القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

حتى لا تموت الروح 14 ( الفصل 15 كاملا بعد التعديل )

15 – في رحاب الأمن

 

هبي يا ريح الإيمان وكوني إعصار

إعصارا

هبي في أرجاء الكون وذري الأنوارَ

فعل الأسرى في الأرض يغدوا أحرارا

تنعم بالأمن من رب الكون      يارب

 

قلبي المشبوب الظمآن ينتظر المطرَ

المطرَ

كم جاب فمل البلدان يستجدي الفكر

ورأى وسوسة الشيطان تستهوي البشر

فنأى في كبر عن دنيا الشر     يا رب

 

يا ريح الإيمان وكنز العزة والفخر

والفخر

نسماتك تغمر ساحات فؤادي بالبشر

تسمو بي تسمو تقذ بي في دنيا الخير

فأنادي القدر أن يهدي البشر    يارب

 

 

لقد آن الأوان لهذه الأسرة الصغيرة البسيطة أن تهنأ وأن تمضى في الحياة بلا منغصات ، وأن تحتفل ..

ولقد واكب ذلك تقدما ملحوظا لي في عملي ، وكيف لا أتقدم ، ولا أنجح ، وكل من حولي من زملاء العمل ، يرون أثر الاستقرار النفسي والسعادة العاطفية ، تتجلى في قسمات وجهي ونظرات عيني ؟..

 

ولأن سكرتيرتي القديرة كانت تعاوني فيما أغفل عنه، أو أتعب دونه.. فقد كنت أتقدم ، وأصبحت بفضل من الله تعالى ، موضع ثقة صاحب العمل ، ولقد أتاح لنا هذا الأمر أن ننتقل من شقتنا الأولى بمكة في حي شعبي أو حارة بسيطة .. إلى مسكن أرقى وأفضل ..

لقد كنا نتقدم خطوات واسعة على الطريق ..

 

وأصبحت أيامنا التالية احتفالات دائمة بنعمة الأمن التي أنعمها الله علينا ..

كنا نشعر شعور السجين الذي تم سجنه عن طريق الخطأ، وبينما هو في ظلمة سجنه يتجرع مرارة الشعور بالظلم ويفكر في كل وسيلة ممكنة وغير ممكنة للهروب من سجنه، فإذا بهم يقررون فجأة الإفراج عنه..

 

كنا نتنسم نسائم الحرية ، نفتح صدورنا ونستنشق هواءها العليل ، ونرفرف بأجنحة خيالنا في نسيمها ..

 

لقد أصبحنا نأخذ سيارتنا ( البركة ) وننطلق بها كل مساء إلى مكان مختلف ..

فنقضي بعض الأمسيات الهانئة السعيدة على كورنيش البحر الأحمر بجدة .. عروس البحر الأحمر .. فنتذكر ليالي الإسكندرية عروس البحر الأبيض ..

وننزل في حي الحمراء على الكورنيش فكان يذكرنا بمحطة الرمل بالإسكندرية ، فنتناول سندوتشات ( الشاورما ) ، وأدعو حبيبتي ومريومة على ( الآيس كريم ) الشهي .. ونمضى بعض الوقت .. وقرة عيننا مريم تقفز وتجري هنا وهناك .. ثم لا ننسى ( الفيشار )

فأتعمد أن أشتريه في نهاية سهرتنا قبل أن ننهض ، حتى يظل معنا في السيارة ، ونعيد ذكريات رحلة عودتنا من إسكندرية ليلة كتب الكتاب ..

وفي طريق العودة تظل منال تناجيني حتى لا أغفو أو أنام ، وكانت تعلم أن الأضواء تؤذيني في عيني أثناء القيادة الليلية ، وكانت تضع ( الفيشار ) في كفها .. وأنا أضع كفي في كفها بين لحظة وأخرى فأتناول حباته من راحة كفها ..

ونتضاحك ..

ويهتف كل منا في وقت واحد، فأقول أنا: أتذكرين ؟..

في نفس اللحظة التي تقول فيها : أتذكر ؟..

ثم تضيف : كفى شقاوة ..

