القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

حتى لا تموت الروح 14 ( الفصل 15 كاملا بعد التعديل )

15 – في رحاب الأمن

 

هبي يا ريح الإيمان وكوني إعصار

إعصارا

هبي في أرجاء الكون وذري الأنوارَ

فعل الأسرى في الأرض يغدوا أحرارا

تنعم بالأمن من رب الكون      يارب

 

قلبي المشبوب الظمآن ينتظر المطرَ

المطرَ

كم جاب فمل البلدان يستجدي الفكر

ورأى وسوسة الشيطان تستهوي البشر

فنأى في كبر عن دنيا الشر     يا رب

 

يا ريح الإيمان وكنز العزة والفخر

والفخر

نسماتك تغمر ساحات فؤادي بالبشر

تسمو بي تسمو تقذ بي في دنيا الخير

فأنادي القدر أن يهدي البشر    يارب

 

 

لقد آن الأوان لهذه الأسرة الصغيرة البسيطة أن تهنأ وأن تمضى في الحياة بلا منغصات ، وأن تحتفل ..

ولقد واكب ذلك تقدما ملحوظا لي في عملي ، وكيف لا أتقدم ، ولا أنجح ، وكل من حولي من زملاء العمل ، يرون أثر الاستقرار النفسي والسعادة العاطفية ، تتجلى في قسمات وجهي ونظرات عيني ؟..

 

ولأن سكرتيرتي القديرة كانت تعاوني فيما أغفل عنه، أو أتعب دونه.. فقد كنت أتقدم ، وأصبحت بفضل من الله تعالى ، موضع ثقة صاحب العمل ، ولقد أتاح لنا هذا الأمر أن ننتقل من شقتنا الأولى بمكة في حي شعبي أو حارة بسيطة .. إلى مسكن أرقى وأفضل ..

لقد كنا نتقدم خطوات واسعة على الطريق ..

 

وأصبحت أيامنا التالية احتفالات دائمة بنعمة الأمن التي أنعمها الله علينا ..

كنا نشعر شعور السجين الذي تم سجنه عن طريق الخطأ، وبينما هو في ظلمة سجنه يتجرع مرارة الشعور بالظلم ويفكر في كل وسيلة ممكنة وغير ممكنة للهروب من سجنه، فإذا بهم يقررون فجأة الإفراج عنه..

 

كنا نتنسم نسائم الحرية ، نفتح صدورنا ونستنشق هواءها العليل ، ونرفرف بأجنحة خيالنا في نسيمها ..

 

لقد أصبحنا نأخذ سيارتنا ( البركة ) وننطلق بها كل مساء إلى مكان مختلف ..

فنقضي بعض الأمسيات الهانئة السعيدة على كورنيش البحر الأحمر بجدة .. عروس البحر الأحمر .. فنتذكر ليالي الإسكندرية عروس البحر الأبيض ..

وننزل في حي الحمراء على الكورنيش فكان يذكرنا بمحطة الرمل بالإسكندرية ، فنتناول سندوتشات ( الشاورما ) ، وأدعو حبيبتي ومريومة على ( الآيس كريم ) الشهي .. ونمضى بعض الوقت .. وقرة عيننا مريم تقفز وتجري هنا وهناك .. ثم لا ننسى ( الفيشار )

فأتعمد أن أشتريه في نهاية سهرتنا قبل أن ننهض ، حتى يظل معنا في السيارة ، ونعيد ذكريات رحلة عودتنا من إسكندرية ليلة كتب الكتاب ..

وفي طريق العودة تظل منال تناجيني حتى لا أغفو أو أنام ، وكانت تعلم أن الأضواء تؤذيني في عيني أثناء القيادة الليلية ، وكانت تضع ( الفيشار ) في كفها .. وأنا أضع كفي في كفها بين لحظة وأخرى فأتناول حباته من راحة كفها ..

ونتضاحك ..

ويهتف كل منا في وقت واحد، فأقول أنا: أتذكرين ؟..

في نفس اللحظة التي تقول فيها : أتذكر ؟..

ثم تضيف : كفى شقاوة ..

وأجيب دعابتها قائلا بمكر : أزيلي بقعة الآيس كريم من على الخمار ..

وتجلجل ضحكاتنا .. وهي تغمغم :

لا تخجلني أكثر من ذلك..

 

وما كان لنا أن ننسى..

لكننا لم نكن في حاجة إلى تذكر تلك الذكريات الجميلة، لقد كنا نصنع كل ليلة ، بل كل لحظة من لحظات حياتنا ذكريات جديدة .. ولم تكن ذكرياتنا الأولى هي الأحلى دائما .. لم تكن لها من فضل على ما تلاها من ذكريات سوى فضل البدايات.. أما كل الذكريات القديمة والجديدة فقد كانت على وتيرة واحدة من الروعة والجمال والسعادة..

 

وأقدم بنا حبنا للمغامرة .. فأخذنا سيارتنا ( البركة ) وانطلقنا بها إلى المدينة .. تلك المدينة المباركة التي نحبها من أعماقنا، ونتمنى أن تحبنا كما نحبها ..

والمسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة حوالي خمسمائة كيلو متر .. لكنني مع منال ، كنت أتجاسر وأتشجع وأنجز !!

 

وكان صوتها العذب ينساب رقراقا صافيا كأنه خرير جدول ماء، أو كأننا على ظهر  قارب يتهادى بنا على صفحة ماء النيل ، ولسنا في سيارة تمضى بنا مسرعة تنهب الأرض ، وحولنا الصحراء الممتدة والجبال الشامخة من كل جانب .. كان صوتها العذب ينساب رقراقا مرددا :

 

على المدينة على المدينة

رب بلغنا زيارة نبينا

رب بلغنا زيارة محمد

فهو الشفيع للمسلمين

 

وفي المدينة كنا نفترق أحيانا أنا ومنال ، فإن نظام المسجد النبوي الشريف يختلف عن المسجد الحرام فتوجد أبواب مخصصة لدخول وخروج النساء منفصلة عن أبواب الرجال ، وأوقات زيارة الروضة الشريفة محددة بأوقات معلومة بالنسبة للنساء في منطقة لا يشاركهن فيها الرجال ..

 

وكنا نتواعد على موعد بعدما ترتوي منال من زيارة الروضة .. ثم نخرج من الحرم النبوي فنعرج على البقيع، وهي مقابر المدينة وتقع مقابل المسجد النبوي ، فنلقي السلام على أهل الديار ، وفيهم كبار الصحابة وأمهات المؤمنين وبنات النبي رضي الله عنهم أجمعين ..

 وفي المدينة مضينا بسيارتنا ( البركة ) فزرنا جبل أحد، وهو جبل أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهبنا إلى مسجد قباء أول مساجد الإسلام..

إن نسمات المدينة تستقبلك حين تغدو على بعد عدة أميال منها، وتسمع في حركة الهواء صوتا هامسا يشدو:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

 

وكنت لا أملك نفسي من أن تتجاوب مع نسمات المدينة الحانية المغردة دائما أبدا، فأردد لمنال بجواري بصوتي الأجش الخشن :

 

آنست نور الله جل جلاله                       ومشيت حيث مشى النبي وآله

مكنت من حظي فليس بشاغلي                  إدباره عني ولا إقبالــــه

من يختتم سفر الحياة برجعة لله                 طاب ختامه ومآلـــــه

يا رب جاء إليك يسألك الهدى                   عبد له عصيانه وضلالــه

ذكر الوعيد فزعزعت آماله                     خوف الوعيد وزلزلت أوصاله

حتى إذا البيت المحرم ظنه                      فرت بلابله وأصلح حالـــه

 

وكانت منال تقهقه ضاحكة ، وهي تقول :

 

-       أتدري يا عماد أن صوتك رقيق جدا..

-       حرام عليك يا ( منتي ) .. المجاملة قد تجوز في كل شيء ، إلا هذا الصوت الأجش الأخشنِ ..

وكنت ألحن ( الأجش الأخشن ) على بعض ألحان أبي مازن

-       بالعكس يا روحي، فأنت عندما تقلد أبا مازن في بعض الأناشيد الرقيقة.. خاصة الأناشيد الفردية التي ليس فيها ترديد فإنك تجيد تقليده..

-       فأمازحها ضاحكا وأنا أقرصها في كتفها وهي على المقعد المجاور في السيارة:                      من جاور القوم، أيها المنشدة الجميلة..

-       اللهم يجبر خاطرك كما تجبر خاطر زوجتك حبيبتك الضعيفة المسكينة..

 

 

وعدنا يا صديقي إلى الأرض .. وكانت النطفة الصغيرة التي تحركت في أحشاء منال ، قد استوت خلقا كاملا ، ينمو فيكور بطنها الحبيبة ، وكنت أتحسس هذا التكور وأرقبه في شوق ولهفة ، ودعاء ورجاء .. كنت أشفق على منال ، وأشجعها .. فلم يكن هذا هو الحمل الأول لها ، لكنه كان بالنسبة لي هو الحمل الأول الذي أرقب تطور الجنين فيه يوما بيوم ..

وكانت منال دائما تثبت لي أن قوتها فائقة، أما قدرتها على الاحتمال فلا مثيل لها، فلقد كانت تمارس نشاطها دائما بكامل طاقتها، والجنين ينمو بأحشائها، وكنت أشفق عليها، لكنها كانت من النوع الذي لا يشكو، ولا يستسلم لتعب أو وهن..

وكنا نتردد على الطبيبة بانتظام للاطمئنان على صحة الأم والجنين ..

وكنت أرقب لهفة منال وشغفها بالطفل القادم .. لقد كانت أما .. وكان حنينها للأطفال الرضع لا وصف له ..

 

وذات مرة ونحن نتجاذب أطراف الحديث نحيي به أمسياتنا الجميلة.. قالت منال :

-       حبي .. إن الدكتورة تتوقع حسب ما رأت بالسونار أن الجنين ولد  هذه المرة ..

-       أنت تعلمين أن كل رزق الله لنا خير

-       وأعرف كذلك أنك تحب البنات يا أبا البنات..

-       لقد دعوت الله أن أرزق بالبنات أولا حتى نأخذ أجر حسن تربيتهن ورعايتهن..

-       وإذا رزقنا الله بولد ؟

-       له الحمد على كل حال .. الأهم من كل ذلك هو سلامتك أنت يا حبيبة قلبي، إن نهوضك لنا بألف سلامة من الحمل والولادة هو أهم عندي من كل أطفال الأرض..

-       أصحيح هذا شعورك يا عماد ؟

-       وهل هذا أمرا يحتاج إلى تأكيد أو سؤال يا روحي ؟

-       لا .. ولكنني أعلم أن الأطفال دائما أغلى عند الأب وأحب من الزوجة..

