أنها مقصورة على محافظتنا فقط .. ومن عجيب أن الدكتور الفقي ينتمي إلى محافظتنا ذاتها ، وربما أشار ذلك ، إلى أن جد الدكتور كان ( فقي ) بمعنى مقرئ للقرآن الكريم ، على طريقة إطلاق كثير من المهن على العائلات مثل البنا والنجار والحداد والخياط ، وغيرها من المهن والحرف .. وأنا طبعا لا أعرف هذه المعلومة من أي مصدر من مصادر المعلومات .. لكن ما يؤيدها في نفسي – على الأقل – هي التربية الدينية ، والخلفية الإسلامية التي يتمتع بها الدكتور .. والواضحة جدا في أحاديثه وحواراته المختلفة .. ولقد تابعت حواره الأخير في برنامج ( في الممنوع ) ، على قناة دريم الثانية .. مع الإعلامي اللامع مجدي مهنا .. مثلما تابعت له أحاديثا كثيرة من قبل .. ولقد لفت نظري ، ولو على سبيل المفارقة ، الحساسية المفرطة في تصريحات الدكتور الفقي من الاستدلال بالنص المقدس .. ما أثار المفارقة في ذهني .. أثارها مع الإلمام الجيد للدكتور بتعاليم الإسلام ، والخلفية الدينية الواضحة عنده ، كما أثار المفارقة مع لقب عائلة الدكتور ( الفقي ) .. دائما ما يرفض الدكتور الفقي شعار الإسلام هو الحل ، ويرفض قيام الأحزاب المدنية ذات المرجعية الإسلامية .. وفي الوقت الذي يرى فيه باعترافه ، بل وتصريحه وتوجيهه : أن الإسلام دين ودنيا ، وأنه يدخل في أخص شؤون الحياة اليومية كما في الأحوال الشخصية والعلاقات الزوجية والمواريث وغيرها من شؤون الحياة ، وأن قانون نابليون وغيره من القوانين الأوربية استمد من مبادئ الشريعة الإسلامية أو اقتبس منها بعض بنوده !! ويرى أن الشريعة الإسلامية تتجاوز الجانب الروحي إلى الجانب التطبيقي في حياة الناس .. فإنه في الوقت نفسه يرفض تيار الإسلام السياسي ، الذي يطرح نفسه على أنه تيار يدعو لشمولية الإسلام للدين والدنيا ، وأن الإسلام دين يشمل مختلف جوانب الحياة ومنها الجانب السياسي . بل إن الدكتور الفقي يرى أن من أهم المخاطر التي واجهت العالم الإسلامي طوال قرن فائت من الزمان هو نشوء وصعود تيار الإسلام السياسي بما أفرزه من تيارات العنف .. كما يؤكد الدكتور الفقي في أكثر من مناسبة أن اللجوء للنص الديني ، أو الاستشهاد بالقرآن الكريم يغلق أي حوار ، وينهي أي مناقشة !! وإني أتوقف كثيرا أمام هذا التصريح الصادم الذي تكرر كثيرا في أكثر من مناسبة وحوار على لسان الدكتور .. إن كل مسلم مثقف بدرجة ما من درجات الثقافة الإسلامية ، يعلم أن النص المقدس (خصوصا القرآن الكريم ) كله قطعي الثبوت ، إلا أنه في القرآن نصوص قاطعة الدلالة ، وأخرى قطعية الثبوت ظنية الدلالة .. أما السنة المطهرة فمنها ما هو قطعي الثبوت والدلالة ، ومنها ما هو ظني الثبوت والدلالة ، ومنها ما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة .. وأن النصوص قطعية الثبوت والدلالة هي التي تمثل ثوابت الدين ، ولا يكون المسلم مسلما إلا بالتسليم بها ، أما النصوص ظنية الدلالة فهي مجال اجتهاد العلماء والمفسرين ، وهي ذاتها التي تفتح بابا من الحوار والنقاش ، فهي لا تغلق أبواب الحوار أبدا .. والمسلم يعلم كذلك أن مبدأ الشورى وهو منصوص عليه في القرآن الكريم والسنة الشريفة ( وأمرهم شورى بينهم ) الشورى 38 ، مجال عمله في المصالح المرسلة ، وما لا نص فيه ، وما فيه خلاف بين العلماء ، أي النصوص ظنية الدلالة .. وما يحتمل وجوها عدة .. أليست هذه المجالات مجالات واسعة للحوار والنقاش والجدال ، والاجتهاد واستجلاء الرأي ، ومشاورة الأمة ؟ إن ثوابت الدين القطعية من أمثال فرائض مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج ، ومثل النواهي القاطعة المانعة التي تشمل الخمر والربا والدم ولحم الخنزير والزنا والسرقة والفتل .. فهل في مثل هذه الثوابت الجلية الواضحة مجال لتفكير أو إعمال لرأي ؟ هل إذا كان مجادلا يريد أن يجادل في الخمر ، وواجهه محاوره المسلم بالنص المقدس في تحريم الخمر ، فهل يكون في هذه الحالة قمعا للرأي ؟.. إن للإنسان الحق ابتداء في اختيار العقيدة التي يؤمن بها والدين الذي يدين به ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )البقرة256 ، فإذا اختار بمحض إرادته الإسلام ، فهل من حقه أن يجادل في ثوابته ؟! {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً } الأحزاب36 إن أمر الحرية الفكرية ، وحرية الحوار والإبداع والاجتهاد والرأي .. وغيرها من مصطلحات العصر تخضع في المنهج الإسلامي لكلا النصين معا .. فحرية العقيدة والتدين مكفولة ابتداء ، فإذا اختار الإنسان دون إكراه أو إجبار دين الإسلام ، فإن من الطبيعي أن يلتزم بثوابته القطعية دون انتقاء أو تمييز .. فهو مخير في اختيار الدين غير مختار بعد ذلك لما يشاء من ثوابته .. لأن ثوابته تنزيل من خالق الإنسان ، ومنزل الدين الله تعالى .. وما أعظم دقة النص القرآني الكريم حين يقول ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ) ، ولم يقل المولى عز وجل ( وما كان لإنسان ولا إنسانة ) ، فلإنسان حق اختيار الدين ، أما المؤمن الذي آمن بالدين ، فليس له بعد قضاء الله تعالى ورسوله الخيرة من أمره .. النص المقدس في الإسلام بتركيبته الرائعة الفريدة لا يحجر على العقل ، ولا يغلق السبل أمام الفكر ، بل هو بثوابته ومتغيراته ، بمحكمه ومتشابهه ، بقطعيه وظنه ، يفتح الطرق أمام الفكر والتفكر ، ويفتح أبواب الاجتهاد وهو مناط العقل ووظيفته .. والمنهج الإسلامي هو المنهج الوحيد – فيما أعلم – الذي يثيب على الاجتهاد الخاطئ نصف أجر الاجتهاد الصحيح ، فلا يعاقب على الخطأ في الاجتهاد ، بل يعطي مقابله أجرا ! والمعلوم أن مصادر التشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم والسنة المطهرة هي الإجماع والقياس والاجتهاد ، وكلها وظائف عقلية تقوم على الفكر والحوار والجدال والنقاش واستخراج الرأي .. بمعنى أن ستين بالمائة من مصادر التشريع في الإسلام ، عقلية متطورة تتغير بظروف الزمان والمكان والبيئة والعرف .. فإذا كانت هذه هي خصائص المنهج الإسلامي ، وطبيعة النص المقدس في الإسلام ، فأي ( فوبيا ) تصيب الرافضين للاحتكام للنص الديني ؟ ولماذا يرفض الدكتور الفقي الاحتكام للنص الديني عندما يلجأ إليه محاوره أو مناظره في شأن من الشؤون ؟؟ والغريب أن يأتي هذا الكلام المكرر المعاد ، في فترة يتم فيها إعادة نصوص الدستور باعتباره المرجعية الأساسية والوحيدة التي يحتكم إليها الشعب والدولة .. وما الدستور إذن إلا مجموعة من النصوص المرجعية ، تسكت كل صوت حين تكون قطعية الدلالة حتى ولو لم تكن قطعية الثبوت باعتبارها اجتهادات وآراء بشرية تقبل الخطأ قبل الصواب ؟! وطالما أن العالم يحتكم إلى الدساتير ، فما الفرق بين النص الديني المقدس قطعي الثبوت والدلالة الذي يؤمن به الدكتور باعتباره دين من عند اللطيف الخبير ، وبين النص الدستوري المقدس عند رجال الدولة والقانون ؟ بنفس المنطق يرفض الدكتور الفقي شعار الإسلام هو الحل ، في الوقت نفسه الذي يؤكد فيه على أن الإسلام فعلا هو الحل .. لكنه يرفض أن يزج به في العملية السياسية التي يرى من وجهة نظره أنه لا أخلاق لها ولا مبادئ فيها .. ويعتبر أن رفع تيار ما لشعار الإسلام هو الحل ، يعرض الحل الإسلامي للخطر في حال فشل هذا التيار في التمثيل الصحيح للإسلام !! لماذا إذن يا دكتور لا يتحول شعار الإسلام هو الحل ، إلى مبدأ عام أو مرجعية عامة لكل مسلم .. بينما تتعدد الاجتهادات والرؤى داخل هذا المبدأ أو المرجعية نفسها ؟.. إنكم تنظرون إلى شعار الإسلام هو الحل باعتباره خصما سياسيا ، وبوسعكم أن تعلنوا : نعم الإسلام هو الحل ولكن ليس بالضرورة على طريقة الإخوان المسلمين كخصم سياسي .. كما كتب أحدهم زمن الانتخابات النيابية مقالا بعنوان : الإسلام هو الحل .. الإخوان هم المشكلة .. لقد قدم الدكتور نفسه ، أو اختار أن يقدم نفسه في برنامج ( في الممنوع ) باعتباره الكاتب والمفكر والسياسي المصري ، وليس باعتباره رجل دولة أو ممثل الحزب الحاكم .. فهل من الأكاديمية والفكر في شيء إثبات الشيء ونفيه في نفس الوقت ؟.. عندما نتناول مبدأ الإسلام هو الحل بشكل أكاديمي يتجاوز التنافس الانتخابي والخصومة السياسية ، فلا يعنينا في ذلك الطريقة التي يوظف بها الإخوان هذا المبدأ سياسيا .. لأن بوسعك أن تختلف مع الإخوان سياسيا ، وأن تنافسهم حزبيا .. لكن ليس في وسع الفكر المحترم أن يقصي مبدأ الحل الإسلامي لقضايا العصر .. فالمبادئ لا تسقطها الممارسات الخاطئة ، ولا يسقط الحق أن يطلقه بعضهم يراد به باطل .. فالحق يظل حقا ، والباطل لا يمكث في الأرض ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) الرعد 17 ، ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) الإسراء81
.
.
الخميس, 22 مارس, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