وأجيب دعابتها قائلا بمكر : أزيلي بقعة الآيس كريم من على الخمار ..

وتجلجل ضحكاتنا .. وهي تغمغم :

لا تخجلني أكثر من ذلك..

 

وما كان لنا أن ننسى..

لكننا لم نكن في حاجة إلى تذكر تلك الذكريات الجميلة، لقد كنا نصنع كل ليلة ، بل كل لحظة من لحظات حياتنا ذكريات جديدة .. ولم تكن ذكرياتنا الأولى هي الأحلى دائما .. لم تكن لها من فضل على ما تلاها من ذكريات سوى فضل البدايات.. أما كل الذكريات القديمة والجديدة فقد كانت على وتيرة واحدة من الروعة والجمال والسعادة..

 

وأقدم بنا حبنا للمغامرة .. فأخذنا سيارتنا ( البركة ) وانطلقنا بها إلى المدينة .. تلك المدينة المباركة التي نحبها من أعماقنا، ونتمنى أن تحبنا كما نحبها ..

والمسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة حوالي خمسمائة كيلو متر .. لكنني مع منال ، كنت أتجاسر وأتشجع وأنجز !!

 

وكان صوتها العذب ينساب رقراقا صافيا كأنه خرير جدول ماء، أو كأننا على ظهر  قارب يتهادى بنا على صفحة ماء النيل ، ولسنا في سيارة تمضى بنا مسرعة تنهب الأرض ، وحولنا الصحراء الممتدة والجبال الشامخة من كل جانب .. كان صوتها العذب ينساب رقراقا مرددا :

 

على المدينة على المدينة

رب بلغنا زيارة نبينا

رب بلغنا زيارة محمد

فهو الشفيع للمسلمين

 

وفي المدينة كنا نفترق أحيانا أنا ومنال ، فإن نظام المسجد النبوي الشريف يختلف عن المسجد الحرام فتوجد أبواب مخصصة لدخول وخروج النساء منفصلة عن أبواب الرجال ، وأوقات زيارة الروضة الشريفة محددة بأوقات معلومة بالنسبة للنساء في منطقة لا يشاركهن فيها الرجال ..

 

وكنا نتواعد على موعد بعدما ترتوي منال من زيارة الروضة .. ثم نخرج من الحرم النبوي فنعرج على البقيع، وهي مقابر المدينة وتقع مقابل المسجد النبوي ، فنلقي السلام على أهل الديار ، وفيهم كبار الصحابة وأمهات المؤمنين وبنات النبي رضي الله عنهم أجمعين ..

 وفي المدينة مضينا بسيارتنا ( البركة ) فزرنا جبل أحد، وهو جبل أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهبنا إلى مسجد قباء أول مساجد الإسلام..

إن نسمات المدينة تستقبلك حين تغدو على بعد عدة أميال منها، وتسمع في حركة الهواء صوتا هامسا يشدو:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

 

وكنت لا أملك نفسي من أن تتجاوب مع نسمات المدينة الحانية المغردة دائما أبدا، فأردد لمنال بجواري بصوتي الأجش الخشن :

 

آنست نور الله جل جلاله                       ومشيت حيث مشى النبي وآله

مكنت من حظي فليس بشاغلي                  إدباره عني ولا إقبالــــه

من يختتم سفر الحياة برجعة لله                 طاب ختامه ومآلـــــه

يا رب جاء إليك يسألك الهدى                   عبد له عصيانه وضلالــه

ذكر الوعيد فزعزعت آماله                     خوف الوعيد وزلزلت أوصاله

حتى إذا البيت المحرم ظنه                      فرت بلابله وأصلح حالـــه

 

وكانت منال تقهقه ضاحكة ، وهي تقول :

 

-       أتدري يا عماد أن صوتك رقيق جدا..

-       حرام عليك يا ( منتي ) .. المجاملة قد تجوز في كل شيء ، إلا هذا الصوت الأجش الأخشنِ ..

وكنت ألحن ( الأجش الأخشن ) على بعض ألحان أبي مازن

-       بالعكس يا روحي، فأنت عندما تقلد أبا مازن في بعض الأناشيد الرقيقة.. خاصة الأناشيد الفردية التي ليس فيها ترديد فإنك تجيد تقليده..