-       ربما يا منة كان هذا صحيحا، لكن لا تنسي أنك أنت نفسك ابنتي.. فأنت ابنتي البكرية .. أليس كذلك ؟؟؟

-       طبعا يا بابا يا حبيبي .. يا لذيذ يا رايق ..

ثم باغتتني منال بعد هذا الحديث الحاني بسؤال :

-       لو رزقنا الله تعالى بولد ماذا نسميه ؟

-       ياه يا منال .. ألم نحسم أمر أسماء أبنائنا منذ أيام الخطبة ؟ أم أنك نسيت ؟ أم تريدين أن تتملصي ؟

-       لا أبدا يا حبيبي، ولكن هناك خاطر يلح علي، وأريد أن أعرضه عليك، ولكن لا تعتبر هذا تملصا من اتفاق أو وعد سابق..

-       خاطرك على عيني يا جميل ..

-       فكرت ، لو أن الله تعالى رزقنا بولد أن نسميه ( سعيدا ) على اسم أبيك .. تعلم يا عماد ؟

إن اسم أبيك اسم جميل جدا.. كما أنني أحبه.. أحب أباك جدا، وأريد أن أعبر له عن هذا الحب.. وأريد كذلك أن تعبر أنت عن حبك لأبيك بهذه الطريقة.. فما رأيك أنت ؟

 

الواقع أنه قبل هذه اللحظة لم أكن قد تفكرت في هذا الأمر أبدا، ولم يكن ليخطر لي على بال، وكنت قد اخترت اسم أول طفل ولد لي على اسم أحد الصحابة الكرام كنت أكن له حبا خاصا.. لكن منال فاجأتني كل المفاجأة بهذا الطلب الجميل الرقيق الذي يعبر عن كل عاطفة وحب وبر .. يا لها من زوجة .. كيف تفكر في مثل هذه الأمور بهذه الطريقة !!..

لم يكن أمامي فرصة أن أفكر أو أتردد بعد هذه الفكرة العبقرية.. لقد كنت أحب أبي حبا جما ، وكنت أقدره ، وكنت لا أرى وسيلة مناسبة للتعبير عن مشاعري تجاهه ..

ولكن منال حبيبتي أوجدت لي الوسيلة أخيرا .. أوجدتها بكل صدق وإخلاص.. ودمعت عيناي وأنا أجيبها بالموافقة ..

 

الأهم من ذلك أنني كنت أسمعها تدعو الله في سرها وجهرها وليلها ونهارها : اللهم اجعله ذكرا ، وأن يكون سعيدا ، وأن يكون هو بر عماد بأبيه !!

 

وتعلقت بهذه الأمنية لما أجده من حرص منال عليها، تعلقت بها كل تعلق، وبت أشتاق إلى خروج هذا المولود إلى الدنيا، وتمنيت من كل أعماقي أن يكون ولدا.. على عكس كل أحلامي السابقة لسنوات طوال جدا .. لكنني كنت الآن أعد الأيام باليوم ، حتى يأتي سعيد ، وأن أبشر به أبي هاتفيا .. وأعلمه أننا اخترنا اسمه نفسه حبا له وبرا به..

وكنت أشعر في قرارة نفسي شعورا قويا مسيطرا أن أبي لن يعيش حتى أبشره هذه البشرى ..

 

ولكنني كنت دائما أتساءل.. ذلك السؤال الذي عنون به الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس إحدى قصصه: إلى أين تأخذني هذه الطفلة ؟

كنت أتساءل: إلى أين تأخذني هذه الزوجة ؟

كنت أشعر أن منال تجذبني إلى عالم خيالي .. عالم مثالي .. عالم لا يقوم إلا على الحب والرقة والعاطفة.. عالم لا يحيا على الأرض وإنما يحلق في السماء..

فقد كانت تسمو بي تسمو تقذف بي في دنيا الخير.. فأنادي القدر أن يهدي البشر..

لم تكن منال ريحا بل كانت رياح الإيمان والحب والتقوى ..

 

ولقد أراد الله أن تخطئ توقعات الطبيبة ، وأن يعجز جهاز أشعتها التلفزيونية ، وأن يرزقنا ( بفاطمة الزهراء ) .. قرة عيننا الثانية ..

 

وبشرتني منال من مستشفى الولادة في اللحظة التي أفاقت فيها بعد الوضع مباشرة.. بشرتني بالهاتف، ولم يكن مسموحا لنا بمرافقتها بالمستشفى إلا في الزمن المحدد للزيارة..

وكنا نحمد الله حمدا كثيرا لا مزيد عليه.. أن وهبنا بالابنة الثانية، لكنها كانت تعتذر لي قائلة في رقة :

-       قدر الله كله خير .. لكنني كنت أتمنى أن يحقق الله على يدي برك بأبيك..

 

وبكينا في موضع الفرح والسرور ..

لكننا هاتفنا أبي وأبلغناه أننا نتمنى أن نسمي أول مولود ذكر ( سعيدا ) على اسمه.. لأننا نحبه ..

وهتف أبي على السماعة من الطرف الآخر عبر ألفي ميلا أو يزيد:

 

- بل يرزقكم الله بمحمد إن شاء الله ..

 

ولئن كذبت الأقدار تنبؤات الطبيبة، فإنها لم تكذب مشاعري الخاصة تجاه والدي ، أنه لن يعيش حتى يرى حفيده الأول الذي يحمل نفس اسمه ..

 

وكنا بحكم إقامتنا الدائمة بمكة المكرمة التي تهوى إليها أفئدة من الناس.. كانت تأتينا وفودا من الضيوف .. وكان منهم من يأتي للإقامة عندنا طوال فترة العمرة أو الحج، وكان هؤلاء بطبيعة الحال هم الأقارب المقربين، وكانوا في الأغلب الأعم من أهلي أنا.. هذا غير كثير من الأصدقاء والأقرباء الذين كانوا يزورون مكة وقد حجزت لهم بعثاتهم أماكن إقامتهم في الفنادق والشقق الفندقية بالقرب من الحرم.. فهؤلاء كنا ندعوهم دعوات على الغداء أو العشاء ..

ولقد كانت منال تتحمل كل هذه المتطلبات صابرة راضية ، بل كانت روحها تتألق وهي تساهم في تقديم خدمة بسيطة لضيوف الرحمن ..

وكانت تتفانى في خدمة أهلي المقربين الذين ينزلون علينا في بيتنا ضيوفا دائمين طوال زيارتهم.. وكانت تكرمهم بما تستطيع .. وتحثني على بذل كل ما في وسعي لتقديم أفضل ما يمكن أن نجود به لبرهم وإكرامهم والإحسان إليهم..

 

فإذا أقبلوا أو اقتربت مواعيد زيارتهم، فقد كان شوقها يسابق شوقي إليهم..

 

ورغم حفاوتها هذه البالغة، وتفانيها الرائع في خدمة الجميع دون ضجر، بل بكل سعادة وانشراح..

ومع ذلك  فقد كنت أصبح شديد التوتر عندما تحدث هذه الزيارات ، لم يكن ذلك من بخل أو ضيق ، فلقد كنت أسعد بتلك الزيارات وأدعو الله أن يزيدها ويكثرها ، وأن يقارب بين أسفارهم إلينا ..

إنما كانت تعل علي عقدتي القديمة المزمنة ..

 

كنت أريد أن أقدم منال أمامهم بصورة الملائكة.. ولقد كانت منال تستحق هذا وأكثر، غير أننا بشر، وليست هناك ملائكة تمشي على الأرض.. لقد كان توتري وشدة حساسيتي وفرط عصبيتي ، كلها عوامل تحمل منال فوق طاقتها ، بل تحملها فوق ما يحتمل البشر ..

ولكنني كنت أؤكد لها أن هذا بسبب حبي الجامح لها ، وبسبب عقدتي القديمة التي لا تريد أن تنفك عني ..

وكانت منال تذهلني بحسن تصرفها .. ولم تخذلني ، ولم تفشل يوما في امتحان ..

وكانت أمي التي تأتي لزيارتنا من حين لآخر ، تستشعر دون أن ننطق بكلمة أو نهمس بحرف ، بجو التوتر ، وكانت أمي تعرفني جيدا ، بل كانت تشعر بعقدتي القديمة وترثي لحالي ، كانت تحاول أن تستنطق منال وأن تخفف عنها حدتي معها ، لكن منال لم تكن لتشتكي أو تمتعض ، أو تستغل الفرصة فتذكر شيئا من هذه الحدة لوالدتي .. بل على العكس تماما .. كانت كلما حدثتها أمي في مثل هذه الموضوعات تجيبها قائلة:

 

-       اطمئني يا ماما .. إن عماد هو أطيب قلب ممكن أن تقابله زوجة، وإنه نعم الزوج ونعم العون ونعم الرفيق..

 

وكانت أمي تعرف حدة انفعالاتي، فكانت تحدثني عندما تنفرد بي فتوصيني بمنال خير وصية، وتقسم لي أنها جوهرة.. امرأة لا يمكن تكرارها في هذا العصر، ثم تقسم لي أنها تحبها كابنتها..

 

وكنت أسعد سعادة طاغية لا حدود لها، وأنا أرى هذه العلاقة المذهلة التي لا مثيل لها بين الزوجة وحماتها..

ومع ذلك كنت أطلب من منال المزيد، دون أن أحدث نفسي أن هذا هو المستحيل بعينه..

 

وكنت حين تزورني أمي فتقضي في زيارتنا أياما لا تتجاوز الأسبوع.. كنت أضع نفسي تحت أمرها في التنقلات والأسواق والانتقال من البيت إلى الحرم، وهو الأمر الطبيعي الذي يجب أن يبذله كل ابن لأمه، فقد كنت أهمس إلى منال ليلا:

 

-       اعذريني يا روح قلبي، فإن روحي تهفو إليك، لكنني أوظف كل طاقتي لأبر أمي.. فأرجو ألا يضايقك هذا ..

 

-       عيب عليك يا عماد أن تقول هذا الكلام.. إنها ماما .. التي جنتك تحت قدميها.. لو أنك مضيت عمرك أسفل قدميها ما لمتك.. ويا رب يا عماد يعينك على إظهار حبك وبرك بها..

 

 

-       أكرمك الله يا أعظم زوجة في الدنيا ..

 

-       وأية عظمة في ذلك يا عماد ؟.. إنها أم، وإنها لا تظفر بك إلا أسبوع كل عام أو عامين، وفي هذا الأسبوع تكون مشتتة تماما بين التمتع بالحرم، وبين حفيداتها، وبيني وبينك.. يا ليت زياراتها تطول وتدوم..

