القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

حتى لا تموت الروح11

13 - اللقاء الساحر ..

 

كنت قد ودعت قلبا واحدا في مصر عندما سافرت ، بالإضافة بالطبع إلى الأهل والأحباب .. لكن الوداع الأخير كان لمنال حبيبة القلب ، وتوأم الروح ..

 

ولكني الآن وأنا ذاهب لاستقبالها في ميناء جدة الإسلامي برفقة قريبي هذا الكريم مشكورا ، كنت ذاهبا لاستقبال ثلاثة قلوب ملؤها الحب والشوق واللهفة على اللقاء ..

 

كان أبي الذي قرر مرافقة منال في قرار بطولي رائع .. وكانت منال وعلى كتفها ( مريومة ) الصغيرة ..

وبعد طول انتظار احترقت فيه الأعصاب ..

غنت الأطيار ، وهمست أعواد الريحان .. وأضاءت أنوار القلب ، وشعرت أننا نفتح كتاب الحياة على فصل : هادي الأرواح إلى بلاد الأفراح .. فبلاد الأفراح كما هي في جنان الله ، فهي أيضا قائمة على الأرض حينما يكون اللقاء على الله ..

 

كانت لحظات خالدة فريدة قلما تتاح لزوجين فرصة مثلها للاحتفال بلقائهما .. بدأنا لقاءنا بأداء عمرة .. وكانت منال مذهولة تماما ، فهي ترى أشياء لأول مرة في حياتها .. فها هي تغادر وطنها لأول مرة ، وقد كان أطول سفر لها هو ذهابها إلى مدينة القاهرة ، فإذا بها تنتقل من قارة إلى قارة ، وتعبر البحر الأحمر في طريقها إلى قارة أخرى تحيا عليها أيامها القادمة ..

وهي في ميناء جدة ترى لأول مرة زوجها بلحية ، وهي لم تره بلحية من قبل ، وهي أول مرة ترى قريبنا الكريم واحتفاءه بها ..

وفي سيارة قريبي جلس أبي بجواره في المقعد الأمامي ، وجلست منال بجواري وعلى كتفها مريم ، بينما بجوارها جلست قريبة لنا ..

ولقد كانت منال تختلس النظر إلي ، بينما أنا كنت أدقق النظر في الطفلة التي على يديها ، كانت صغيرة .. صغيرة جدا .. أما منال فلم أكن أنظر إليها ، فقد كنت أحترم إحرامها بالعمرة ، وكنت مشفقا عليها وعلى نفسي من تبادل نظراتنا ، لقد كنت أدرك أن أشواقنا لن تصمد إذا بدأنا نستجيب لها ، وقد عادت بنا الذكرى إلى ليلة عقد زواجنا ، حينما كنا نلجم جموح مشاعرنا وندخرها كلها إلى أن نغادر السيارة إلى الغرفة التي على الطريق .. ولا أظن أننا تبادلنا إلا القليل جدا من الكلمات طوال الطريق من جدة إلى مكة !!

 وأخيرا رأت منال شقتنا بمكة ، ولقد كانت شقة مختلفة كل الاختلاف عن شقتنا الأولى .. كانت بسيطة لكنها كانت مؤثثة .. كان بها لأول مرة في حياتنا الزوجية غرفة نوم .. وأدوات مطبخ ، وغرفة استقبال عربي أرضي ..

وتركت منال ومريم تتعرف على الشقة .. وذهبت أنا وأبي للإحرام من التنعيم ، ثم كانت أول مرة تقع عينا منال على الكعبة المشرفة على الطبيعة ، ولقد كان قلبها يخفق ، أهذه هي قبلة المسلمين ومهوى الأفئدة ، ومحط أنظار المسلمين جميعا ؟..

ها هي الآن على بعد خطوات منها تطوف حولها بكل خشوع وهي تشعر بأنها في كل شوط تعرج في معارج الإيمان ، وكأن كل شوط يرتقي بها درجة إلى السماوات العلا ..

 

وكنت أنا أول مرة أحمل طفلا بهذه الطريقة .. كنت أحمل مريم على كتفي .. كانت ( سفروتة ) لكنها كانت ريحانة القلب ..

وأتممنا عمرتنا ، وعببنا من ماء زمزم .. ثم ..

 

ثم عدنا إلى شقتنا ، وجلسنا نؤانس أبي الحبيب في الغرفة التي أعددتها له .. ثم نظر أبي إلينا نظرة ملؤها الحب والحنان .. ثم استأذننا قائلا :

- هيا يا أولاد أريد أن أنام .. لقد أرهقني السفر ..

 

وهكذا كان أبي مثل النسمة ، يكون حاضرا بينا ، ولكن لا يكاد يشعرنا بوجوده ..

