القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

حتى لا تموت الروح12

14 - رحلة عمر

 

بعد مرور عام على مجيء منال إلي بمكة ، وأكثر من عام من العمل المتواصل ، كان من حقي أن أحصل على أول إجازة ، ولكني فكرت أن أستبدل هذه الإجازة ببدل مادي عنها ، فقد كنا في أمس الحاجة إليه ، ونتيجة الكفاح المشترك ، والعمل الجاد الذي قمنا به أنا و( منولتي ) خلال عام كامل ، فكرنا في هذه الفترة أن نشتري أول سيارة في حياتنا ، وكانت سيارة مستعملة بالطبع من ماركة ( مازدا ) اليابانية موديل عام 1982 ، وكنا وقتها في عام 1996 أي أنها باللغة المصرية في ذلك الوقت كانت تعتبر سيارة جيدة ، ولكنها عندنا في المملكة كانت تعتبر سيارة ربع عمر .. وكان سعر شراؤها يعادل راتبي لمدة شهرين ، وهو كما ترى مبلغا ممكن تدبيره ..

وكانت لنا ذكريات سعيدة وجميلة مع هذه السيارة الأولى التي كنا نسميها أنا ومنة ( البركة ) ..

 

كنت قد تعلمت قيادة السيارات في مصر قبل السفر وذلك بإحدى مدارس تعليم القيادة ، ولم أكن قد مارست القيادة أكثر من عدة ساعات متفرقة على مدار أسبوع أو أكثر هي مدة الدورة التعليمية للقيادة ، ولم يتسنَ لي أن أمارس القيادة بعد ذلك ، فنحن في مصر لم نكن نجد السيارات في انتظارنا على قارعة الطريق !

 

ولم أكن قد استخرجت رخصة قيادة .. وإذا أضفنا إلى ذلك أنني لم أمارس قيادة السيارات بتاتا منذ حوالي عامين أي منذ انتهاء دورة التعليم .. فإنك بالتأكيد تكون قد علمت الآن قدراتي الآنية في قيادة السيارات !!

 

  ولم تكن زوجتي الحبيبة تقيم معي بشكل نظامي كما تعلم ، فإننا كنا لا نستطيع أن نتعرض بأي مشكلة ما إلى الشرطة ، ولو كان الحق معنا ، وإلا ..

 

ولكنني في هذه الظروف قررت شراء السيارة لأنها ضرورة حيوية في تلك البلاد الواسعة التي تحتاج في التنقلات إلى مواصلات عالية التكاليف في كل الأحوال ..

وكنت أشتهي شراء سيارة تحت أي ظرف ..

 

احضر البائع السيارة إلى أمام منزلي ، وسلمني المفتاح ، لأعرضها على المختصين لحسم أمر سعرها النهائي ، معتقدا مما أفهمته إياه أنني سائق ماهر ، وأنه لا مشكلة ..

 

في المساء دعوت حبيبتي منال وعلى كتفها ( مريومة ) ابنة السنة وبضعة أشهر لنزهة بالسيارة !

كانت منة تعرف أنني لم أمارس القيادة منذ سنوات ، لكنها لم تكن تعلم أنني بهذا المستوى من المهارة ..

وظنت أنني متوسط المستوى في القيادة فشجعتني حتى تزيل الرهبة من قلبي ، وركبنا في السيارة يا أستاذي الفاضل ، وأدرت محركها ، وانطلقنا بها تتهادى بنا ، ولم أجرؤ بالطبع بالخروج بها إلى الشوارع العامة المزدحمة بالسيارات المسرعة ، وإنما أخذت أتجول بها في الأزقة في الجهة الخلفية لحي الهنداوية وهي عبارة عن شعاب بين الجبال والمرتفعات ، وهي الطبيعة الجغرافية لمدينة مكة المكرمة ..