 

-       وطبعت قبلة على جبهتها المشرقة، وأنا أقول لها: ربنا يديمك لي يا أجمل حبيبة وعشيقة في الدنيا كلها..

 

في اليوم التالي عندما عدت من إيصال أمي إلى الحرم، وتركتها تعتكف حتى المساء بناء على رغبتها الملحة.. استقبلتني منال باسمة ، وقالت :

-       إيه يا حبي .. أسمعت ماذا قالت لي ماما ؟!

 

-       نظرت إليها متسائلا في شغف دون أن أنطق

 

-       اشتكت يا سيدي منك..

 

-       قلت متعجبا : مني أنا ! .. وماذا فعلت لها ؟

 

-       قالت في مكر: لم تفعل لها هي، ولكنها جاءت تسألني ماذا يفعل معك الولد عماد ؟ .. إني أعرف أنه شديد الحدة معك، وأنا أخاف عليك من حدته..

 

-       غاص قلبي في صدري ولم أجب .. إذن لقد اتفقت النساء عليك يا عماد.. ويح أيامك القادمة..

 

-       أضافت منال بخبث: ماذا تظن أنني قلت لها ؟؟

 

-       قلت في ترقب: ماذا ؟؟

 

-       سألتني عاتبة : ألا تدري ؟

 

-       قلت محاولا الخروج من استدراكها لي: أريد أسمع منك..

 

-       استمر مكرها بي وهي تقول : خمن .. ألا تستطيع التخمين ؟

 

-       قلت بنفاذ صبر: أستطيع يا منال، ولكني أريد أن أسمع منك أولا..

 

-       قالت متصنعة الغضب: وكأنك لا تعرف ( منة ) حبيبتك، ولا تثق بها..

 

-       استدركت قائلا: لا والله يا روحي، ولكن فقط أريدك أن تقولي لي إجابتك أولا..

 

-       قالت بدلال : بل قل أنت تخمينك أولا ..

 

-       قلت ماكرا: أعدك يا حبيبتي، إذا ذكرت لي إجابتك، سأذكر لك تخميني بصدق..

 

-       هذا وعد يا عمدة ؟؟ .. إياك أن تكذب.. ولكن لماذا أنت خائف هكذا ؟؟ .. إنك مازلت تخاف من ماما .. واتسعت ضحكتها

 

-       وكان قلبي يهبط بين ضلوعي فقلت لها في وضوح : نعم أنا أخاف من ماما .. أليست أمي وأمك ؟

 

-       قالت بدلال شديد: واعلم يا سيدي أنها ستجذب أذنك قريبا..

 

-       استر يا ستار.. ألم تذكري لي إجابتك لها ؟

 

-       اسمع يا سيدي، لقد قلت لها: إن عماد يملك حنانا مثل حنان الأب لأبنائه، وإنه لم يكن يصلح لي زوجا غير عماد.. إنه كل شيء في حياتي يا ماما ..

 

-       سري عني وقلت لها : أنت روح قلبي يا ( منة )

 

-       قالت بدلالها : لكن هذا لن يعفيك من أن ماما ستجذب أذنك ..

 

-       قلت بانكسار من يعترف بارتكاب إثم : أدرك ذلك يا ( نولة ) ، وأعرف جيدا كم أكون متوترا معك عندما يزورنا الأهل ، وأعرف أنني أحملك فوق طاقة البشر .. ولكن اعذريني يا حياتي، فإن ذلك كله بسبب عقدتي الدفينة..

 

-       أشارت بكفها بحنان وهي تهمس : صه يا ماد .. لا أحب أن أراك حزينا هكذا ..

 

انكببت أنا على كفها أقبلها، وهي تتمنع بقوة قائلة:

 

-       بل أنا يا روحي الذي يجب أن أقبل كفك ورأسك.. أتدري يا عماد ؟

إن ماما نفسها التي هي والدتك ، لا تعرف كم أنت حاني ورقيق !! لا تعرف أنك أنت طفلي الكبير .. دبدوبي أبو ..

لكنها بترت عبارتها وسكتت فجأة، ثم أشاحت بوجهها عني وهي تقول:

 

-       لكن لا .. لن أكلمك حتى تذكر لي تخمينك .. تذكره لي بصدق .. أتفهم ؟ بصدق ..

 

-       قلت ضاحكا: توقعت أنك قلت لها: إن عماد هو أرق قلب وأعذب..

 

-       وأكملت منال معي في نفس اللحظة: أعذب لسان..

 

-       ثم أردفت تصيح : قلت لك ..

 

-       قاطعتها محتجا: من الذي سرق الكلمة من على لسان الآخر هذه المرة ؟..

 

-       لكنها كانت تكمل : يا لذيذ يا رايق .. تدري يا ماده .. هذه هي أول جملة طرأت على خاطري حين سألتني ماما عن معاملتك لي ، لكنني أعتبر هذه الجملة من أسرارنا الخاصة .. فأنا لا أستطيع أن أبوح بها لأحد.. إنما هي ملكنا أنا وأنت فقط ..

 

-       دفنت وجهي في صدرها وأنا أسألها في وجل : ( نولتي ) أريد أن أسألك سؤالا وتقسمين بالله أن تصدقيني الإجابة ..

 

-       قالت وفي صوتها نبرة الجد : بدون قسم يا حبي .. إني صادقة معك في كل حرف.. اسأل وسأصدقك الإجابة ..

 

-       هل يا ( نولة ) مازلت تشعرين أن عماد هو أرق قلب وأعذب لسان ؟؟

 

-       مدت كفها وجذبت أذني وهي تقول : آه منك يا روحي .. أعرف أن لسانك لاذع في وقت الغضب .. لكنه يا حبي، عذب، صافي مثل عسل النحل.. أما قلبك فلماذا تسال عنه .. إنني أخذته منذ زمن .. إنه ملكي أنا .. ثم وضعت كفها على كفي وجذبته إلى صدرها وهي تقول: إن الذي ينبض بين ضلوعي هنا هو قلبك أنت يا عماد..

 

-       وجذبتها إلى صدري .. وارتفع صوتها محتجة : ستتأخر على موعدك مع ماما ..

 

-       وهمست في أذنها : ....

 

-       لكنها قالت بصخب: لا يا ( باشا ) أنا أعرف أنك تريد أن تفر منها حتى لا تجذب أذنك.. اذهب الآن حالا وعد بماما .. واستمع إلى كلامها جيدا ، وخصوصا إذا أوصتك بابنتك ( منة ) ..

 

وسط هذه الأجواء المفعمة بالحب، المترعة بكؤوس السعادة والهناء والحمد.. كانت بعض النفوس في العمل قد أخرج أضغانها ثقة الكفيل بي ، واعتماده المتزايد علي .. فبدأت أقاويل تتردد في الغرف المظلمة ..

ولم أكن ألقِ لما قد يتسرب إلي منها بالا ، فقد كنت غرا شديد الثقة بنفسي وبمكانتي عند الرجل ..

 

لكن الخناق قد ضاق تماما، واستغلوا خطأ غير مقصود، فضخموه وقلبوا له الأمور، فصدر قرار الاستغناء عني في العمل، بمنتهى الرقة والهدوء..

وعدت إلى منال حانقا غاضبا وقد فقدت عملي، وفقدنا معا مورد رزقنا ورزق ابنتينا..

ولكنها طوقتني بذراعيها بحنان بالغ وهي تقول برقة:

 

-       هون عليك يا مادة.. الله تعالى لن يضيعنا ..

 

-       قلت والدموع تتلألأ في عيني : ولكن يا حبيبتي .. لقد بقينا هنا ثلاثة أعوام، ولقد أصبحنا على مشارف قضاء أغلب ديوننا، وكنت أريد أن نأخذ إجازة وننزل إلى مصر، لترين أهلكك..

فأنا زارني أبي وأمي وأخي أكثر من مرة ولله الحمد، أما أنت فلم يزورك سوى شقيقك عصام الذي يعمل بالرياض.. كنت أريد أن أصحبك إلى مصر.. نقضي أياما رائعة في شقتنا العجيبة ، تحت زخات طلاء الجير المتساقط ..

ونذهب إلى الإسكندرية ، ونتمشى على الكورنيش ، ونزور محطة الرمل ، وأشتري لك ( آيس كريم ) ..

 

ثم .. أضفنا في نفس واحد

-       : و ( فيشار )

 

-       ثم أردفت ضاحكة بمرح: لو سمحت يا عمدتي، كف عن الكلام معي في نفس واحد

 

-       نظرت إليها محاولا الابتسام ، ثم أردفت متخابثا :

 

- ولكن  انتبهي جيدا للخمار حتى لا تبقعيه ب( الآيس كريم )

 

-       وكانت هي تقول  في نفس اللحظة : لا تذكرني ببقعة ( الآيس كريم )

وتقاطعت أصواتنا ، ونظرنا إلى بعضنا البعض ، وتطايرت ضحكاتنا وهي تقول :

 

-       ألم أقل لك كف عن الكلام معي في نفس اللحظة.. ثم جذبت أذني بلطف ..

ثم جرت من أمامي .. ولم أكن لأتركها دون ملاحقة ..

 

ثم استطعت أن أخرجها من جو المرح إلى أجواء الجد.. لكنها ظلت على يقينها بقرب فرج الله..

 

ومن الله علينا، فقيد لنا زوجة قريبي، فأخذت تبحث لي عن عمل، ومن جراء دعايتها.. توفرت لي فرصة إعطاء درس خصوصي لولدين هما ابنا أحد الأثرياء .. وكان دخلي من هذه الدروس أكبر من راتبي في الشركة التي كنت أعمبها. .. غير أن الدروس لم تكن مستديمة طول العام..

وكان للأخوين الذي أعمل مدرسا لهما .. شقيقة صغيرة وكانت تدرس في المدرسة ، وتحتاج إلى درس خصوصي لتقويتها ، وقد رشحت أسرتهم زوجتي للقيام بهذا الدور ، وكانت فيلا الأسرة تقع في حي ( العوالي ) وهو ضاحية من ضواحي مكة يسكنها الأثرياء وعلية القوم ، وكانت المسافة بين منزلنا وفيلا الأولاد أكثر من خمس وعشرون كيلو متر ، وحلا لنا أن نقطعها سويا أنا ( ومنولتي ) بصحبة ( مريومة وفطوطة ) ، فكانت رحلة نزهتنا اليومية الممتعة .. وأخيرا عملنا معا في عمل واحد أنا وروح قلبي.. التي لم تكن تدخر جهدا لمساعدتي..

 

وجاءتنا مكالمة رائعة من أسرتي .. ولقد أخبرونا أنهم قادمون .. قادمون جميعا لأداء عمرة رمضان، وأردنا أن نعرف معنى كلمة جميعا التي كرروها على الهاتف، فأسعدونا بقولهم:

 

-       نحن جميعا، أباك، وأمك، وأخويك..