 

وانصرفنا إلى غرفتنا ، وأذن رضوان لنا بدخول جنة الأرض من جديد .. ولم تكن مجرد جنة .. بل كانت فردوس .. وشاء الله تعالى أن يعوضنا عن ليلة زفافنا الأولى ، بليلة أخرى لا تقل روعة ولا جمالا ولا شوقا ولهفة .. وكانت أيضا مثل ليلة زفافنا الأولى ليلة جمعة ..

ولقد أزعجنا بكاء مريم كثيرا في بداية الليل حتى آن لها أن تنام ، وأدركنا كيف يعوض الله تعالى القلوب المحرومة المكلومة بالفراق .. كيف يضاعف لها السعادة ، ويعيد لها الذكريات مرات عدة !!

 

مر الأسبوع الأول ، وكنا فيه عروسين كأنه أسبوع الزفاف .. عروسان ترافقهما طفلة رضيعة !!

كان عمر مريم وقتها شهرين ..

ولم يكن بالطبع في استطاعتي أن أحصل على إجازة طويلة من عملي لإقامة شهر عسل جديد ، لكن الأوقات التي كنا نقضيها في المنزل كفيلة باستعادة ذاكرة السعادة ..

ولقد اكتملت سعادتنا لأننا في نهاية هذا الأسبوع كنت قد أعددت لرحلة كانت مفاجأة لهم .. كانت الرحلة إلى المدينة المنورة ..

 

كنا نحن الثلاثة إذا استثنينا مريم ، نحيا في حلم جميل ، ولكني غير واثق تماما من وجوب استثناء مريم ، فلابد أن السعادة التي كانت ترفرف على منال ، وهي تناغيها فتقول لها : هذا بابا .. بـ بـ بـ ا .. لابد أنها كانت تؤثر على لبن رضاعتها فتحيله شهدا ، وأظن أن الرضيعة كانت تشعر بقدر مختلف من الحنان والدفء والسكينة ..

  

وكان أبي سعيدا جدا فقد كان من عشاق المدينة ، وكان عشقه لمكة المكرمة أشد وأكبر .. وكان بالطبع قد زار المدينة عدة مرات من قبل بعدد مرات العمرة والحج التي يسر الله لها أدائها ، ولكن رحلته معنا كانت أطول المرات التي قضاها في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم .. وكان سعيدا جدا ..

 

أما أنا ومنة فقد كنا نهيم فوق السحاب .. لقد آن الأوان أن نفتح بعض صفحات السيرة النبوية العطرة في موقع حدوثها .. كنا كأننا نتلمس مواقع أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام .. وتذكرت نشيدا كنت طلبته من الفرقة التي زفتنا ليلة زفافنا ، وألححت في طلبه وتكراره :

 

قلب بك مملوء غرام

يا حبيبي

أنت والصحب الكرام

يا حبيبي

قلبي بك مملوء غرام

يا حبيبي

أنت والصحب الكرام

يا حبيبي

مناي ، مناي أسلم  عليهم

وأقبل يديهم

يا حبيبي

 

وكنا نسمر أحيانا في غرفتنا في الفندق البسيط الذي نزلنا به ، أو بغرفة أبي فأحكي لهم موقف من المواقف العاطفية الرقيقة في السيرة ، ثم .. تسيل الدموع .. دموع الحب والشوق واللهفة على اللقاء .. ونهتف :

 

بأبي أنت وأمي يا رسول الله ..

 

وعدنا من المدينة .. عدنا إلى مكة ، ولم تكن غربة .. ولن تكون .. وقد جمع الله شمل الأحبة بعدما ظنوا ألا تلاقيا ..

 

وبدأت حياتنا العملية ، وكنا مازلنا نحلق فوق السحاب ، ولم يعد ينغص سعادتنا إلا أمرا واحدا ، لكنه كان على جانب كبير على الأهمية ..

لقد كانت إقامة منال معي إقامة غير نظامية ، لم تكن تأشيرتي التي دخلت بموجبها المملكة تسمح باستقدامي زوجتي ، وكان علينا أن نبحث عن طريقة لعودة أبي إلى مصر دون مرافقة منال .. لقد كان رفيقها باعتباره محرما لها في المجيء إلى العمرة ، وكان هذا عملا فدائيا منه ، ولقد كان الرجل مرتبطا بعمله الحكومي ، وأجازته على وشك الانتهاء ، وهو في آخر سني هذا العمل الحكومي الطويل ، ولا يجمل أن يلوث سجله الوظيفي الناصع بالانقطاع عن عمله في آخر خدمته قبل الخروج على المعاش ..

بالإضافة إلى انتهاء مدة تأشيرة إقامته في المملكة ، وهو معرض إلى أحد أمرين ، إما أن يحبس نفسه بالمنزل لا يخرج منه ، وإما أن يمارس حياته ويخرج إلى الشارع ويمضي إلى الحرم ، وهو بذلك يعرض نفسه إلى حملات التفتيش وإذا تم القبض عليه وهو على هذه الحالة ، فإنه سيعامل معاملة سيئة باعتباره مخالف للقوانين والأنظمة ، وهو الرجل الذي لم توجه له طيلة حياته كلمة خارجة عن اللياقة والأدب !!