 

ولا أخفيك سرا يا صديقي أنني كنت وأنا أمضى بسيارتنا ( البركة ) كنت متمثلا دور الممثل محمود عبد العزيز في فيلم ( الكيت كات ) ، عندما كان يتقمص دور رجل ضرير ، واستعار دراجة بخارية ( موتسيكل ) ليتجول به في الشارع وقد قلب الشارع رأسا على عقب .. كذلك فعلت .. وكذلك كنت أتخبط أنا ومنال ومريم وهما على المقعد المجاور ، ونحن نتضاحك والخوف يظللنا ، حتى استطعنا أخيرا أن نعود بالسيارة إلى مكانها أمام المنزل بأقل خسائر ممكنة ..

 

سهرنا طوال ليلتنا نضحك .. ونتمازح ، وتداعبني منال ضاحكة قائلة :

-       عمدتي .. أيها السائق الهمام ..

-       يبدو يا حياتي أنني سأصرف نظر عن فكرة شراء السيارة .. يبدو أن الحكاية صعبة جدا في طرقات مكة ..

-       بالعكس يا حبي .. أنت ستصبح سائق جيد فعلا .. ثم إذا لم تتدرب في زوجتك ( منولتك ) حبيبتك ، فمع من تتدرب؟ .. ولا تنسى أنني على قلبك لطالوت .. وقدمي على قدمك .. هل تريد أن تذهب فتتدرب بمفردك ، وإذا حدث مكروه لا سمح الله ، أظل أنا بحسرتي إلى آخر العمر .. لا يا روحي .. قدمي على قدمك ، حتى لو تذهب إلى آخر الدنيا ..

-       وأرد ضاحكا : الله يبعد الشرور عنك يا حبيبتي ويحفظك لي ..  

-       يحفظني لك نعم ، ويحفظك لي يا رب .. قل آمين .. لكن الموت معك يا حياتي ليس شرا .. هل نسيت عهدنا ..

ثم إنني فعلا مت معك .. ألست أنا أموت في حبك .. وأذوب في هواك يا حبيبي ؟..

 

 

لكن هذا السهر الضاحك المازح ، لم يجعلنا نقلع عن فكرتنا بالخروج بالسيارة في الأمسية التالية للتنزه .. لكنني كنت أكثر حذرا ، وأعظم ثباتا .. وشعرت منال أننا نتقدم ..

 

وأتعلل ببيت شعر كان دائما يردده صديق لي في الجامعة .. كان مغامرا مقداما .. إلى حد التهور :

 

يفوز بالملذات كل مغامر                ويموت بالحسرة كل من كان يحذر

 

ولم تكن المغامرة في طبيعتي ، بل يغلب علي التأني والحيطة ، ولم أكن أجرؤ على مثل هذه المغامرات إلا في معية ( منة ) حبيبتي .. لقد كان وجودها معي يعطيني طاقة هائلة عجيبة .. أقهر بها خوفي وترددي ..

 

إن من أعظم ما يربطني بمنال أنني أستمد قوتي وقدرتي منها .. كنت أحاول أن أنجح من أجلها .. وكانت هي قادرة على التشجيع ، وعلى الصبر في انتظار تحقيق الآمال ..

 

في هذه الفترة جاء شقيقي الذي يصغرني من مصر للعمل بمكة المكرمة ، وكان مهندسا ، وكان لابد له من الإقامة في بيتنا ، فهو جديد على مكة ، وليس له أحد هنا سوى أخاه ، وقريبنا الكريم والذي لن تسمح ظروفه الحالية لاستقباله في منزله ، ولم نزد على البيت لاستقبال أخي ، سوى أننا أضفنا بابا خشبيا في الطرقة الفاصلة بين الصالة وبين غرفة الضيوف ،