 

وشعرت بشعور نبي الله يوسف عليه السلام وهو يناجي أباه قائلا :

 

" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم " سورة يوسف 100

 

ولم يكن قد نزغ الشطان بيني وبين أخوتي ، ولكن الله تعالى قد أراد أن يجمعنا جميعا في مستقر رحمته على ثرى مكة المكرمة الطاهر ..

كنت أنا ومنال طائران من الفرح ، هائمان من السعادة .. وكانت منال أكثر مني شوقا لاجتماع الأسرة .. كانت تشعر أن تجمعنا هو لحظة السعادة الخالدة ..

 

وأصبحت سيارتنا ( البركة ) تضيق علينا وعلى ضيوفنا القادمين إلينا ، وأردنا رغم كل الصعوبات المالية أن نجعل احتفالنا بجمع الله شمل العائلة أسطوريا ، فاستأذنت ( منولتي ) أن أبيع سيارتنا الحبيبة ، وأن نشتري بدلا منها سيارة أوسع وأكبر ، لنستقبل بها الأسرة ..

ولقد كانت هذه هي السيارة نفسها التي أقلتنا في رحلتنا إلى المدينة ، وبينما نحن في طريق العودة ، وكنت أقودها بسرعة لنلحق بصلاة القيام ودعاء ختم القرآن بالمسجد الحرام حسب رغبة والدي الذي أصر على أداء صلاة القيام وختم القرآن في الحرم المكي ، وفجأة انفجر إطارها وفقدت السيطرة على عجلة القيادة ، فدارت السيارة بنا عدة دورات حول نفسها في عرض الطريق ثم ، انقلبت عدة مرات .. حتى عادت إلى وضعها الطبيعي ، بعدما انقلبت أربع مرات على الأقل وقد تهشمت تماما ..

 

وكنا في السيارة ثمانية أفراد ..

 

أبي وأمي وأخوي وزوجتي وابنتي، فضلا عن سائق السيارة.. الذي هو أنا..

 

ولقد نظرنا إلى بعضنا البعض غير مصدقين، ولم يصدق أحد رأى حالة السيارة بعد الحادثة أن فردا منها بقى على قيد الحياة !!

 

 لكن الله تعالى كان قد اختار أبي الحبيب إلى جواره من بيننا جميعا.. اختاره وحده دوننا قبل أن يرى سعيدا الصغير، الذي كنا نتلهف على سرعة مجيئه إلى الدنيا ليكون دليل بري أنا ومنال بأبي سعيد رحمه الله رحمة واسعة..

 

وكنا في عرض الطريق، ولم يكن أبي قد وافته المنية، وإنما قد دخل في غيبوبة والجرح ينزف، وتوقف حولنا عدد من السيارات المسرعة إلى مكة، وبدأ الجميع يقدمون ما أمكنهم من مساعدات، وتم استدعاء الإسعاف وشرطة أمن الطرق..

 

وتم نقلنا جميعا من عرض الطريق إلى أقرب مستشفى بواسطة سيارات الإسعاف ، وفي مستشفى ( رابغ  ) .. لفظ أبي الحبيب ، حبيب قلبي وتاج رأسي أنفاسه الأخيرة .. أحتسبه عند الله شهيدا ..

 

ولقد أبلغ الطبيب أمي بوفاته ، فتقدمت بمفردها ودخلت عليه غرفة الإنعاش وبقيت معه ما شاء الله لها أن تبقى .. ثم خرجت من الغرفة لتخبرنا ..

 

وانكببت على رأس أمي وكفيها ورجليها وأنا أبكي معتذرا لها ، فلم أكن لأعفي نفسي من مسؤوليتي عن الحادث .. لكنها ربطت على رأسي وهي تقول في وضوح وقوة:

 

-       لم يكن لك ذنب يا عماد .. لم يكن لك ذنب أبدا .. إنها أقدار الله يا ولدي ..

 

وكانت كالجبل الأشم ، ولم تنسَ أنها كانت الوحيدة من بيننا التي أحرمت بالعمرة من ( أبيار علي ) ميقات أهل المدينة ومن جاء للعمرة من جهتها .. واحترمت إحرامها وعمرتها فلم يغلبها الجزع، ولم تولول وقد احتسبت عند ربها تعالى رفيق عمرها بعد عشرة وصحبة زادت عن واحد وثلاثين عاما..

 

وتقدمت منال إلي وأنهضتني بذراعيها ثم شبكت أصابع كفها بين أصابع كفي، ومشت بي وهي تقول:

 

-       هيا نلقي نظرة على أبي الحبيب ..

 

ومضينا معا صامتين في حبور كأمير وأميرة في مراسم عزاء ملكية..

لم يكن ذلك من تمثيل، وإنما من جلد أنزله الله على قلبينا..

 

 ودخلنا على والدنا المسجى على فراش المستشفى ، ونظرنا إلى وجهه .. وعجزت عن فعل أو قول أي شيء ..

لكن الأميرة التي كانت بجواري تقدمت من الفراش، وانحنت على جبين أبي فطبعت قبلة ملؤها الحب والعرفان والتقدير.. تغلب عليها مشاعر تحركها قدسية الموت، ورهبة الميت.. ثم همست في أذنه بصوت سمعته بوضوح رغم انخفاضه وجلاله .. داعية المولى :

 

-       اللهم إني استودعتك هذا الجسد الطاهر وأنت لا تضيع ودائعك، فحرمه على النار..

 

ووجدت نفسي أقلدها، فتبعتها أنحني على جبين أبي وأقبله قبلة طويلة.. ثم أدعو الله وأنا أسمع وجيب قلبي :

 

اللهم إني استودعتك هذا الجسد وأنت لا تضيع ودائعك، فحرمه على النار..

 

وخرجنا ، وهي تهمس لي في حبور وجلال :

 

- أبشر بشهادة أبيك يا عماد .. ألم ترَ النور على وجهه الجميل ؟

 

واستبشرت ..

وطلبنا من أمي حين عدنا إليها ، أن تدعو الدعاء المأثور :

 

إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرنا في مصيبتنا .. واخلف علينا بخير منها ..

 

 ورددت أمي لحبيبة الدعاء .. حتى وصلت إلى : واخلفني بخير منها .فتلعثمت، ، ورفض لسانها أن ينطق ..

 

وألححت عليها باستكمال الدعاء ..

 

فلقد سألتني عاتبة :

 

-       وهل يوجد في الدنيا من هو خير من أبيك ليخلف علي به ؟

 

-       وأجبت إجابة ألقاها القدر على لساني: لعل الله تعالى يرزقنا بسعيد الصغير ليكون خير خلف لخير سلف..

 

 

ولم يمضِ  على هذا الحديث الدامع الحزين في مستشفى رابغ ، سوى تسعة أشهر إلا عدة أيام ، وكان سعيد الصغير يطلق صرخته الأولى بين أحضان منال !!!

 

ولا تسألني يا صديقي بعدها لماذا شبهت دخولي أنا ومنال على جسد أبي رحمه الله، بمشهد أمير وأميرة ؟

 

فأنا لا أدري لهذا التشبيه الذي وقر في نفسي منذ لحظتها سببا، فلم يكن في الوقائع المادية شيء يذكر بذلك.. ومع ذلك شعرت أننا نتحرك في جنازة ملكية ولا تسألني لماذا ؟

 

ولقد تكبدنا إثر هذه الحادثة الفاجعة، وما تلاها خسائر مادية زادت أعباء ديوننا، فلم يكن بد من البدء من جديد..

 

وكان لابد من بقاء أمي وأخي الذين حضرا لأداء العمرة وقضاء العيد ثم الانصراف بعده مباشرة لارتباطهما بأعمالهما في مصر..

 ولم نكن نعلم كيف يمكن أن يعودا إلى مصر دون أن يكون أبي في صحبتهما، وقد من الله عليه بإقامة كاملة بمكة المكرمة حتى يوم القيامة !

 فقبر في مقابر ( المعلاة ) التي تبعد كيلو متر واحد عن الحرم المكي الذي كان يعشقه في حياته ، وشاء الله تعالى أن يجاوره بعد مماته ، وهي تلك المقابر التي دفنت فيها السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ، إن سكان القارة الهندية من المسلمين يطلقون على مقابر المعلاة ، اسم : جنة المعلاة .. ويتمنى الواحد منهم أن يدفن فيها احتسابا لرحمة الله .. ولقد سمعت أبي أثناء زياراته لنا أكثر من مرة يردد دعاء هؤلاء الهنود !!

 

وقد استبقينا أمي وشقيقي الأصغر في ضيافتنا، حتى أتما فريضة الحج.. أما أخي الأوسط ، فعاد إلى مصر بعد عيد الفطر مباشرة ، لارتباطه الشديد بأعماله ومصالح الأسرة ..

وانقضى موسم الحج الأعظم ، وانفض السامر ، وتفرق الجمع ، وأذن مؤذن يا أهل مصر مصركم ، ويا أهل اليمن يمنكم .. وفرغت علينا شقتنا بعد تجمع وامتلاء..

 

و سألت منال بعدما ودعنا أمي وأخوي في أعقاب موسم الحج، سألتها برفق:

 

-       حبيبتي: ألم تشتاقين إلى أهلك ؟

 

-       أجابت والدموع تلمع في عينيها : عماد حبيبي أنت أهلي ..

 

-       وأبوك وأمك وأخوتك يا منال ؟

 

-       لا تشغل بالك بهذا الأمر ..

 

-       ألححت عليها قائلا في عزم : ( منولتي ) لقد تعاهدنا على الصدق دائما ، وإني أسالك أن تصدقيني عن مشاعرك في هذا الأمر ؟

 

-       أجابتني والدموع تنساب على خديها: إني مشتاقة إليهم.. مشتاقة إلى أن أبرهم وأن أسمع دعواتهم لي .. ولكني لا يمكنني أن أتخلى عنك لحظة واحدة .. لا يمكنني أن أنزل مصر بدونك، مهما كانت الظروف..  ولا يمكنني أن أطلب منك أن ننزل ونحن في هذا الوضع المالي الصعب.. أنا معك يا روح قلبي، معك في كل خطوة حتى آخر العمر..

ثم تمالك نفسها وابتسمت وهي تضيف :

 

-       على قلبك لطالوت ..

 

وما لبثت أن اتسعت ابتسامتها وهي تهتف:

-       قلت لك مرارا كف عن الكلام معي في نفس اللحظة..

 وكنت قد نطقت عبارة ( على قلبك لطالوت معها في نفس الصوت ) ..