 

لكن الله الذي ربط بين القلوب ، ومهد لقاء الأجساد بلقاء الأرواح الذي ظل يتشكل سنوات طويلة على غير إرادة منا ولا تدبير ولا توقع .. كان رحيما بنا أعظم ما تكون الرحمة ..

 

ولقد وفقنا الله أخيرا إلى مخرج ، وركب أبي الباخرة لترحل به من ميناء جدة الإسلامي عابرة البحر الأحمر إلى مصر ، وكان يوم وصول أبي إلى أرض الوطن بسلامة الله ، هو يوم زفاف جديد بالنسبة لي مع منال ، وبدأ من جديد شهر العسل ، ولم يكن ذلك من ثقل ضيافته علينا ، بل سبق وذكرت لك أنه كان كالنسمة الرقيقة وهو بطبيعته الحيية ، ورقته التي جعلت منه شفيعا للمحبين ، كان يشعرنا دائما أننا بمفردنا ، بل كان يأخذ عنا ( مريومة ) فترات طويلة ليخلو الحبيب بحبيبه ..

لكننا قبل هذه اللحظة كنا نخشى من عاقبة المغامرة .. كنا نخشى أن نستيقظ من هذا الحلم على كابوس ضرورة عودة منال مع أبي .. لكن الله برحمته سلم ، فبدأ شهر العسل ، بل بدأ عمر كامل ممتد من العسل المصفى ..

 

لكن أبي لم يغادرنا ، إلا بعدما أحب منال ، أحبها حبا كبيرا خالصا ، وقد تعلق بها ، فقد شعر بأن الله تعالى قد عوضه بها عن عدم إنجاب البنات .. لقد كانت هذه هي أهم خصائص منال : كانت تستطيع تطويع القلوب لحبها ، مهما بدت تلك القلوب غير مستعدة لذلك ، ومهما قللت هي بتواضع من قدرتها على ذلك ..

 

 ولم يكن قلب أبي مستعصيا أبدا على الحب ، كانت تأسره النظرة الرقيقة المكبرة العارفة بقدره ومكانته ، والكلمة الجميلة المهذبة ، وقد كانت منال قديرة في هاذين الجانبين ، كانت تجلس معه طوال ساعات دوامي المسائي في شرفة الشقة تستنطقه الذكريات ، وكان أبي كتوما يحب الصمت ، لكنها كانت كثيرة الإلحاح على المعرفة منه ، وكانت تبدي حرصا فائقا على أمرين على ذكريات شبابه وعلى قبول النصيحة فتطلبها ، تطلبها بشدة وإلحاح ، ولعل واحدا من أهم الأسباب التي جعلت أبي يسلم قلبه تماما لزوجة ابنه ، هي السعادة التي كانت تطل من عيني ابنه ، فيشعر أن هذه الفتاة أو المرأة الشابة الصغيرة تعرف كيف تسعده ..

ولقد مضى أبي وهو يدعو لها بكل خير ، وهو يوصيني بها أشد الوصايا ، ويخوفني من الاحتداد عليها أو الإساءة إليها أو إهانتها ..

 

ربما كانت حياتنا بعد ذلك مثل أي زوجين أو مثل أي أسرة صغيرة ، لكنها كانت تتميز بالحب الحقيقي ، كانت تتميز بإرادة التعبير عن الحب الحقيقي ..

ربما شعر بعض الأزواج نحو زوجاتهم بالحب والعاطفة ، لكنهم يعتبرون كثرة التعبير عن ذلك جهدا ضائعا أو عبثا لا طائل من ورائه ..

لكنني ومنال كنا قد استشرفنا من حديث رقيق من أحاديث حبيبنا الرسول صلى الله عليه وسلم :

إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره ..

 

استشرفنا منه أن الإلحاح على التعبير عن الحب ، يزيده في القلب ولا ينقصه ، ويجعلنا دائما نبدأ قصة حبنا من جديد مع كل يوم جديد ..

 

وكان حبنا بالفعل يزداد ، وكان الاختلاف الآخر بين حياتنا وبين الأسر الصغيرة الأخرى ، أننا كنا حريصين وفيين للعهد الذي قطعناه على أنفسنا ، لقد كانت تحدث في حياتنا مشكلات .. مشكلات من تلك التي تحدث في كل البيوت ..

 لكننا كنا قد تعاهدنا ألا يبيت أحدنا وفي قلبه ذرة غضب أو حزن من الآخر ، فكنا نصفي ما بنفسينا دائما وباستمرار .. وكنا لا ننام إلا هانئين قريري الأعين ، حتى أننا كنا نتفقد أماكن بعضنا البعض ونحن نائمان ، فلم أكن أهنأ بنوم إذا شعرت أن منة قلقة ، أو استيقظت لشأن حتى أطمئن عليها بين أحضاني ، وهي كذلك ..