-       فأمازحها ضاحكا وأنا أقرصها في كتفها وهي على المقعد المجاور في السيارة:                      من جاور القوم، أيها المنشدة الجميلة..

-       اللهم يجبر خاطرك كما تجبر خاطر زوجتك حبيبتك الضعيفة المسكينة..

 

 

وعدنا يا صديقي إلى الأرض .. وكانت النطفة الصغيرة التي تحركت في أحشاء منال ، قد استوت خلقا كاملا ، ينمو فيكور بطنها الحبيبة ، وكنت أتحسس هذا التكور وأرقبه في شوق ولهفة ، ودعاء ورجاء .. كنت أشفق على منال ، وأشجعها .. فلم يكن هذا هو الحمل الأول لها ، لكنه كان بالنسبة لي هو الحمل الأول الذي أرقب تطور الجنين فيه يوما بيوم ..

وكانت منال دائما تثبت لي أن قوتها فائقة، أما قدرتها على الاحتمال فلا مثيل لها، فلقد كانت تمارس نشاطها دائما بكامل طاقتها، والجنين ينمو بأحشائها، وكنت أشفق عليها، لكنها كانت من النوع الذي لا يشكو، ولا يستسلم لتعب أو وهن..

وكنا نتردد على الطبيبة بانتظام للاطمئنان على صحة الأم والجنين ..

وكنت أرقب لهفة منال وشغفها بالطفل القادم .. لقد كانت أما .. وكان حنينها للأطفال الرضع لا وصف له ..

 

وذات مرة ونحن نتجاذب أطراف الحديث نحيي به أمسياتنا الجميلة.. قالت منال :

-       حبي .. إن الدكتورة تتوقع حسب ما رأت بالسونار أن الجنين ولد  هذه المرة ..

-       أنت تعلمين أن كل رزق الله لنا خير

-       وأعرف كذلك أنك تحب البنات يا أبا البنات..

-       لقد دعوت الله أن أرزق بالبنات أولا حتى نأخذ أجر حسن تربيتهن ورعايتهن..

-       وإذا رزقنا الله بولد ؟

-       له الحمد على كل حال .. الأهم من كل ذلك هو سلامتك أنت يا حبيبة قلبي، إن نهوضك لنا بألف سلامة من الحمل والولادة هو أهم عندي من كل أطفال الأرض..

-       أصحيح هذا شعورك يا عماد ؟

-       وهل هذا أمرا يحتاج إلى تأكيد أو سؤال يا روحي ؟

-       لا .. ولكنني أعلم أن الأطفال دائما أغلى عند الأب وأحب من الزوجة..

-       ربما يا منة كان هذا صحيحا، لكن لا تنسي أنك أنت نفسك ابنتي.. فأنت ابنتي البكرية .. أليس كذلك ؟؟؟

-       طبعا يا بابا يا حبيبي .. يا لذيذ يا رايق ..

ثم باغتتني منال بعد هذا الحديث الحاني بسؤال :

-       لو رزقنا الله تعالى بولد ماذا نسميه ؟

-       ياه يا منال .. ألم نحسم أمر أسماء أبنائنا منذ أيام الخطبة ؟ أم أنك نسيت ؟ أم تريدين أن تتملصي ؟

-       لا أبدا يا حبيبي، ولكن هناك خاطر يلح علي، وأريد أن أعرضه عليك، ولكن لا تعتبر هذا تملصا من اتفاق أو وعد سابق..

-       خاطرك على عيني يا جميل ..

-       فكرت ، لو أن الله تعالى رزقنا بولد أن نسميه ( سعيدا ) على اسم أبيك .. تعلم يا عماد ؟

إن اسم أبيك اسم جميل جدا.. كما أنني أحبه.. أحب أباك جدا، وأريد أن أعبر له عن هذا الحب.. وأريد كذلك أن تعبر أنت عن حبك لأبيك بهذه الطريقة.. فما رأيك أنت ؟

 

الواقع أنه قبل هذه اللحظة لم أكن قد تفكرت في هذا الأمر أبدا، ولم يكن ليخطر لي على بال، وكنت قد اخترت اسم أول طفل ولد لي على اسم أحد الصحابة الكرام كنت أكن له حبا خاصا.. لكن منال فاجأتني كل المفاجأة بهذا الطلب الجميل الرقيق الذي يعبر عن كل عاطفة وحب وبر .. يا لها من زوجة .. كيف تفكر في مثل هذه الأمور بهذه الطريقة !!..