وكانت غرفة الضيوف ذاتها غرفة منفصلة بحمام خاص ، وكانت بها الشرفة الوحيدة التي تطل على الشارع ، وكانت الغرفة تفتح كذلك على الباب الرئيسي للشقة ، فأقمنا هذا الباب الخشبي ليفصل بين هذه الغرفة وبين بقية الشقة ، ولقد كان النجار الذي جاء ليصنع لنا الباب باكستانيا اسمه أرشد ، وقد كان رجلا كهلا خبر الحياة ، ونظر إلي مبتسما وهو يسأل :

-       وما فائدة هذا الباب يا أستاذ ؟

-       لأن أخي سيقيم معي هنا يا عم أرشد ، وبهذا الباب يصبح له سكنه الخاص ، ولنا سكننا الخاص ..

-       هز أرشد رأسه في تشكك ، ثم قال : إن لم تكن ثقتك في أخيك وفي زوجتك متوفرة ، فماذا يصنع باب من الخشب .. إن أي منهما يستطيع أن يفتح الباب ويمضي ..

-       وابتسمت وأنا أقول له .. الثقة بيننا موجودة وهي أعظم ما تكون ، وأنا أعلم أن الباب لا يحول دون شيء .. بل إن الزوجة غير الأمينة قد تخرج خارج المنزل نفسه من خلف ظهر زوجها لو أنها أرادت ذلك واعتادت عليه .. لكن حاجتنا للباب هي حاجتنا لتطبيق السنة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول :

" الحمو الموت " ..

ثم شرعت أشرح له معنى الحديث النبوي الشريف .

 

ولقد اقبل أخي الفاضل فأقام لدينا قرابة عام ونصف .. كنا خلالها بفضل الله تعالى من أمثلة الأسر المتحابة المتعاونة ، ولم يحدث أن اشتكى يوما أو شعر بتقصير ، ولعل ذلك نابعا من طبيعة أخي الذي ورث كثيرا من صفات أبيه .. فطلباته الشخصية هي في أضيق حدود دائما ..

وكما لم تضجر منال من خدمة قدمتها أو تقدمها ، بل كانت ترى ذلك واجبا بديهيا عليها القيام به دون  أن تشعر مجرد شعور بأنها تقدم شيء !!

 

وأقبل في موسم الحج هذا العام قريب لنا كان من أصهارنا يقيم في منطقة نائية من مناطق المملكة ، وجاء للإقامة مع شقيقي في غرفته فترة الحج ، وكانت هذه هي الفريضة الأولى التي يؤديها وكذلك شقيقي ، بالإضافة إلى زوجتي الحبيبة ..

 

وفي شهر رمضان من العام التالي اجتمع لدينا في بعض أيامه عدد من الأقرباء منهم من قدم من مصر وكان فيهم أمي وأبي وعمتي ، ومنهم من أقبل من أنحاء متفرقة من المملكة حيث يقيمون فيها للعمل .. فاجتمع في بيتنا رهط قل اجتماعه في بيت واحد من بيوت العائلة في مصر نفسها ..

 

وأذكر أنه أقبلت أيضا في رمضان من نفس العام والدة منال ، لتؤدي أول عمرة لها بفضل الله ، وقد جاء ابنها عصام من الرياض لاستقبالها ، فأضحى بيتنا في هذا العام ملتقى الأحبة والأهل والأصهار ..

 

وكنا حين نختلي بأنفسنا أنا ومنال ، نحمد الله كثيرا أن جعل بيتنا بمثابة بيت عائلة يجتمع فيه الأهل والأحباب والخلان .. وكنا قد عاهدنا الله تعالى أن نجعل دائما بيتنا قبلة للزائرين ، فما أجمل أن يكون بيتك في خدمة بعض أهلك وأحبابك ، فما بالك أن تكون هذه الخدمة ذاتها لضيوف الرحمن ؟

 

كانت السعادة العارمة تظللنا معا ، ولم نكن نقيم للتكاليف المادية لمثل هذه الاستضافات أي وزن ، لقد كنا ندرك أن الله سيخلف علينا ، والحقيقة أن البركة كانت تتنزل ، وأن الأهل خاصة المقربين منا ، قد كانوا يدركون طبيعة ظروفنا المادية ، فكانوا يمطروننا بالهدايا الثمينة التي تخدم احتياجات البيت ..