 

ولقد كنت أنا أحاول تعويضها عن فنائها هذا في حبي، بأن أحسن ما استطعت إلى شقيقها عصام، وكان عصام رغم كل ما مر بنا في أيام الخطبة ومقدماتها، كان صديقي وحبيبي.. كنت أحبه .. ولذا كان من الطبيعي أن أكرم وفادته حينما يتكلف عناء السفر ومشقة المسافة ليأتي إلينا من الرياض قاطعا مسافة قدرها ألف كيلو متر تستغرق أكثر من نصف يوم سفر ..

 

بل إن أعظم ما سعدنا به ، هو أننا أنا و( منولة ) قد استضفنا حفل زواجه بشقتنا الجميلة بمكة المكرمة ، واستقبلنا عروسه بمطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة  ، وزففناهما بسيارتنا ( البركة ) ..

 

ولقد كان عصام بعدما جرب نار الحب واكتوى بلوعة الفراق، كثيرا ما يعتذر لنا أنا ومنال، كل على حده على ما كان يمارسه معنا أيام الخطبة والعقد !!

 

ولقد كان كلانا يضحك من أعماق قلبه على هذا الاعتذار المضني لصاحبه.. وكنا نعلق على ذلك في غرفتنا الخاصة قائلين في نفس واحد:

 

-       من أردت أن تربيه وتهذبه وتعلمه الأدب في معاملة شقيقته وزوجها، فلتدعو عليه أن يبتلى بالحب، فهو أحسن تهذيب وإصلاح..

 

-       وكعادتها قالت، أو قل رددت اللازمة التي كانت لا تفارق فمها غالبا: قلت لك كف عن الكلام معي في نفس اللحظة..

 

و قد عوض الله تعالى بعض صبر بعض صبر منال خيرا،  فاجتمع بمنزلنا بمكة في رمضان التالي مباشرة أبوها وأمها، ولقد أقاما عندنا من شهر رمضان حتى انتهاء موسم الحج.. وزارهما شقيقها عصام وعروسه وابنه الطفل الرضيع فاجتمع شمل عائلتها إلا شقيقتها وأخوها هاني ، وكان هذا هو أول الغيث ..

 

لكن الأمر قد طال بعد مغادرة والدها ووالدتها .. لقد طال الفراق حتى تجاوز سبع سنين أخرى.. ولكنها صبرت في غير تململ أو ضجر، وطال صبرها..

 

وخلال هذه المدة ، كانت ظروف عملي تتأرجح فتارة تستقر ، وتارة تتأزم ، ومنال صابرة محتسبة ، بل مشاركة بكل ما يمكنها أن تشارك به من مجهود وطاقة ، وكانت أمي رضي الله عنها كلما زارتني تشتري هدية ذهبية تهادي بها منال ..

 

 ولماذا تتعجب، أليست ابنتها ؟

 

ولقد كانت منال إذا ضاقت بي السبل، أحضرت قطعة الذهب هدية أمي لها، وهي لم تلبسها بالطبع لما بينها وبين الذهب من عدم استلطاف يبدو أنه كان متبادلا بينهما..

تأتيني بالقطعة الذهبية قائلة في رقة :

 

-       عمدتي.. هذه هي هدية ماما لنا ، وهي ملك لك ، فهي تهديها لك ولأسرتك ، نذهب فنبيعها ، ونتصرف بثمنها ..

 

-       منال ..

 

-       نعم يا حبيبي .. لا أريدك أن تغضب هكذا.. تصرف الآن، ولسوف يفرجها مفرج الكروب، عندها لن أتركك حتى تشتري لي أفضل منها..

 

-       وعندما تزورنا ماما ، وتسأل عنها ؟

 

-       نقول لها أي شيء .. عموما ماما تأتينا بهذه الهدايا الذهبية وهي تعرف أنني لا ألبس الذهب ، فهي تأتينا بها من أجل أن نتصرف بثمنها في الأزمات فلا تقلق ..

 

ولم تكن تكتفي منال بذلك، فلقد احترفت الدروس الخصوصية في الأعوام الثلاثة الأخيرة .. صحيح أنها لم تكن تعطي أكثر من طالبتين أو ثلاثة طوال العام، لكنها كانت تدر لنا دخلا شهريا معينا على أحوالنا..

ولا أستطيع أن أتذكر أن منال كانت لها طلبات خاصة، في ملبس أو مأكل أو مشرب، أو في احتياجات المنزل، بل كانت دائما تستكثر ما جئتها به ولو كان قليلا..

 

ولقد ذكرت لك سابقا أنني قد أثثت أول شقة لنا بمكة تأثيثا معقولا بالنسبة للمقيمين بالغربة ، وكانت لدينا غرفة نوم كاملة ، ثم امتلكنا واحدة أفخر منها عندما انتقلنا إلى السكن الجديد في الحي الراقي ، وكذا غرفة استقبال فاخرة ، ومكتبة ، وبعض أثاث جيد..

 

ثم تعددت انتقالاتنا من مسكن لآخر بعد ذلك بسبب اختلاف ظروف العمل والقرب من مدارس الأبناء، وما إلى ذلك..

 

وشعرنا بان نقل مثل هذا الأثاث الكبير يمثل عبئا علينا في كل مرة، فتخلصنا من معظمه..

تخلصنا من غرفة النوم ، ومن ( الأنتريه ) ، ومن المكتبة ، ولم نبقِ إلا على أدوات المطبخ والأجهزة الكهربائية والكتب بطبيعة الحال ..

 

وأذكر أن منال ظلت معي تسع سنوات لم تذق فيها طعم النوم على سرير.. وإنما كنا ننام على فرش أرضية !! مراتب من الإسفنج الخفيف نضعها على الأرض مباشرة ..

 

وإذا كان هذا هو حال بيتنا من الداخل ، فلقد كنت أنا مولع بالسيارات ، مولع بها إلى حد الهوس ..

كنت لا أطيق أن أبقى شهرا واحدا دون أن أمتلك سيارة ، فلقد كانت وسيلة الانطلاق والترفيه والعمل والتسوق وكل شيء .. كنت أختنق حين تبلى سيارتي ، أو تتعطل ..

 

 وبالمناسبة كانت السيارات عندي تبلى ، كما تبلى الأحذية ..

 فلقد ألقيت في القمامة على قارعة الطريق ثلاث سيارات في غضون خمس سنوات ، ألقيتهم حتى دون أن أبيع شيء منهم لسوق الخردة !!

 

وسيارة رابعة أصلحتها من كافة أعطابها ، وأنفقت عليها ما يعادل  ثمنها ، وجاء بائعها فاستردها مني دون أن يدفع لي ريالا واحدا ..

 

وكانت منال تدرك ولعي هذا بالسيارات ، ولم تكن تعاتبني عليه ..

 

ولقد كنت مولعا يا صديقي بعدة أشياء أنفق عليها بغير حساب :

 السيارات .. والطعام الجيد ، فأنا بطبعي أحب الجيد من الطعام ، والعطور ، وملابس المنزل بالنسبة ( لمنولتي ) ، واقتناء الكتب وبرامج الكمبيوتر .. ثم لم أكن فيما بعد ذلك ، ألقي بالا لشيء من متطلبات الحياة سواء كانت هذه الأشياء من أثاث المنزل ، أو لزوم السفر والإجازات ، أو غيرها من الأمور ..

 

وكانت منال تدرك هذه الصفة جيدا ، وكانت تحاول جاهدة أن تعيد ترتيب أولوياتي الإنفاقية ، لكن دون جدوى ..

 

وأذكر أننا في بداية كل شهر كنت أعدها أن أجعل مصروف البيت في يدها ، وأن آخذ منها مصروفا حتى لا أسرف ، ولا أشتت المال ، ولكن سرعان ما كنت أحتال عليها فآخذ منها ما قد أعطيتها إياه ..

 

 فهذه سيارة تريد إصلاح ، وهذه قطعة كمبيوتر بسعر مناسب .. وهذه .. وهذا ..

ثم لا يتبقى شيء !!

 

ولم تكن منال تضجر وإنما كانت تضحك ، قائلة :

 

-       كل شهر وأنت طيب يا حبيبي ..

 

وكنت منذ مولد طفلنا ( سعيد ) قد غيرت مجال عملي ليصبح في مجال الحاسب الآلي .. لم أعد أعمل عليه أو استخدمه في عملي كمدخل بيانات ومستخدم برامج ،

وإنما دخلت مجال العمل في سوق الحاسب .. تجارة وصيانة وتعليم .. ولقد أتاحت لي هذه النقلة على كثرة تقلباتها ومقالبها المالية ، حيث كنت فاشلا في التجارة إلا على منال ، حيث كنت أقايضها على خبر أو مفاجأة ، وأصر على قبض الثمن مقدما ، ولم يكن الثمن نقودا أبدا ، ولذا فقد كنت لا أنجح إلا في هذا فقط ..

 

ولقد أتاح لي العمل في مجال الحاسب فرصة استثمار الوقت في مجال الكتابة والبحث والاتصال بالصحف والمجلات والمواقع عن طريق الإنترنت ..

 

ولقد كانت منال طوال الفترة التي سبقت ذلك تشجعني للاستمرار في البحث والكتابة ، وتحثني على ذلك ، وكنت أنجز بعض الأعمال ، لكنني لم أكن أجد طرق التسويق أو العرض لما أنجزت ، ومع بداية عملي في مجال الإنترنت والاتصالات .. وجدت السبيل أخيرا ..

 

والعجيب حقا أن منال طوال هذه الفترة التي أسميها بفترة الإنتاج الخامل ، كانت مؤمنة بي ، وكانت تأخذ بعض أعمالي المتواضعة فتعرضها على صويحباتها ، علها تجد من بينهن من يهتم ، فتعرضه على زوجها ، عسى أن يصادف ذلك زوجا يعمل في مجال قريب من النشر أو التوزيع أو الإعلام ، ولم تكن إحداهن على ما يبدو تهتم ، ولم تكن منال في المقابل تيأس أو تكل ..

 

وأخيرا بعد طول انتظار وصبر وإنتاج من جانبي ، وتشجيع ومؤازرة وعون وسكرتارية وتنظيم من جانبها ..

 

شممنا أخيرا روائح الورق المطبوع في مطابع الصحف ، ونزلت لي أول مقالة منشورة بمجلة خليجية محترمة جدا ، ولم يكن المنشور مجرد مقالا ، بل كانت دراسة كاملة مستوفاة ولقد نشرت على أكثر من حلقة ..

 

ولقد اقتنيت المجلة التي نشرت لي باكورة أعمالي المنشورة ، وتوجهت بها بأسرع ما يمكن إلى منال ، وأنا ألوح لها بالمجلة ..