لم يكن أمامي فرصة أن أفكر أو أتردد بعد هذه الفكرة العبقرية.. لقد كنت أحب أبي حبا جما ، وكنت أقدره ، وكنت لا أرى وسيلة مناسبة للتعبير عن مشاعري تجاهه ..

ولكن منال حبيبتي أوجدت لي الوسيلة أخيرا .. أوجدتها بكل صدق وإخلاص.. ودمعت عيناي وأنا أجيبها بالموافقة ..

 

الأهم من ذلك أنني كنت أسمعها تدعو الله في سرها وجهرها وليلها ونهارها : اللهم اجعله ذكرا ، وأن يكون سعيدا ، وأن يكون هو بر عماد بأبيه !!

 

وتعلقت بهذه الأمنية لما أجده من حرص منال عليها، تعلقت بها كل تعلق، وبت أشتاق إلى خروج هذا المولود إلى الدنيا، وتمنيت من كل أعماقي أن يكون ولدا.. على عكس كل أحلامي السابقة لسنوات طوال جدا .. لكنني كنت الآن أعد الأيام باليوم ، حتى يأتي سعيد ، وأن أبشر به أبي هاتفيا .. وأعلمه أننا اخترنا اسمه نفسه حبا له وبرا به..

وكنت أشعر في قرارة نفسي شعورا قويا مسيطرا أن أبي لن يعيش حتى أبشره هذه البشرى ..

 

ولكنني كنت دائما أتساءل.. ذلك السؤال الذي عنون به الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس إحدى قصصه: إلى أين تأخذني هذه الطفلة ؟

كنت أتساءل: إلى أين تأخذني هذه الزوجة ؟

كنت أشعر أن منال تجذبني إلى عالم خيالي .. عالم مثالي .. عالم لا يقوم إلا على الحب والرقة والعاطفة.. عالم لا يحيا على الأرض وإنما يحلق في السماء..

فقد كانت تسمو بي تسمو تقذف بي في دنيا الخير.. فأنادي القدر أن يهدي البشر..

لم تكن منال ريحا بل كانت رياح الإيمان والحب والتقوى ..

 

ولقد أراد الله أن تخطئ توقعات الطبيبة ، وأن يعجز جهاز أشعتها التلفزيونية ، وأن يرزقنا ( بفاطمة الزهراء ) .. قرة عيننا الثانية ..

 

وبشرتني منال من مستشفى الولادة في اللحظة التي أفاقت فيها بعد الوضع مباشرة.. بشرتني بالهاتف، ولم يكن مسموحا لنا بمرافقتها بالمستشفى إلا في الزمن المحدد للزيارة..

وكنا نحمد الله حمدا كثيرا لا مزيد عليه.. أن وهبنا بالابنة الثانية، لكنها كانت تعتذر لي قائلة في رقة :

-       قدر الله كله خير .. لكنني كنت أتمنى أن يحقق الله على يدي برك بأبيك..

 

وبكينا في موضع الفرح والسرور ..

لكننا هاتفنا أبي وأبلغناه أننا نتمنى أن نسمي أول مولود ذكر ( سعيدا ) على اسمه.. لأننا نحبه ..

وهتف أبي على السماعة من الطرف الآخر عبر ألفي ميلا أو يزيد:

 

- بل يرزقكم الله بمحمد إن شاء الله ..

 

ولئن كذبت الأقدار تنبؤات الطبيبة، فإنها لم تكذب مشاعري الخاصة تجاه والدي ، أنه لن يعيش حتى يرى حفيده الأول الذي يحمل نفس اسمه ..