 

ولقد بقى أبي هذا العام ليحج معنا .. ولقد ظللنا لعدة أعوام تالية نستقبل حجاج بيت الله من الأقارب ، سواء من داخل أو خارج المملكة .. وكانت تزداد سعادتنا كل عام ..

 

لقد كانت منال تستقبل كل هؤلاء باعتبارها ربة المنزل ، وكان عليها أن تحسن استقبال وضيافة الجميع ، عدا أنها نفسها تكون مشغولة بأداء فريضة الحج وهي في تلك الفترة الزمنية كانت إما أن تكون حاملا في جنين ، أو مرضعا لرضيع ، ولكنها بفضل الله كانت تستطيع التوفيق ولو بنسبة ما بين هذا وذاك ، وكان الضيوف عادة ما ينصرفون من بيتنا راضين شاكرين ..

 

وكنا نرى نحن في رضاهم وشكرهم بشارة برضا الله تعالى ، حتى أننا كنا نعتبر العام الذي لا يحضر إلينا ضيوف للحج أو العمرة ، كأنه عام لم نتقرب إلى الله فيه بعمل أو طاعة ..

 

 

ولقد مرت علينا بعد ذلك ظروف أمنية في غاية القسوة والصعوبة ، وربما الخطورة أيضا .. لقد أفهمتك يا صاحبي ، أن إقامة حبيبتي معي لم تكن قانونية ، فلقد دخلت مكة بتأشيرة عمرة ، ولقد انتهت صلاحية هذه التأشيرة التي مدتها أسبوعين ، ونحن الآن على أعتاب السنة الثالثة من عمر إقامتنا معا !

 

ولقد قررت السلطات السعودية لأسباب خاصة بحساباتها أن تقوم بتطهير المملكة من المقيمين غير النظاميين ، وكثفت الدوريات الأمنية وأكمنة التفتيش وحواجزه في الطرقات ، وكثفت حملات التفتيش على المنازل بحثا عن غير النظاميين ، كما جندت عدد من النساء لتفتيش المقيمات والتحقق من سلامة أوراقهن .. بالإضافة إلى الأوامر التي صدرت لملاك المنازل ، بتحري الدقة والحصول على صور الأوراق النظامية قبل تسكين المقيمين ..

وبدأت الدائرة تضيق  .. وكثير من المعارف وزملاء العمل الذين أحضروا زوجاتهم بتأشيرات عمرة اضطروا إلى تسفيرهن ، خوفا من المداهمات ، والإهانة ، وتعددت البيانات في الصحف ووسائل الإعلام تحذر من أي مخالفة..

وكنت وزوجتي مؤمنين تماما بحقنا بالحياة معا ، فنحن تنطبق علينا كافة الشروط اللازمة لجعل أوراق زوجتي أوراقا قانونية .. من حيث المؤهل الدراسي ، ونوع الوظيفة ، وموافقة الكفيل صاحب العمل الذي أعمل فيه .. ثم حاجتنا الفطرية الطبيعية للعيش معا ..

 غير أن ظروفا روتينية خاصة بأوراقي كانت تحول دون إتمام هذا الحق ..

ولقد سعينا في كل اتجاه بحثا عن مخرج ، ولكن الأبواب كلها المشروعة منها والنصف مشروعة كانت توصد في وجهينا ..

 

وظلت الدوائر تضييق حتى كادت تخنقنا ، وأجمل الأقرباء والأصدقاء المخلصين لنا النصيحة بضرورة سفر منال ومريم .. نصحونا مخلصين لوجه الله وحبا فينا وخوفا علينا ، وقلوبهم تتمزق وهم يرون مدى ارتباطنا الوثيق ..