 

ولم تطق منال صبرا أن أبشرها أو أساومها على ما تقدمه من ثمن .. لكنها أقبلت علي تغمز بعينيها ، حتى غافلتني ، وخطفت المجلة من يدي ، وجرت بها من أمامي إلى الغرفة ، وأغلقت الباب خلفها ، وهي تسند ظهرها إلى الباب حتى لا أستطيع فتحه عليها ، وكنت أسمع تصفحها للأوراق المجلة بسرعة ونهم تبحث عن مقالتي .. حتى إذا وجدتها تركت الباب فجأة ..

حتى كدت أسقط على وجهي وقد كنت أدفع الباب بقوة عليها .. ثم ألقت نفسها بين أحضاني والمجلة مفتوحة على مقالتي بيننا ..

 

لقد كنت أشعر لهذه المقالة بأنها أحد أبنائي .. وكان شعور منال لا يوصف .. وهتفت والفرحة تطير بها من على الأرض :

 

-       لن نستطيع أن نتحدث إليك بعد ذلك أيها الأستاذ العظيم ( عماد سعيد )

 

-       وأجبتها والبهجة تقفز من ملامح وجهي : مبروك علينا نحن الاثنين يا روح قلبي ..

 

لكنني كنت قد وقعت في المحظور التي طالما حذرتني منه ، لقد نطقت هذه الجملة معها في نفس اللحظة ، وصرخت منال :

 

-       قلت لك كف عن الكلام معي في نفس اللحظة ..

 

ثم تناولت منال سماعة الهاتف ، وأخذت تتصل بكل صويحباتها لتخبرهم أن أول أعمال زوجها المنشورة قد ظهرت في المجلة الفلانية ..

كانت سعادتها تصور لها أنهن جميعا سيشاركنها الفرحة بنفس القدر ، ولم تكن تعلم ، أن هذا خبر لم يكن يلقين له كثير بال !!

 

لقد أثمر التعاون الدائم والعمل الحثيث خلال ست سنوات تالية للكاتب وسكرتيرته القديرة ، في نشر قرابة مائة مقال موزعة على عدد من الصحف والمجلات ، وعشرات القصص القصيرة ..

 

ورغم جهود منال المضنية معي ، ورغم عملها الدائب ، وسهرها الدائم ، وتنظيمها المتقن ، لكن اسم عماد سعيد هو الذي كان يظهر بمفرده ، دون أن يظهر بجواره اسم ( منال نور ) ولكنها كانت راضية بذلك سعيدة كل السعادة ..

 

وكنت أنا لا أدخر وسعا في إشعارها بشراكتنا الكاملة ، ولم تكن هي في حاجة إلى مثل هذا الجهد ، فهي تعرف ما تبذله من أجل إنجاح كتاباتي ، وتعرف أكثر من هذا أنها لا تفعل ذلك من أجل شهرة أو إشارة إليها ، إنما تفعله من أجل أهداف عليا سامية ..

 

ولكم سهرنا من ليال طويلة تنتظر تحت قدمي وأنا جالس أمام الكمبيوتر أكتب .. حتى تندني بأي مرجع أحتاج عليه وأنا على هذه الحالة المتوترة من التوهج والعمل ، ثم تظل جالسة في مكانها هذا حتى إذا انتهيت .. تبادلنا الأماكن ، فجلست هي على المقعد أمام الكمبيوتر ، وجلست أنا بجوار قدميها مغمض العينين ، وهي تعيد علي قراءة ما كتبت أنا ، وتصحح أثناء ذلك الأخطاء الإملائية والنحوية ، وأخطاء الأسلوب وتناقشني في بعض الأفكار ..

 

ولطالما تجادلنا حول إنها تريد أن تقرأ في صمت حتى تستشعر ما تقرأ بشكل أفضل ، وأنا ألح عليها أن تقرأ لي بصوت مرتفع ، لأنني لم أكن أتذوق كلماتي ، إلا من خلال صوتها هي ..

 

ولم تكن تلك مجاملة مني لها ،  حتى أن المقال أو القصة الذي لم أكن أسمعه من فم منال ، حتى أتخيل ما كتبت وأنا مغمض العيني .. كان المقال الذي لا يمر على سمعي عن طريق صوتها  يأتي متضارب الأفكار باهت المعالم !!

 

لدرجة أنني كنت أسمع المقال بصوتها الرخيم الفخم ، فأستشعر أنه أفضل ما كتبت ، وأنه سينشر في أقرب فرصة ممكنة لجدارته بذلك ، ثم عندما ينشر ، وأتناول المجلة أو الصحيفة التي نشرته ، فأقرأه فيها ، فلا أجد له طعما ، ولا أشعر له بنكهة ، وأتساءل كيف سيتذوقه القراء بدون صوت منال الذي يضفي عليه الأبهة والفخامة والجمال ؟؟؟

 

 

لقد كانت قراءتها لي جزء لا يتجزأ من كتاباتي .. إن منال هي عيني التي أبصر بهما ، وصوتي الذي يعبر عني ..

 

 لقد كانت تملك ذوقا خاصا فريدا في تلوين العبارات ، والإيحاء من خلال القراءة بما يريد أن يوحي به الكاتب ، فكانت بهذه الموهبة الفطرية ، كأنها وهي تقرأ تضع خطوطا متعددة ، أسفل بعض الأفكار والمعالم الرئيسية في المقال أو البحث ، ولقد كانت كثافة هذه الخطوط تتغير بتغيير أدائها ونبرات صوتها في القراءة !!

 

ولا أحسبك بعد هذا يا صديقي ستتخيل أننا كنا نتبادل الأماكن أمام الكمبيوتر ، فاجلس على المقعد أولا وهي على سجادة الغرفة بجوار رجلي ، ثم نتبادل الأماكن ، لأننا لم نكن نملك سوى مقعدا واحدا !!

لا فقد كنا نملك عددا من المقاعد .. مقعد ثانٍ على أقل تقدير ..

 

ولكن هذه الجلسة العجيبة هي التي كانت تحفزنا على الإنجاز ..

 

أما عندما يكون عملي بالكتابة في الأوقات المبكرة عن ذلك ، فقد كانت منال تظل تروح وتجيء ، فتحضر لي أكواب الشاي وفناجين القهوة ..

لم تكن قهوة تماما ، وإنما مشروب ( الكابتشينو ) اللذيذ الذي كنت أحبه ، وهو مخلوط القهوة بالكاكاو بالحليب ..

 

 ولقد كانت منال تبقى على هذه الحالة من تقديم الخدمات ، علما بأننا كلانا في غير هذه الحالة من الوهج الكتابي ، لم نكن نستخدم المنبهات أبدا ، فلسنا من هواة الشاي أو القهوة ..

كانت تبقى هكذا .. حتى أنظر إليها ضاحكا ، ولم أكن أضحك وأنا في هذه الحالة ، حتى أضع ما يضغط على عقلي ونفسي من أفكار فوق صفحات برنامج ( الوورد ) بالكمبيوتر ، بعد ذلك كان يمكنني أن أبتسم ..

 

فكنت أبتسم لها وهي تروح وتجيء وأهتف في نفس اللحظة التي تهتف هي فيها :

 

-       لم يتبقَ سوى علبة ومنفضة السجائر والولاعة ..

 

وكانت ضحكتنا تجلجل ..

وهي تنهرني قائلة :

........   ......   .....  ........

لا لن أذكر عبارتها هذه المرة .. بل قلها أنت ، فأظنك يا صديقي قد حفظتها عن ظهر قلب ، من كثرة تكراري لها ..

 

وكنا بالطبع حين نتحدث عن السجائر ، ونحن الذين نرى التدخين ضارا جدا بالمظهر العام للإنسان ، فإنما كنا نلمح إلى ما حفظناه عن ظهر قلب من أفلام السينما التي دائما ما تصور الكاتب والأديب ، وهو جالس إلى مكتبه في فترات الكتابة ، يدخن بشراهة ، ويمزق الأوراق التي يكتبها ، وكلما كانت عدد الأوراق الممزقة أكثر ، كلما كان الكاتب ألمع وأنجح !!!

 

ولقد كانت منال أحيانا تمازحني ، فتقول لي :

 

-       أريد أن أتخيلك مثل أدباء الأفلام

 

وقد كنت أملك ( روب ديشمبر ) لم أكن أرتديه أبدا .. وإن كانت منال هي التي اختارته لي ، فارتديته من أجلها مرات قليلة ، ثم لم نعد نهتم .. فكنت أقوم إلى خزانة الملابس ، فأخرجه من مخبئه ، وأرتديه ثم أجلس إلى الكمبيوتر .. وهنا كانت هي تقول ضاحكة :

 

-       أنت الآن تستحق فنجان ( كابتشينو ) ..

 

وكنت في الفترات التي تلح علي فكرة من الأفكار أكون عجيبا جدا ، خاصة إذا لم أكن أجد الطريقة أو الأسلوب الأمثل للتعبير عنها ، فلقد كنت أصبح متوترا حادا ، قلقا .. وكنت أرفض أن أسمع همسا أو تنفسا من حولي ، فإن أرادت منال أن تغلق خلفي باب الغرفة منعا لضوضاء الأولاد .. أنهرها قائلا :

 

-       لا أحب الأبواب المقفلة .. إنني أختنق .. أشعر أنني في سجن ، وأنا لا أحب السجون ..

-       أريد أن أجنبك جلبتهم يا حبي ..

 

-       لا بل دعيهم حولنا .. لكن على ألا ينطقون حتى أنتهي ..

 

-       هذا أمر صعب على الأولاد يا عمدة

 

 

-       فأقول بفروغ صبر وقد رسمت مائة وإحدى عشر على جبيني : افعلي ما قلته يا منة ، فليس الوقت وقت جدال ، أرجوك ..

 

ثم أظل على هذه الحالة حتى ألقي ما أثقل كاهلي من أفكار .. وهنا أتوجه إليهم باسما .. ويتنفسون جميعا الصعداء ، فلقد سري عن أبيهم ولله الحمد ..

 

ولم نكن دائما نكتب أو نبحث أو ننتج ونحن على هذه الحالة من المرح أو حتى الانفعال الذهني فقط ، لم نكن من هذا النوع الذي يكتب لتسلية الناس ، أو يكتب عن ترف فكري وثقافي ..

 

وإنما عانينا ليالي طويلة وتكبدنا في سبيل ما نخرج للناس من أعمال هموم .. لم تكن هموما شخصية ، ولم تكن حتى هموم وطن ، وإنما كانت هموم أمة ..