 

وكنا بحكم إقامتنا الدائمة بمكة المكرمة التي تهوى إليها أفئدة من الناس.. كانت تأتينا وفودا من الضيوف .. وكان منهم من يأتي للإقامة عندنا طوال فترة العمرة أو الحج، وكان هؤلاء بطبيعة الحال هم الأقارب المقربين، وكانوا في الأغلب الأعم من أهلي أنا.. هذا غير كثير من الأصدقاء والأقرباء الذين كانوا يزورون مكة وقد حجزت لهم بعثاتهم أماكن إقامتهم في الفنادق والشقق الفندقية بالقرب من الحرم.. فهؤلاء كنا ندعوهم دعوات على الغداء أو العشاء ..

ولقد كانت منال تتحمل كل هذه المتطلبات صابرة راضية ، بل كانت روحها تتألق وهي تساهم في تقديم خدمة بسيطة لضيوف الرحمن ..

وكانت تتفانى في خدمة أهلي المقربين الذين ينزلون علينا في بيتنا ضيوفا دائمين طوال زيارتهم.. وكانت تكرمهم بما تستطيع .. وتحثني على بذل كل ما في وسعي لتقديم أفضل ما يمكن أن نجود به لبرهم وإكرامهم والإحسان إليهم..

 

فإذا أقبلوا أو اقتربت مواعيد زيارتهم، فقد كان شوقها يسابق شوقي إليهم..

 

ورغم حفاوتها هذه البالغة، وتفانيها الرائع في خدمة الجميع دون ضجر، بل بكل سعادة وانشراح..

ومع ذلك  فقد كنت أصبح شديد التوتر عندما تحدث هذه الزيارات ، لم يكن ذلك من بخل أو ضيق ، فلقد كنت أسعد بتلك الزيارات وأدعو الله أن يزيدها ويكثرها ، وأن يقارب بين أسفارهم إلينا ..

إنما كانت تعل علي عقدتي القديمة المزمنة ..

 

كنت أريد أن أقدم منال أمامهم بصورة الملائكة.. ولقد كانت منال تستحق هذا وأكثر، غير أننا بشر، وليست هناك ملائكة تمشي على الأرض.. لقد كان توتري وشدة حساسيتي وفرط عصبيتي ، كلها عوامل تحمل منال فوق طاقتها ، بل تحملها فوق ما يحتمل البشر ..

ولكنني كنت أؤكد لها أن هذا بسبب حبي الجامح لها ، وبسبب عقدتي القديمة التي لا تريد أن تنفك عني ..

وكانت منال تذهلني بحسن تصرفها .. ولم تخذلني ، ولم تفشل يوما في امتحان ..

وكانت أمي التي تأتي لزيارتنا من حين لآخر ، تستشعر دون أن ننطق بكلمة أو نهمس بحرف ، بجو التوتر ، وكانت أمي تعرفني جيدا ، بل كانت تشعر بعقدتي القديمة وترثي لحالي ، كانت تحاول أن تستنطق منال وأن تخفف عنها حدتي معها ، لكن منال لم تكن لتشتكي أو تمتعض ، أو تستغل الفرصة فتذكر شيئا من هذه الحدة لوالدتي .. بل على العكس تماما .. كانت كلما حدثتها أمي في مثل هذه الموضوعات تجيبها قائلة:

 

-       اطمئني يا ماما .. إن عماد هو أطيب قلب ممكن أن تقابله زوجة، وإنه نعم الزوج ونعم العون ونعم الرفيق..

 

وكانت أمي تعرف حدة انفعالاتي، فكانت تحدثني عندما تنفرد بي فتوصيني بمنال خير وصية، وتقسم لي أنها جوهرة.. امرأة لا يمكن تكرارها في هذا العصر، ثم تقسم لي أنها تحبها كابنتها..

 

وكنت أسعد سعادة طاغية لا حدود لها، وأنا أرى هذه العلاقة المذهلة التي لا مثيل لها بين الزوجة وحماتها..

ومع ذلك كنت أطلب من منال المزيد، دون أن أحدث نفسي أن هذا هو المستحيل بعينه..