 

كان العقل والمنطق مع عودة منال إلى مصر .. ولكن تمزيق قلوبنا بخناجر مسمومة كان أهون علينا من ذلك .. لقد أصبح كل منا بالنسبة للآخر مثل الماء للسمك ، كلانا لا يستطيع أن يجد هواء يتنفسه دون الآخر .. كنا نتنفس برئة واحدة مشتركة ، وقلب واحد في جسدينا ينبض بالحياة ، فكيف يتمزق الجسد الواحد شطائر بينهما آلاف الأميال .؟

ولجأت إلى العلماء والمشايخ الكبار ألتمس عندهم عونا ، فأكدوا على شرعية موقفي ، لكنهم لم يجدوا حلا ولا مخرجا سوى الدعاء ..

 

ولكم تعلقنا يا صاحبي بأستار الكعبة المشرفة في جوف الليل ، وذرفنا دموعا حارة ساخنة سخية .. ودعونا ، ليس دعاء المضطرين ، ولكن دعاء المقبل على عدو يتوعده بتمزيق جسده ليفرقه فرقين بالمناشير ..

 

ووصل الأمر أنني عرضت على صاحب العمل أن يستقدم زوجتي ذات الشهادة فوق الجامعية ، مليكة قلبي ، وأميرة روحي .. التي كنت أضن بأن تمسها الألسن بسوء ، عرضت عليه أن يستقدمها بمسمى مهنة خادمة – بالطبع دون أن تمارس أي عمل – لمجرد توفيق الأوضاع ولم الشمل دون خوف أو اضطراب ..

ولكنه استحى فرفض ..

وضاقت بنا الدنيا بما رحبت .. وكانت ( منولتي ) قد دب في أحشائها نطفة جديدة .. فكيف ؟

 

نظرت إلي في قلق واضطراب وسألتني :

-       ما رأيك يا حبي ؟

-       لم أكن أقل منها اضطرابا وقلقا فقلت حائرا : لا أعرف يا روحي .. العقل والمنطق يجزمان بضرورة رجوعك إلى مصر .. لكن قلبي ينتفض انتفاضة الحمامة المذبوحة كلما فكرت بهذه الطريقة !

-       بل قلبي أنا يا حبيبي هو الذي يذبح كل يوم ..

-       كل الذي أعرفه يا منال أنني لا أستطيع أن استغنى عنك ، لا أستطيع أن أعيش بدونك .. بدون هاتين العينين التي تنظر إلي .. فهي عيناي التي أرى بهما يا منال .. فهل يستغني أحد عن بصره الذي يبصر به ؟؟؟

 

 

ولم نكن نتوقف عن صلاتي الحاجة والاستخارة أن يخيرنا الله في أمرنا بين السفر والبقاء ..

ونحن على هذه الحال ، إذ رأت حبيبتي رؤية كانت فرجا ومخرجا .. ولم أكن بطبيعة الحال أهلا لتفسير الأحلام ، وتعبير الرؤى ..

ولكن الله عز وجل ألقى في نفسي تفسيرها .. فكانت كفلق الصبح ..

لقد رأت حبيبتي أننا نصلي في المسجد الحرام صلاة الفجر ، وبينما نحن في صلاة الجماعة إذ أخطأ الإمام أو نسي ، فصلى ركعة واحدة ثم جلس للتشهد ومن ثم التسليم من الصلاة ..

 

وسلم الناس خلفه إلا القليل النادر من المصلين ، وكانت منال من بين القليل النادر ، وقد قاموا لإتمام صلاتهم ..

وحدث لغط وفوضى .. وحار الناس ماذا يفعلون ..