ثم لم يكن بيننا أسرارا لا يعرفها أحدنا ، ويعرفها الآخر ..

 

كانت الصداقة الوثيقة التي تربط بيننا ، مع تقارب العمر ، وتوحد التفكير ، كلها عوامل جعلت منا ننطق الكلمة المشتركة معا ، ونتنبه للفكرة المشتركة معا .. ونقوم بالفعل المشترك معا . ولو كان كل منا في مكان منفصل ..

لقد كنت كثيرا ما أتوقف مع منال أمام تعبير الله تعالى في القرآن عن الزوجة ( بالصاحبة ) ، مثل قوله تعالى ( وصاحبته وبنيه ) .. وكنا نؤمن أن الزوج للزوجة كالصاحب للصاحبة ، فكلاهما كالصديق للصديق ، وكنا نعجب من هؤلاء الأزواج الذين يحملون بعض الأسرار والمشاعر والأفكار ، والتي يضنون بها على نسائهم بينما يخصون بها أصدقائهم ، وكذلك الزوجات !!

رغم أن الصداقة الطبيعية والصحبة الدائمة إنما هي بين الرجل وزوجته !

 

ولم تكن منذ البداية الأعباء المادية تشغل بالنا كثيرا ، كنا نؤمن أن الرزق مقدور وأنه قادم لا محالة ، فلا مجال للتفكير فيه أكثر مما يستحق ..

كانت هذه يا صديقي أهم ملامح حياتنا العامة ، وهي كما ترى حياة عادية تربط بين أي زوجين بينهما تفاهم وحب .. ولكن منال كان لها مشروعات صغيرة .. دائما كانت لها مشروعات .. وربما كنت أنا كذلك ..

وكانت أمامنا عقبات واجهتنا في طريق الحياة ، عقبات من الخارج ، كانت كفيلة بالقضاء على قيمة الحب نفسها ، وتحطيم معاني السعادة .. لكن منال كانت حجر الزاوية في بناء جعلته صلبا لا يتزعزع مهما عصفت به ريح المحن العاتية ..

 

أدركت منال من مستوى دخلنا ، أنها يجب أن تجتهد ، فلقد تكبدت بعض الديون في بداية حياتي بسبب أعباء السفر والتدريب للعمل ، وفترة قضيتها بلا عمل ، وهكذا ..

 

 ولقد كان دخلي يكفي تلك الأسرة الصغيرة السعيدة ، أن تأكل وتشرب وتلبس من أشهى وأجود الأنواع ، وربما بإمكانها أن تنفق على النزهة البريئة الجيدة دون ترف أو إسراف ، لكن دخلنا في ذات الوقت لم يكن يحتمل الادخار أو سداد الديون أو حتى الإقبال على شراء الأجهزة باهظة الثمن أو التي تعتبر من الأثاث المعمر للبيت ..

وكانت منال تعرف حقيقة دخلي ( بالهللة ) وهي تقابل المليم بالعملة المصرية .. ذلك أننا تعاهدنا على الصدق والصداقة ، فلم أكن لأخفي عنها ما يأتي ، ولا ما أنفق .. ولذا قررت منذ البداية أن تكون امرأة منتجة لا عاملة .. قالت لي :

-       عمدتي حبيبي .. إني قابلت بعض زوجات أصدقائك ، بعضهن يعملن سواء في المدارس الأهلية ، أو في غيرها ، وبعضهن يبحثن عن عمل .. ما رأيك ؟

-       أنت تعرفين مبدأي جيدا في هذا الأمر ..

-       قالت بدلال وهي تداعب شعري برقة : مبدأك في أيهما يا روحي .. في فكرة العمل ؟ أم فكرة الخروج من البيت ؟

-       قلت مندهشا : في كليهما .. فما الفرق ؟

-       لا يا حياتي هناك فرق كبير .. أنا أتفق معك أن بيتي وأولادي أولى بي ، وأنت طبعا قبل كل شيء يا حبيب قلبي .. وهذا لا يسمح لي بالخروج للعمل خارج البيت ..

-       هذا كلام جيد ..

-       لكن يا روحي أنا أعرف أن الظروف صعبة ، وأننا يجب أنواجه مسؤولياتنا .. ولا مانع أبدا من أن تكون الزوجة .. زوجة منتجة وهي في بيتها ..

-       وأنا أريدك يا روح قلبي زوجة منتجة ، فتربيتك الجيدة لمريم وعنايتك بنظافتها وصحتها العامة وحسن تغذيتها ، وعدم إلجائنا للأغذية المكملة باهظة التكلفة من الخارج ، وقلة ذهابها للطبيب .. وتوفير احتياجاتنا في البيت دون اللجوء للأغذية الجاهزة .. كل هذا إنتاجا يا حياتي ..