 

وكنت حين تزورني أمي فتقضي في زيارتنا أياما لا تتجاوز الأسبوع.. كنت أضع نفسي تحت أمرها في التنقلات والأسواق والانتقال من البيت إلى الحرم، وهو الأمر الطبيعي الذي يجب أن يبذله كل ابن لأمه، فقد كنت أهمس إلى منال ليلا:

 

-       اعذريني يا روح قلبي، فإن روحي تهفو إليك، لكنني أوظف كل طاقتي لأبر أمي.. فأرجو ألا يضايقك هذا ..

 

-       عيب عليك يا عماد أن تقول هذا الكلام.. إنها ماما .. التي جنتك تحت قدميها.. لو أنك مضيت عمرك أسفل قدميها ما لمتك.. ويا رب يا عماد يعينك على إظهار حبك وبرك بها..

 

 

-       أكرمك الله يا أعظم زوجة في الدنيا ..

 

-       وأية عظمة في ذلك يا عماد ؟.. إنها أم، وإنها لا تظفر بك إلا أسبوع كل عام أو عامين، وفي هذا الأسبوع تكون مشتتة تماما بين التمتع بالحرم، وبين حفيداتها، وبيني وبينك.. يا ليت زياراتها تطول وتدوم..

 

-       وطبعت قبلة على جبهتها المشرقة، وأنا أقول لها: ربنا يديمك لي يا أجمل حبيبة وعشيقة في الدنيا كلها..

 

في اليوم التالي عندما عدت من إيصال أمي إلى الحرم، وتركتها تعتكف حتى المساء بناء على رغبتها الملحة.. استقبلتني منال باسمة ، وقالت :

-       إيه يا حبي .. أسمعت ماذا قالت لي ماما ؟!

 

-       نظرت إليها متسائلا في شغف دون أن أنطق

 

-       اشتكت يا سيدي منك..

 

-       قلت متعجبا : مني أنا ! .. وماذا فعلت لها ؟

 

-       قالت في مكر: لم تفعل لها هي، ولكنها جاءت تسألني ماذا يفعل معك الولد عماد ؟ .. إني أعرف أنه شديد الحدة معك، وأنا أخاف عليك من حدته..

 

-       غاص قلبي في صدري ولم أجب .. إذن لقد اتفقت النساء عليك يا عماد.. ويح أيامك القادمة..

 

-       أضافت منال بخبث: ماذا تظن أنني قلت لها ؟؟

 

-       قلت في ترقب: ماذا ؟؟

 

-       سألتني عاتبة : ألا تدري ؟

 

-       قلت محاولا الخروج من استدراكها لي: أريد أسمع منك..

 

-       استمر مكرها بي وهي تقول : خمن .. ألا تستطيع التخمين ؟

 

-       قلت بنفاذ صبر: أستطيع يا منال، ولكني أريد أن أسمع منك أولا..

 

-       قالت متصنعة الغضب: وكأنك لا تعرف ( منة ) حبيبتك، ولا تثق بها..

 

-       استدركت قائلا: لا والله يا روحي، ولكن فقط أريدك أن تقولي لي إجابتك أولا..

 

-       قالت بدلال : بل قل أنت تخمينك أولا ..

 

-       قلت ماكرا: أعدك يا حبيبتي، إذا ذكرت لي إجابتك، سأذكر لك تخميني بصدق..

 

-       هذا وعد يا عمدة ؟؟ .. إياك أن تكذب.. ولكن لماذا أنت خائف هكذا ؟؟ .. إنك مازلت تخاف من ماما .. واتسعت ضحكتها

 

-       وكان قلبي يهبط بين ضلوعي فقلت لها في وضوح : نعم أنا أخاف من ماما .. أليست أمي وأمك ؟

 

-       قالت بدلال شديد: واعلم يا سيدي أنها ستجذب أذنك قريبا..

 

-       استر يا ستار.. ألم تذكري لي إجابتك لها ؟

 

-       اسمع يا سيدي، لقد قلت لها: إن عماد يملك حنانا مثل حنان الأب لأبنائه، وإنه لم يكن يصلح لي زوجا غير عماد.. إنه كل شيء في حياتي يا ماما ..

 

-       سري عني وقلت لها : أنت روح قلبي يا ( منة )

 

-       قالت بدلالها : لكن هذا لن يعفيك من أن ماما ستجذب أذنك ..