بينما مر أحد العلماء بالقليل الذين يكملون صلاتهم فأشار لهم بوجه ضاحك مستبشر : أن أتموا صلاتكم ، فإن ما فعلتموه هو الصحيح بفضل الله .. ومضى

 

واستيقظت منال ، وكان الله تعالى قد ألقى عليها الرؤيا ، دون أن تعرف لها معنى محدد ، غير أنها كانت قد نامت ليلتها على وضوء وصلاة استخارة بخصوص السفر ..

 

ومن عجائب الأمور أنها اتصلت بأحد كبار العلماء هاتفيا وأطلعته على الظروف المحيطة ، وروت له رؤيتها آملة أن تجد منه تشجيعا أو تعضيدا لتأويلي .. فأولها الشيخ على غير هذا المعنى ، وقال لها هي بعيدة على العموم عن أي إشارة بالمكوث أو السفر ..

 

وأطلعتني على تأويله ، وكان الرجل عالما أثق بعلمه ، لكنني كنت أكثر ثقة في فرج الله ومخرجه ، فقلت لها أن تأويلي هو التأويل ..

 

وكنت قد عبرت الرؤيا .. بحالنا ، وحال الناس من حولنا ، لقد أمر الإمام بانصراف الناس ، فانصرفوا إلا القليل النادر ، ونحن بطبيعة الحال من هؤلاء القليل النادر .. ثم راجع الإمام أو بعض معاونيه القرار ، فقرروا أن الماكثين هم على حق .. فطلبوا منا أن نتم مكثنا في أمان ، فنحن على الحق ..

 

استبشرت على تخوف يتضاءل أمام يقين يكبر ، وليس في الأخبار المحيطة بؤرة أمل أو بصيص ضوء ،

وفجأة وبعد بضعة أيام لم تتجاوز الأسبوع بأية حال .. صحوت صباحا على رنين الهاتف .. كان صديقا لي .. كان البشير ، ولم أنسَ بشراه وإن لم أستطع حتى يومنا هذا أن أجزه بها ، فجزاه الله عنا كل خير ..

بشرني الصديق وصوته يقطر رقة وحبا وفرحا :

أقرأت صحف الصباح .. وكان موعد عمله يسبق موعد عملي  ..

 فأجبت بالنفي

فبشرني ونعم البشير والبشرى : بأن المملكة أصدرت مرسوما بتوفيق أوضاع جميع المخالفين نظير بعض الأوراق الرسمية العادية التي تثبت الشخصية ، ومبلغ من المال كغرامة البقاء بلا تأشيرة نظامية ..

 

ووضعت سماعة الهاتف وأنا أدعو لصديقي بكل دعاء أحفظه ..

 

وطرت بمنال وطارت بي ..

 

لقد كان الله تعالى يجمع شملنا للمرة الرابعة ..

مرة حينما زففنا إلى جنة الدنيا ، والثانية عندما جاءني أبي بزوجتي في عمليته الفدائية الشهيرة ، والثالثة عندما نجحنا في عودة أبي دون أن يصطحب معه منال ، والرابعة حينما عرف اجتماعنا المبارك النور قانونا بعدما عرفه شرعا ..

 

وإني الآن أتساءل سؤالا طالما هربت منه أثناء المحنة والابتلاء :

كم مرة رجفت ( منولتي ) من الرعب والجزع ، وهي تسمع دقة على باب الشقة أثناء ساعات عملي التي تتجاوز التسعة ساعات يوميا ؟

وكم مرة داهمها الخوف مما تسمع من نصائح وتحذيرات ؟

لكنها كانت إمرة تدعو ..

 

ولقد سهرنا بعدها ليلتنا بالحرم أمام الكعبة نتلوا معا قوله تعالى  :

بسم الله الرحمن الرحيم

لإيلاف قريش

إيلافهم

رحلة الشتاء والصيف

فليعبدوا رب هذا البيت

الذي أطعمهم من جوع

وآمنهم من خوف

 

صدق الله العظيم ..

 

فسبحان الذي أطعمنا من جوع وآمنا من خوف ..

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.