-       قالت وهي تداعب شفتي بأصابعها الرقيقة : هذا يمكن أن تسميه تدبيرا ، أو إنتاجا سلبيا .. لكنه لا يمنع يا حياتي من أن تكون الزوجة التي تحب زوجها ، وتحرص عليه ، وتعيش معه على الحلوة والمرة .. وتشاركه في كل شيء ، لا يمنعها أيضا أن تكون مصدر دخل .. وكل امرأة يمكنها أن تفعل ذلك في بيتها ، دون أن يكون لذلك أي تأثير سيء على زوجها وبيتها وأطفالها ..

-       مثل ماذا يا ( أفلطونتي ) الصغيرة ؟

-       أقول لك يا حبي .. عندما ذكرت لك أن بعض صديقاتي يعملن ، فأنا لم أكن أفكر أن أعمل مثلهن ، ولا أن أخرج من البيت .. بيت حبيبي ، لا أحب أن أفارقة لحظة واحدة ، إلا إذا كنا معا في نزهة أو زيارة .. ما أقصده حبي ، أن هؤلاء الصديقات محتارات في وضع أطفالهن ، ففكرت أن أتيح لهم مثل دار حضانة صغنونة .. أي بما تسمح به مساحة الشقة .. طفلين أو ثلاثة أو أربعة على أكثر تقدير ، يؤانسون ( مريومة ) ، وأعتني بهم جميعا .. وهذا له بعد اجتماعي ممتاز لصالح مريومتنا .. وكل ذلك سيتم بالطبع وحبيب قلبي وروحي في عمله ، فإذا عاد من العمل وجد حبيبته وعشيقته في انتظاره في أحسن صورة يحب أن يراها فيها .. هيه ما رأيك يا قمر ؟

-       لكني أخشى عليك من أمرين يا روح قلبي .. الأول هو إرهاقك ، فأنا لا أحب أن أرهقك .. وأنا بطبيعتي طلباتي كثيرة ومرهقة ..

-       طلباتك أوامر يا قمر .. أمرك ماشي .. هات الأمر الثاني الذي تخشاه علي ..

-       لا أحب أن تنظر إليك هذه الصديقات نظرة أنك مربية أطفال ، أو مثل ذلك ، على اعتبار أنك أقل منهن .. وأنت في الحقيقة ربما تفوقهن تعليما وثقافة وأشياء أخر .. أنا لا أحب أن ينظر أحد لحبيبة قلبي نظرة دونية ..

-       يا روحي أدامك الله لي .. دعهم ينظرون كما يشاءون ، ولكن ما يهمني هو نظرتك أنت لي .. وهل مربية الأطفال مهنة دونية ؟.. على العكس من ذلك إنها أعظم مهنة في الوجود .. ولا تنسى حبي .. أنني من خلال هذه التجربة .. سأزرع في عقول هؤلاء الرضع الصغار .. النبتة الصغيرة البريئة .. بعض السلوكيات والكلمات التي أحب أن نراها ونسمعها من كل طفل ..

 

وما لبث أن شرح الله صدري لفكرة منال ، فوافقتها .. واستبشرت .. وقدرت لمنال حرصها على مشاركتي والتخفيف عني من الأعباء المادية للحياة ، ولقد كنت أنظر لهذا الدور على أنه زائد وإضافي تماما .. كان فضلا منها أن تفكر في الأمر بهذه الطريقة ، وكنت أؤمن أن تأمين كامل تلك المتطلبات من واجبي أنا وحدي ، فكما لا يتهاون الرجل في أن يعود من عمله فيجد طعامه وراحته معدة جاهزة ؛ إلا في حالات الضرورة القصوى بالطبع مثل المرض أو الظروف القهرية  الطارئة ، فإن الزوجة من حقها تماما أن تجد زوجها مسؤولا مسؤولية تامة عن حمايتها وأمنها ونفقة الأسرة .. كما أنني كنت مشفقا عليها ، كنت أرفض تماما فكرة أن تنظر إليها إحداهن على أنها أقل منهن ، أو إنها مجرد ( دادة لتربية الأطفال )

أو أنها تقوم بهذه المهمة لأن مؤهلاتها لا تمنحها فرصة الحصول على عمل مثلهن ، أو لوضع أوراقها النظامية باعتبار أن تأشيرة دخولها المملكة هي تأشيرة عمرة ، وليست تأشيرة إقامة كاملة ، وبالتالي فهي بإقامتها معي مخالفة لقانون الإقامة النظامية بالبلاد ..

 

والحقيقة أن إقامة منال معي كانت مغامرة .. كانت عملية فدائية قامت بها بكل تضحية من أجل البقاء معي ، وما كان أحد يلومها لو أنها رفضت الإقامة بجواري إلا بأوراق رسمية سليمة .. أما من ناحية المؤهلات الدراسية والعملية ، فلقد كانت أعلاهن جميعا من حيث المؤهلات ، فهي الوحيدة من بينهن الحاصلة على دبلومة تربوية بعد البكالوريوس ، كما أنها كانت من القلائل اللاتي مارسن مهنة التدريس في مصر قبل الزواج ..