 

-       قلت بانكسار من يعترف بارتكاب إثم : أدرك ذلك يا ( نولة ) ، وأعرف جيدا كم أكون متوترا معك عندما يزورنا الأهل ، وأعرف أنني أحملك فوق طاقة البشر .. ولكن اعذريني يا حياتي، فإن ذلك كله بسبب عقدتي الدفينة..

 

-       أشارت بكفها بحنان وهي تهمس : صه يا ماد .. لا أحب أن أراك حزينا هكذا ..

 

انكببت أنا على كفها أقبلها، وهي تتمنع بقوة قائلة:

 

-       بل أنا يا روحي الذي يجب أن أقبل كفك ورأسك.. أتدري يا عماد ؟

إن ماما نفسها التي هي والدتك ، لا تعرف كم أنت حاني ورقيق !! لا تعرف أنك أنت طفلي الكبير .. دبدوبي أبو ..

لكنها بترت عبارتها وسكتت فجأة، ثم أشاحت بوجهها عني وهي تقول:

 

-       لكن لا .. لن أكلمك حتى تذكر لي تخمينك .. تذكره لي بصدق .. أتفهم ؟ بصدق ..

 

-       قلت ضاحكا: توقعت أنك قلت لها: إن عماد هو أرق قلب وأعذب..

 

-       وأكملت منال معي في نفس اللحظة: أعذب لسان..

 

-       ثم أردفت تصيح : قلت لك ..

 

-       قاطعتها محتجا: من الذي سرق الكلمة من على لسان الآخر هذه المرة ؟..

 

-       لكنها كانت تكمل : يا لذيذ يا رايق .. تدري يا ماده .. هذه هي أول جملة طرأت على خاطري حين سألتني ماما عن معاملتك لي ، لكنني أعتبر هذه الجملة من أسرارنا الخاصة .. فأنا لا أستطيع أن أبوح بها لأحد.. إنما هي ملكنا أنا وأنت فقط ..

 

-       دفنت وجهي في صدرها وأنا أسألها في وجل : ( نولتي ) أريد أن أسألك سؤالا وتقسمين بالله أن تصدقيني الإجابة ..

 

-       قالت وفي صوتها نبرة الجد : بدون قسم يا حبي .. إني صادقة معك في كل حرف.. اسأل وسأصدقك الإجابة ..

 

-       هل يا ( نولة ) مازلت تشعرين أن عماد هو أرق قلب وأعذب لسان ؟؟

 

-       مدت كفها وجذبت أذني وهي تقول : آه منك يا روحي .. أعرف أن لسانك لاذع في وقت الغضب .. لكنه يا حبي، عذب، صافي مثل عسل النحل.. أما قلبك فلماذا تسال عنه .. إنني أخذته منذ زمن .. إنه ملكي أنا .. ثم وضعت كفها على كفي وجذبته إلى صدرها وهي تقول: إن الذي ينبض بين ضلوعي هنا هو قلبك أنت يا عماد..

 

-       وجذبتها إلى صدري .. وارتفع صوتها محتجة : ستتأخر على موعدك مع ماما ..

 

-       وهمست في أذنها : ....

 

-       لكنها قالت بصخب: لا يا ( باشا ) أنا أعرف أنك تريد أن تفر منها حتى لا تجذب أذنك.. اذهب الآن حالا وعد بماما .. واستمع إلى كلامها جيدا ، وخصوصا إذا أوصتك بابنتك ( منة ) ..

 

وسط هذه الأجواء المفعمة بالحب، المترعة بكؤوس السعادة والهناء والحمد.. كانت بعض النفوس في العمل قد أخرج أضغانها ثقة الكفيل بي ، واعتماده المتزايد علي .. فبدأت أقاويل تتردد في الغرف المظلمة ..

ولم أكن ألقِ لما قد يتسرب إلي منها بالا ، فقد كنت غرا شديد الثقة بنفسي وبمكانتي عند الرجل ..