 

وإنني لأتذكر حتى الآن الجو النفسي الذي أخرجت فيه مقالاتي : ( صانع القنابل البشرية ) وقصة ( مريم صرخة الأزهار )  ، ( الشهادة اصطفاء أم ابتلاء ) ، ( القدس بين صلاح الدين وصلاح شحاده ) ..

 

وغيرها من المقالات والقصص النارية الحارقة .. لقد كنا نعيش انتفاضة الأقصى بكل كياننا .. حتى أننا كنا نعلق صور العدوان على أهل فلسطين ، وصور استشهاد محمد الدرة في غرف المنزل ، ولقد عاشت الأسرة كلها الأحداث كأننا كنا هناك ..

 

 وأذكر أن الجمعية الخيرية التي كنا نعمل من خلالها ، أقامت يوما خيريا نسائيا أو طبقا خيريا لجمع بعض التبرعات لفلسطين ، وأننا يومها لم يكن معنا مال ، وقد قرر كل منا أن يقدم أغلى ما يملك ولو كان رخيصا في قيمته المادية ، فقررت منال أن تقدم ( خاتم الخطبة ) هذا الذي سجل عليه اسمي ويوم ميلادها وهو نفس يوم خطبتنا ..

وقدمت أنا خاتم خطبتي الفضي الذي حمل اسمها ، وحمل تاريخ حبنا ، ولم يكن يساوي شيئا في دنيا المال .. لكننا كنا نتقدم لفلسطين بنبض قلوبنا .. حتى أنني إلى يومي هذا لا ألبس خاتم خطبة ، ولا هي ، ولم تكن منال تقيم وزنا للذهب ، إلا لهذا الخاتم الذهبي الذي جرى العرف أن يعتبر رمز الارتباط والحب ..

لقد كانت تعشقه ، كانت تعتبره قطعة من كفها ، حتى أنها كانت كثيرا ما تحركه حتى تبقي اسم عماد إلى أعلى إصبعها ، وكانت كلما توضأت ، حرصت على تعديل وضعه على هذا النحو ..

فإذا سألتها :

 

-       لماذا هذا العناء ؟

 

-       ضحكت قائلة : إن اسم عماد يجب أن يظل دائما في الأعلى ، كما أنني لا أجعله أبدا أسفل إصبعي أضغط عليه .. ثم تضيف وعلى وجهها ملامح الشك والريبة :

 

-       هل تشعر يا عمدتي أنني أضغط عليك ؟

 

-        وأنظر إليها في حب ، وأقول إنما ضغطتك ضغطة النسمة الرقيقة الحانية التي تهف على الأرواح وقت الهاجرة ..

 

-       يا سلام يا عمدة إنني ما حييت لا أستطيع أن أجاري عذوبة لسانك ورقة مشاعرك ..

 

هكذا كان خاتم الخطبة يمثل بالنسبة لمنال ، لكنها في يوم الطبق الخيري ذاك ، تفقدت ولم يكن هناك مال ، فقررت أن تقدم بعض نبض قلبها لقبلة عشقها وهيامها ..

 

وفي مثل هذه الأجواء يا صاحبي كنا نخرج إنتاجنا للنور ، فلم نكن نكتب بمداد من حبر ، وإنما نكتب بمداد من دموع تسيل ، ودماء تحترق !!

 

ولم تمض فترة على مآسي ما يحدث في فلسطين ، إلا وقد بدأ العدوان الأمريكي على العراق ، وكنا نعيش وقتها أجواء الحرب مثل ملايين الأسر العربية في أنحاء العالم ، نشعر أن هذه الغارات إنما تقذف قنابلها ، وحمم براكينها ونيرانها فوق رؤوسنا جميعا ..

 

 لقد عشنا أياما وليال كأننا في الخنادق تحت الأرض ، ولم نكن نترك شاشات الفضائيات من أمثال العربية والجزيرة وأبو ظبي وغيرها  ..

 

ولم نكن ننام ، أو نغفل ، وكنا نحترق ، وفي أثناء هذا الاحتراق ، نشرت لي مجلة واحدة ، وكانت للمفارقة مجلة كويتية محترمة نشرت لي سلسلة من أربع مقالات كانت تتناول المعالم التربوية في مواجهة الحرب العسكرية يجمعها معنى واحد كبير هو إعادة إعمار الأمة معنويا ، لقد كنا نكتبها بدمائنا ونزف قلوبنا ..  

 

    لقد كانت منال تناقشني فيما أطرح من أفكار في المقالات والأبحاث نقاشا قويا ، وتجادلني جدالا مريرا .. ولقد كنت أضطر كثيرا أن أعيد صياغة ما كتبت استجابة لوجهة نظرها ، وأحيانا كنت أصر على رأيي ، إذا كنت واثقا تماما من سلامة ما طرحت من أفكار وجودة الأسلوب ..

أما في مجال القصة القصيرة فقد كانت توحي لي بكثير جدا من موضوعاتها ، بما ترويه لي من مواقف اجتماعية متعددة ومختلفة ، حتى عرفت في الوسط الأدبي المتابع لإنتاجي ، بالواقعية من جهة ، وباختلاف وتنوع الموضوعات والأفكار المطروحة من جهة أخرى ، حتى كأن تلك الأفكار المتباينة المختلفة قد أنتجها عدة كتاب مختلفين وليس كاتب واحد !

وكان ذلك بفضل ما تمدني به ( منولتي ) من موضوعات اجتماعية متباينة وشيقة ..

 

 

    ومنذ أن استقرت إقامتنا في مكة المكرمة بدأت أنا ومنال كعادتنا نبحث عن سبل العمل الاجتماعي من خلال جمعية خيرية ، تقوم بأعمال الدعوة والبر الاجتماعي بين المغتربين ، وليس هذا المجال تمييزا مقصودا لذاته ، وإنما الظروف هي التي تحكمه ، فإن الإمكانيات الضخمة للعمل الخيري الوطني في المملكة لا تجعلها في حاجة إلى جهد المقل من أمثالنا ..

 

     ولقد حاولنا أن ننقل بعض أساليب العمل التي اعتدنا عليها في مصر ، ولكن تكسرت هذه المحاولات على عدة صخور أهمها صخرة القائمين على إدارة الجمعية الخيرية ..

وكنت بالطبع أعمل في مجال الرجال ، ومنال تعمل في مجال النساء .. لكننا نحن الاثنين أصبحنا نبدو مثل التوأم في الأفكار والأطروحات و...  ، .....

كنا للقائمين على هذه الجمعية بمثابة التوأم المشاغب في ملاعب الكرة المصرية ..

وأنا كثيرا يا صديقي ما أضرب المثل بهذا التوأم الكروي ( حسام وإبراهيم ) على وجه الخصوص ، لأنهما كانا أصحاب موهبة حقيقية لكنهما كانا مع ذلك مشاكسان يرفضان قرارات الحكام والمدربين والأندية وإتحاد اللعبة ، إذا بدت لهما هذه القرارات ظالمة أو غير منطقية ، ولقد كنت أنا ومنال كذلك !!

لقد بدوت أنا وروحي ( منة ) على هذا النحو ، مشاغبة ومشاكسة دائمة مستمرة ، ولا يفوتك يا صديقي أننا لم نكن على الحق دائما أبدا ، فربما أخطأنا ، وربما جانبنا الصواب ، ولكننا كنا نجتهد ، في زمن ومناخ يحب الطاعة الصارمة المشددة ، ولا يعطي فرصة لاجتهاد يصيب مرة ويخطئ مرات ..

والمشكلة الحقيقية التي كانت تواجه إدارة الجمعية في هذا التزامن الملفت في تفجير المشكلات ، وطرح القضايا ، وتحريك المياه الراكضة بإلقاء الحجارة فيها ..

ولم يكن ذلك عن عمد ، ولا عن سابق اتفاق بيني وبين منال ، وإنما كانت ردود فعل تلقائية ، لما يعرض لنا من مشكلات ، وكان لابد لرد الفعل العفوي عندما يصدر من عماد ومنال أن يكون متوافقا إلى حد مذهل ..

وإني أعترف أن منال كانت احكم وأكثر رزانة واتزانا مني ، لكنها كانت تثير المشكلات أيضا ..

وكانت تقوم بإثارتي بما ترويه لي من مشكلات تزيد من أسباب غضبي وحنقي ..

ولكنها مع ذلك كانت لا تجد نفسها إن لم تكن مشغولة بعمل خيري أو دعوي تستغل فيه طاقتها ومواهبها ..

والحقيقة أيضا يا صديقي ، أنني في المقابل كنت قد وجدت بديلا يستوعب طاقتي ، ويرضي طموحي ، وهو كذلك يبقيني في دائرة العمل العام ..

فهواية الكتابة ، ونجاحي في إيجاد كثيرا من مصادر النشر أتاحت لي هذه الفرصة ، فبدأت ألح على منال في أن نأخذ القرار الذي تأخر كثيرا ، فنترك هذه الجمعية ، ونكتفي بالعمل من منازلنا ..

قالت منال متشككة حائرة :

 

-       أليس للمجتمع حق علينا يا عماد ؟؟

 

-       بلى حبيبتي .. وإنني لا أطلب منك اعتزال المجتمع ، والبقاء في المنزل لتربية أطفالنا وفقط ..

 

-       لا أفهم لطلبك بترك الجمعية معنا سوى ذلك ..

 

-       لا يا روحي على العكس ، أنا أرى أن طاقاتك الحقيقية معطلة مع هذه الجمعية وطريقة إدارتها ..

 

-       قالت بتعجب : كيف !!

 

-       ألم تذكرين لي أكثر من مرة أنك تعاني من الاختناق ؟

 

-       نعم ، لكن أوجد لي البديل أولا ..

 

-       قلت بثقة : البديل موجود يا حبيبتي ، فقط انظري حولك .. انظري إلى الجيران ، وإلى من حولنا من أهل يقيمون معنا في غربتنا .. حددي هدفك بنفسك .. ألا تحبين أن تحفظي القرآن الكريم ؟؟

 

-       قالت بانفعال : إنها أمنية حياتي ، لكنها أمنية بعيدة المنال ..

 

-       قاطعتها بحدة أجفلتها : أرجوك لا تذكري اسم حبيبتي على لسانك ..

 

-       نظرت إلى دهشة بضع ثواني ، ثم ضحكت ..

 

-       فقلت في تأكيد : سنوات كثيرة مرت عليك وأنت منتظمة في هذه الجمعية ، ومع ذلك الجديد عندك .. كما عندي أيضا قليل ، لا يتناسب أبدا مع الوقت الضائع ، ولا الجهد المبذول .. اجعلي هدفك حفظ القرآن الكريم ، وستصلين ..

 

-       قالت في تشكك : دعنا نجرب .. وإن كان الأمر يبدو صعبا ..