وبالفعل بمجرد اتفاقنا على فكرة الحضانة المنزلية للأطفال ، رزقها الله تعالى ( بآية ) و( أسامة ) و( أحمد ) ثم ( أشرقت ) ، وكانوا جميعا في سن قريبة من سن مريومة ..

وكان عدد الأطفال ربما يزيد طفلا أو يقل طفلا .. وفق ظروف عمل الأمهات ، واستمر المشروع عدة شهور .. ثم بدأت الأوضاع تختلف باختلاف أعمال أمهاتهن ، والتنقلات الدائمة التي تحدث في سكن الأسر المغتربة ..

 

ولم تكن منال مع زيادة أعبائها تقصر أو تهمل في واجباتها الأساسية المقدسة ، لم تكن تسمح لنفسها بذلك أبدا .. فقد كانت تؤمن بان التدبير في شؤون المنزل هو جزء من مهمتها كزوجة منتجة !!

وكانت منال كلما وصل إلى كفها مبلغ من المال كأجر لعملها ، كانت تصبح  في غاية الحياء ، وهي تتردد كيف تضع هذا المبلغ في يدي دون أن تخدش مشاعري ، فكانت مثلا تسألني قائلة :

-       حبي كنت أريد أن أسأل .. متى ستستلمون الراتب إن شاء الله ؟

-       والله لا أعرف يا ( منولة ) – وهو أحد أسماء تدليلها المفضل لديها – ظروف المؤسسة هذه الأيام متعثرة ، وربما تأخر صرف الرواتب هذا الشهر ..

-       أردت أن أبشرك يا حياتي .. لقد رزقنا الله رزقا حسنا ..

ثم تخرج المبلغ مبتسمة وتضعه بين يدي وهي تقول : هذا الرزق أتت به أم الطفل فلان هذا الصباح ..

-       مرة أخرى حبيبتي ؟ .. ألم نتفق يا روح قلبي على أن هذه المبالغ ستدخرينها لنسدد بها بعض الديون ..

-       تتسع ابتسامتها وهي تقول : لا يوجد فرق يا حبي .. دع معك هذا المبلغ البسيط الآن للإنفاق منه ، وعندما تستلم الراتب ، نقتطع منه ما يساويه .. المهم إن جيب حبيبي وحياتي وروحي لا يكون خاليا أبدا .. ربما قابلتك أي ظروف ، أو طلب منك أحدهم  شيئا .. لا أحبك أن توضع في موقف حرج أبدا يا حياتي ..

-       وأمد كفي فآخذ المبلغ ، وهي تقبل رأسي وتقول : جزاك الله خيرا يا حبي ، لأنك لم تخذل طلبي ..

 

ولم يكن هذا هو المشروع الوحيد الذي فكرت واجتهدت فيه ( منة ) للمعاونة في الأعباء المادية ، بل إنها ما لثت بعدما تبدلت ظروف أمهات الأطفال وقلة عدد من يحضر منهم لحضانتها ، كانت قد فكرت في الاستفادة من التجربة ، لقد حولت فكرة الحضانة كمكان أمين لرعاية الرضع والحرص عليهم أثناء غياب أمهاتهن في العمل ، إلى فكرة رياض الأطفال .. كانت مريم تكبر قليلا في السن .. تخطت سنتها الأولى وبدأت تخطو أولى خطواتها ، وتنطق بعض الكلمات اللذيذة المتلعثمة ، وكانت ( منة ) حريصة كل الحرص على تنمية ثروة مريم اللغوية ومدها دائما بالكلمات الجميلة ، والأناشيد الصغيرة الممتعة سهلة الحفظ ، ثم طورت فكرتها ، وعرضت على صديقاتها من أمهات الأطفال الأكبر سنا ما بين ثلاثة إلى خمس سنوات ، أن تقوم بعمل رياض أطفال بالنسبة لهم ، بحيث يحضرون إلى المنزل ويدرسون بعض الأمور المهمة مستعينة في ذلك بمناهج رياض الأطفال ، بحيث يجيد الطفل حفظ بعض سور القرآن الكريم ، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة ، وأذكار الأحوال .. والأناشيد الممتعة ، وغير ذلك من الآداب والسلوكيات ، والتعرف على الصور وأشكال الحروف .. إلى غير ذلك من مناهج رياض الأطفال ..

ولقد كانت منال تملك الموهبة ، والصبر ، وحب الأطفال ، والرغبة ، وكانت رغبتها تتعدى بكثير حد المساهمة المالية في أعباء المعيشة ، إلى فكرة غرس القيم التربوية السليمة في أبناء المحيطين بها ..

 

ولقد زكى منال للقيام بهذه المهمة بين صديقاتها ، ما كن يلاحظنه على ( مريم ) وهي في سنها الصغير جدا هذا من حسن أدب ، وحسن تعلم أيضا .. وكانت الكلمات البسيطة التي تتعلمها ( مريومة ) ، نختارها لها بعناية .. فلم تكن تطلب طلبا دون أن تتقدمه بلفظ لو سمحت .. أو من فضلك .. ولم تكن تنطق كلمة : أنت ، أو أنتِ ، وإنما حضرتك ، وحضرِتك .. وتردف ذلك بالدعاء الجميل :

جزاك الله خيرا ..