 

لكن الخناق قد ضاق تماما، واستغلوا خطأ غير مقصود، فضخموه وقلبوا له الأمور، فصدر قرار الاستغناء عني في العمل، بمنتهى الرقة والهدوء..

وعدت إلى منال حانقا غاضبا وقد فقدت عملي، وفقدنا معا مورد رزقنا ورزق ابنتينا..

ولكنها طوقتني بذراعيها بحنان بالغ وهي تقول برقة:

 

-       هون عليك يا مادة.. الله تعالى لن يضيعنا ..

 

-       قلت والدموع تتلألأ في عيني : ولكن يا حبيبتي .. لقد بقينا هنا ثلاثة أعوام، ولقد أصبحنا على مشارف قضاء أغلب ديوننا، وكنت أريد أن نأخذ إجازة وننزل إلى مصر، لترين أهلكك..

فأنا زارني أبي وأمي وأخي أكثر من مرة ولله الحمد، أما أنت فلم يزورك سوى شقيقك عصام الذي يعمل بالرياض.. كنت أريد أن أصحبك إلى مصر.. نقضي أياما رائعة في شقتنا العجيبة ، تحت زخات طلاء الجير المتساقط ..

ونذهب إلى الإسكندرية ، ونتمشى على الكورنيش ، ونزور محطة الرمل ، وأشتري لك ( آيس كريم ) ..

 

ثم .. أضفنا في نفس واحد

-       : و ( فيشار )

 

-       ثم أردفت ضاحكة بمرح: لو سمحت يا عمدتي، كف عن الكلام معي في نفس واحد

 

-       نظرت إليها محاولا الابتسام ، ثم أردفت متخابثا :

 

- ولكن  انتبهي جيدا للخمار حتى لا تبقعيه ب( الآيس كريم )

 

-       وكانت هي تقول  في نفس اللحظة : لا تذكرني ببقعة ( الآيس كريم )

وتقاطعت أصواتنا ، ونظرنا إلى بعضنا البعض ، وتطايرت ضحكاتنا وهي تقول :

 

-       ألم أقل لك كف عن الكلام معي في نفس اللحظة.. ثم جذبت أذني بلطف ..

ثم جرت من أمامي .. ولم أكن لأتركها دون ملاحقة ..

 

ثم استطعت أن أخرجها من جو المرح إلى أجواء الجد.. لكنها ظلت على يقينها بقرب فرج الله..

 

ومن الله علينا، فقيد لنا زوجة قريبي، فأخذت تبحث لي عن عمل، ومن جراء دعايتها.. توفرت لي فرصة إعطاء درس خصوصي لولدين هما ابنا أحد الأثرياء .. وكان دخلي من هذه الدروس أكبر من راتبي في الشركة التي كنت أعمبها. .. غير أن الدروس لم تكن مستديمة طول العام..

وكان للأخوين الذي أعمل مدرسا لهما .. شقيقة صغيرة وكانت تدرس في المدرسة ، وتحتاج إلى درس خصوصي لتقويتها ، وقد رشحت أسرتهم زوجتي للقيام بهذا الدور ، وكانت فيلا الأسرة تقع في حي ( العوالي ) وهو ضاحية من ضواحي مكة يسكنها الأثرياء وعلية القوم ، وكانت المسافة بين منزلنا وفيلا الأولاد أكثر من خمس وعشرون كيلو متر ، وحلا لنا أن نقطعها سويا أنا ( ومنولتي ) بصحبة ( مريومة وفطوطة ) ، فكانت رحلة نزهتنا اليومية الممتعة .. وأخيرا عملنا معا في عمل واحد أنا وروح قلبي.. التي لم تكن تدخر جهدا لمساعدتي..

 

وجاءتنا مكالمة رائعة من أسرتي .. ولقد أخبرونا أنهم قادمون .. قادمون جميعا لأداء عمرة رمضان، وأردنا أن نعرف معنى كلمة جميعا التي كرروها على الهاتف، فأسعدونا بقولهم:

 

-       نحن جميعا، أباك، وأمك، وأخويك..

 

وشعرت بشعور نبي الله يوسف عليه السلام وهو يناجي أباه قائلا :

 

" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ، من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم " سورة يوسف 100

 

ولم يكن ق