 

-       يبدو صعبا يا حبيبتي ، لكنه ليس مستحيلا ، وهو كذلك لأننا لم نجرب ..

 

-       قالت في حسم : إذن فلنجرب ..

ثم أضافت في تحذير وتحدي .. لكن لا تنس أنها مجرد تجربة ، فلا تلزمني بها إن فشلت ..

 

        أخذنا قرارنا في حزم ، ولم نكن من النوع الذي يثير مشاكل إذا اختلف مع الآخرين .. أي أن إدارة الجمعية الخيرية استراحت من التوأم المشاكس استراحة كاملة ، فإننا إذا ابتعدنا لم نذكرهم إلا بكل خير ، فالحر يرعى وداد ساعة ، كما ان اختلافنا معهم كان من نوع اختلاف التعدد لا اختلاف التضاد ..

فلم نكن دعاة بلبلة ، ولا دعونا أحدا أن يحذو حذونا ، فإنها طاقات ، فمن الناس ، من لا يستطيع العمل الخيري ، إلا من خلال مجموعة توظف طاقاته ، ومنهم ، من إذا حاولت توظيف طاقاته عطلتها ، وكنا من النوع الثاني بحسب اجتهادنا ..

وركزت منال في هدف حفظ القرآن ، وانتظمت في ذلك ، وأشرفت خلال ثلاث سنوات على تحقيق أمنية حياتها ، فلقد حفظته كاملا إلا ثلاثة أجزاء ، كانت تستعد لختمه بهم ..

كما أثمرت جهودها في حفظ ( مريومة ) نصف القرآن في سن العاشرة ، وحفظت ( فطوطة ) ثمانية أجزاء  ..

أما أنا فكنت أمضي في طريق الكتابة ، أنجح حينا ، وأتعثر أحيانا ..

وقد آمنا أن الأهداف البعيدة ممكنة التحقيق .. وأن أحلامنا اليوم ، أوشكت أن تصبح حقائق الغد ..  

 

ومع طول غيابنا عن مصر واستمرار غربتنا لم يضعف حنينا إلى الوطن ، ولم تستطع أيام الغربة الطويلة الممتدة ، ولا حسن المقام في البلد الحرام ، ولا شعورنا بالأخوة الإنسانية الجامعة ، وحولنا أصدقاء ومعارف من دول شتى ومجتمعات مختلفة ، فهذا سوداني وآخر يمني ، وثالث اندونيسي ، ورابع باكستاني ، ولقد تعلقت منال بالموريتانيات بصفة خاصة ، فقد كنا تلميذاتها في تحفيظ القرآن ، وكانت تعجب بلغتهن العربية الصحيحة وإقراضهن الشعر قرضا ، وحرصهن على القرآن الكريم ..

لكن هذه العوامل مجتمعة لم تتمكن من خدش وطنيتنا خدشا ، ولم تزد أيام الغربة قلوبنا إلا تعلقا بموطننا الأول وشوقا إليه ، وكانت بلدنا حاضرة دائما في نفوسنا وقلوبنا ، فنحن نتابع أخبارها كل يوم عبر الفضائيات ، ونعيش أحوالها لحظة بلحظة ، ونحمل همومها وآمالها وأحلام شعبها ، فنحن جزء لا يتجزأ منها ، وإن نأت بنا الأرض أو طال بنا الفراق ..

ولقد أصبحت منال مثلي شغوفة بكرة القدم ، ولم لا ؟

ألم تكن صديقتي وتوأمي ؟

لقد أحبت كل ما أحببت ، حتى في مجال الهواية ، فكنا نتابع مباريات الكرة معا ..

 

وجاءت بطولة الأمم الأفريقية التي أقيمت في مصر ( كروكونايل 2006) ، وعاشت أسرتنا حالة طوارئ نفسية خاصة ..

 ولا أكذبك يا صديقي إن ذكرت لك أنها كانت حالة قريبة إلى حد ما بتلك الحالة التي عاشتها الأسرة أثناء العدوان الأمريكي على العراق !!

 

أعرف أنك قد تتهمني بالتفاهة .. ولكني أروي لك ما حدث بأمانة ثم أترك لك الحكم ..

لقد كنا في حاجة إلى نصر .. أي نصر ترفرف به أعلام بلادنا في سماء العالم ، ولو كان نصرا معنويا في ميدان رياضة كرة القدم ..

 

ومازلت أذكر منظرنا أثناء تنفيذ ضربات الترجيح في نهائي البطولة ، ونحن أفراد الأسرة نقف أما شاشة التلفاز صفا واحدا ، كأننا مع اللاعبين في الملعب ، فإذا أحرزت مصر هدفا ، قفزنا في لحظة واحدة إلى أعلى..

 وإذا نجح ( الحضري ) حارس مرمى المنتخب في صد ضربة من الفريق المنافس .. تقافزنا قفزة أشد .. ثم أخذت منال في حضني .. ونحن نضحك ونبكي .. ثم نعود إلى الصف الواحد في انتظار تسديد الضربة التالية ..

 

ولا تتخيل مقدار سعادتي أنا ومنال .. عندما سدد ( أبو تريكة ) الضربة الأخيرة في المرمى محققا فوز مصر بالبطولة وحصولها على الكأس ، ثم عدوه إلى الجماهير بطول الملعب وهو يرقص رقصة طائرة السعادة التي اشتهر بها ، وقد رفع قميص اللعب إلى أعلى ، وظهر أسفل منه قميصه الأبيض مكتوبا عليه بوضوح :

كلنا فداؤك يا رسول الله ..

لقد كانت ملحمة ولم تكن دورة رياضية .. وكنا نعيش الملحمة بكل كياننا .. لقد كانت فرصة لتعريف أبنائنا الذين لم يروا مصر في حياتهم ، بعلم بلادهم .. كانت فرصة للتنفيس عن مشاعرنا تجاه وطن أحببناه بكل ذرة من ذرات خلايانا ، فهل يا ترى أحبتنا مصر كما أحببناها ؟؟

 

قيل نهاية البطولة ذكرت لي منال ، أن أحد الجيران عندهم اشتراك في الفضائية التي تذيع البطولة ، حيث كانت إذاعة الدورة مشفرة وحصرية ، وقالت لي :

 

-       بدلا من انتظار مشاهدة المباراة على القنوات الأوربية بالتعليق الأجنبي ، اذهب إلى هذا الجار وشاهد المباراة عنده ..

 

-       فقلت لها وكيف أعيش أجواء المباراة وأنت لست إلى جواري .. نحن نعيش مصر سويا ( منولتي ) في هذه المباريات ..

 

 

 

لقد كانت منال من النوع النادر الذي إذا آمن بحق ما ، فإنه يتفانى في هذا الحق مهما كانت التضحيات ، وإني يا صاحبي أتوقع أن تفعل المرأة والزوجة كل شيء إلا أن تترك فتاة في طريق زوجها مهما كانت الأسباب والدوافع ..

 

لقد وضعت الأقدار في طريقي فتاة !

 كانت ابنة صديق عزيز علي ، وكان الرجل يكبرني بسنوات عدة ، ولكنه كان جارا لنا ، وكان مربيا فاضلا من أهل الصلاح والاستقامة ، فكنت أحبه ، وكانت منال على صلة طيبة بأسرته ، ونتيجة خطأ ما – لا داعي لذكره – اكتشفت علاقة خاصة وخطرة جدا بين ابنة هذا المربي الفاضل ، وبين وغد مستهتر استطاع أن يسيطر على مشاعرها ، وأن يستغل وحدتها وغربتها في أغراض دنيئة ، وتطورت بهم العلاقة إلى حد توالي لقاءاتها به في شقته الخاصة .. ولولا ستر الله وحده لكان قد قضى على مستقبلها تماما ..

 

لقد قيدني الله تعالى في الوقت المناسب فتعاملت مع هذا الوغد بما يستحق ، واستطعت بفضل الله ومعاونة بعض الأصدقاء الملخصين من منعه من العودة إلى المملكة ، وبقائه مع زوجته وأبنائه في مصر ..

لكن الخطوة الأهم كانت تحصين تلك الفتاة حتى لا تعود إلى الهاوية مرة أخرى ، ولم يكن بدا بعد تقليب الأمر على كل الوجوه من أن أتصدى أنا وليس منال لهذا الأمر ..

 

ولا يخفى عليك يا صاحبي طبيعة هذه العلاقة ، فلم يكن فيها خداع أو تلاعب بمشاعر الفتاة ، وإنما كانت علاقة واضحة كل الوضوح منذ أول لحظة ، أنها علاقة دعوية ، أو علاقة أقرب ما تكون إلى علاقة الطبيب بمريضته في فترة النقاهة من مرض نفسي أو صدمة عصبية ..

 ولقد استمرت علاقتي بتلك الفتاة ، عن طريق الهاتف والإنترنت عدة شهور ، حتى استطعنا أن نصل بها إلى بر الأمان بفضل من الله وتوفيقه ..

 ولقد كنت أخبر منال بتفاصيل كل مكالمة أو رسالة ، بل إن رسائلنا المتبادلة على الإنترنت  كنت أحفظها على الجهاز لأطلعها عليها ، وكانت منال تبدي فيها رأيها ، وتوجهني إلى ما يجب قوله ، أو فعله ..

 

وأحيانا كنت أخاف من أن يضيق صدر منال بالأمر ، فكنت أسألها :

-       منولتي .. ألا تغارين ؟

 

-       وكانت تجيب في ثقة وهي تنظر إلي بحب ووله : إنني أغار عليك من أي شيء ، ولكني أدرك أنك تقوم بفعل خير ، وأنا أثق أنك إذا توجهت بنيتك إلى ذلك ، فلا يمكن أن تحيد عنها .. أتدري يا عماد ..

 

-       بماذا يا روح عماد ؟

 

-       لو أن هذه الفتاة كانت مناسبة لك في العمر والظروف ، لكنت طلبت منك أن تتزوجها .. لكني أدرك أبعاد العلاقة تماما ، وأعرف أنها بمثابة شقيقتك الصغرى ..

 

واستمرت منال في دعمها لي جنبا إلى جنب وبالتالي دعمها للفتاة عن بعد ، حتى أنها كانت كلما رأتها داعبتها قائلة :

 

-       إن أخاك الأكبر الذي هو زوجي ، يقرئك السلام ويريد أن يطمئن عليك ..

 

-       فتضحك الفتاة ، وتجيبها : أخبريه أن أخته بخير ..

 

وهي لا تدرك أن منال كانت تعرف كل التفاصيل .. لكنها لم تبح بها لمخلوق ، وقد سمحت لنفسي أنا ومنال أن نتداول السر فيما بينا باعتبارنا نفس واحدة ..

 

( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ) الروم

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.