 

كانت الكلمات تخرج من فمها بتلك اللثغة الطفولية المحببة إلى النفوس .. لكنها كانت كلمات راقية وموحية .. ولم تكن وليدة البيئة ، على العكس تماما كانت مختلفة مع ما يتردد ليل نهار في البيئة القريبة .. لقد كانت مفردات مختارة بعناية فائقة ..

 

كانت ( منولتي ) تملك هذا الحس ، وكانت تختار لكل مصطلح تريد أن تعلمه لمريم ، إن تعددت له الأسماء ، تختار أرقها وألطفها ، مهما كان أصعب في النطق ، والحفظ بالنسبة لسن الطفولة المبكرة ..

وكنت أنا في الحقيقة على نفس المستوى من الحرص والانتباه بهذا الخصوص ، فكنا نتعاون سويا على ذلك . وكنا نختار الألفاظ المحببة الرقيقة التي نظن أنها أقرب ما تكون للغتنا العربية الجميلة ..

 

لقد كانت ( مريومة ) في هذا السن هي عبارة عن العينة أو النموذج الذي يقدمه الصانع لعملائه ، كأغراء لهم لطلب صنع هذا النموذج مع أبنائهم ..

 

والحقيقة يا صديقي أنني رأيت أسرا عديدة تقوم ببعض هذه الأنشطة في الغربة ، لكنها كانت تنظر إلى هذه المشروعات باعتبارها مصدر دخل في المقام الأول وقبل كل شيء ، وبالتالي ربما قاموا بهذه الأنشطة دون أن يوفروا لها الاهتمام الكافي لتحقيق النجاح ، وإحداث التغيير التربوي المطلوب ..

 

 لكن منال كانت تهتم .. كانت كأنها مقبلة على اختبار ، وكانت تحب أن تتقن عملها .. كما كانت لا تنسى البعد الرسالي فيما تقوم به من عمل ، وهي ترفع شعار :

أجر وأجرة ..

ثم هي تضع في يدي ما تتقاضاه من أجرة قليلة لا تتناسب مع ما تبذله من جهد كبير ، تضعها بين يدي لتكمل أجرها من الله خالصا من كل حظ للنفس ..

 

وقد حدث ذات مرة موقفا طريفا وإن كان محرجا بعض الشيء .. حيث كنا في زيارة بعض الأصدقاء ، وبعد فترة من الزمن سألت الزوجة منال :

-       بماذا تنادين زوجك ويناديك زوجك في البيت ؟

-       ودهشت منال للسؤال : ولعلها لم تجد إجابة

-       فسألتها الزوجة في شيء من استنكار خفيف : هل تنادي زوجك بكلمة حبيبي دائما حتى أمام ابنتك ؟

-       أجابتها منال بتلقائية .. تقريبا .. فنحن لا نتذكر أسماءنا إلا في وجود ضيوف مقيمون عندنا ، أما فيما عدا ذلك فنحن فعلا نتنادى ب حبيبي ، وحبيبتي ..

-       آه .. لذلك فإن مريم ابنتك .. تنادي كل من حولها من الأطفال بكلمة حبيبي .. وهذا ما لفت نظري فسألتك ، ولكن تكرار هذا الأمر أمام الأولاد أظن أنه غير مستساغ ؟؟

-       على العكس يا سيدتي .. أولا النبي صلى الله عليه وسلم .. علمنا إذا أحب أحدٌ أحدا .. أن يخبره ،      وليس عيبا أن نعود أبناءنا على جو الحب وأن نحيطهم به .. وأن نزرع داخلهم منذ الصغر أن الحب والتعبير عنه ليس عيبا ولا جريمة ..

 

 

أما أنا فقد كنت في الفترة التي حضرت منال فيها إلي بمكة ، مشغولا بإعداد بحث ، لم يكن بحثا عاديا ، ولكنه كان مشروع كتاب .. كنت قد أنفقت فيه كثيرا من الوقت والجهد والبحث والعمل المضني أحيانا والجاد أحيانا أخرى ..

 

كنت منذ طفولتي مولعا بالأعمال الكبيرة الرنانة ، فتمنيت منذ سن مبكرة أن أعمل في الصحافة وأن ألمع فيها وأن أصبح مثل هؤلاء الذين يحرص أبي على قراءة أعمدتهم اليومية بالصحف والمجلات .. وتمنيت كذلك أن أكون كاتبا مرموقا ، وحلمت بأن أكون خطيبا ثوريا مفوها وزعيما دينيا أو سياسيا أو اجتماعيا يشار إليه بالبنان ، وفي مرحلة شبابي المبكرة جاهدت هذه الأحلام اعتقادا مني أنها مبادئ جنون عظمة ..

 ربما أخرني بعض الشيء هذا الورع الكاذب ، بالإضافة إلى عدم امتلاكي لمواهب خاصة في التنظيم والإدارة ، وضعفي في ناحية العلاقات الاجتماعية .. كلها بعدت بي عن تبوأ الطريق الصحيح لأحلامي ..

وإن كنت قد غادرت مصر وأنا خطيب لا يمكنني أن أقول مفوها أو مرموقا ، وإنما مؤثرا ومجيدا في اللحظات التي أبدي فيها نوعا من الجدية والاهتمام ..

 

وكان من طبيعتي أنني أكتب لأحد .. لشخص ما ، حيث لم تكن هناك فرصة لعرض إنتاجي المتواضع وتجاربي الأولى على جماهير حقيقية ، فكنت أخص بعض الأصدقاء المقربين ببعض هذا النتاج ..

ولقد آنست في منال منذ فترة الخطبة نوعا من الصداقة والنضج أتاح لي أن أقدم لها عملا .. كانت فكرة قصة ، رواية مستوحاة من السيرة النبوية الشريفة ، وكنت قد كتبت مسودتها في كشكول كامل ، وقدمتها لها لقراءتها وإعطائي رأيا فيها ، وقرأتها منال غير أنها لم تستشعر فيها هذا التميز والألق المنتظر ..

لعلها كانت تجد في حديثي عن السيرة باللسان ما هو أكثر إثارة وتشويقا من إخضاع الأمر لمحاولة الكتابة ، فلم ألق منها التشجيع المنتظر .. ونسيت الأمر برمته ..

 

ولكن موضوع البحث الذي كنت بصدده كان قد ألح علي بفعل واقع معين في بداية إقامتي بمكة ..

وكان المتوفر معي وقت قدومها إلي مسودة فقط ، وكان من الطبيعي أن أعرضه عليها .. لكنها في هذه المرة وجدت ضالتها المنشودة ، فقد رأت فيما أنتجت من أفكار وصفحات ، ما يستحق الإطراء والتشجيع والمساندة ، فكنا نسهر معا الساعات الطوال ، نبحث ونراجع ، ونستخرج مما عندنا من المراجع البسيطة ما يخدم فكرتي .. بل كنت أترك لها المرجع كاملا ، وأترك لها فكرة الموضوع أو العنصر الذي أبحث عنه ، وأعود من العمل لأجدها قد قرأت الموضوع ، ووضعت الخطوط تحت السطور التي تخدم فكرتي ..

 

وتحولت منال منذ هذا العمل إلى سكرتيرة ومساعدة خاصة ، بكل ما في الكلمة من معنى ، فلم تكن تساعد زوجها تلك المساعدة العادية ، لكنها كانت تملك الثقافة الكاملة والمنهجية اللازمة ، والدقة المتناهية ، والتنظيم الدقيق ، لتنجز هذا العمل على أكمل وجه .. علاوة على ما كانت تغمرني به من مكافآت مبهجة كلما أنجزت انجازا محسوبا في هذا الكتاب ..

وكنت كلما حاولت أن أتطاول فأطلب موعدا مع أحد الأستاذة الأفاضل لأقدم له عملي المتواضع طالبا المشورة والنصيحة والتصويب والمراجعة ، وأجد الصد في هذا الاتجاه ، وكل ينظر إلي على أني مدعي ثقافة .. أو متوهم علم .. باعتباري على كل حال من الرويبضة ، أي من العوام الذين يتكلمون في جليل الشؤون ..

فقد كنت أعود إليها منكسرا أو غاضبا أو مستنفرا ، وكنت أجد فيها الصدر الدافئ الحنون ، وكان أهم ما تقدمه لي إعلانها الدائم بإيمانها المطلق بي .. فقد كانت تلح على أني أملك ما أقدمه ولذا فإن علي الصبر والمثابرة ومواصلة المسيرة بلا يأس حتى تحقيق الحلم ..

 

ولقد صرت منذ هذا الوقت حلمها وأملها ، ورهانها .. كانت تراهن على نجاحي وتنتظره بين لحظة وأخرى وتبشر به ..

 

لقد اكتشفت منال أن بداخلي نفسية فنان .. تلك النفسية المزاجية الحساسة .. نفسية مرهفة جدا ، وهي لذلك شديدة الحساسية ، عميقة التأثر بالمتغيرات ولو كانت بسيطة لا يشعر بها أحد من المحيطين بي ، نفسية كثيرة التقلب والانفعال .. وهي النفسية التي وصفها لي طبيب نفسي معالج وصديق في نفس الوقت قائلا :

 

-       نفسيتك يا عم عماد نفسية مزاجية .. ممكن التعبير عنها بالنفسية المودية .. فهي شديدة التقلب والانفعال ..

-       وهل هذه مشكلة كبيرة يا دكتور ؟

-        المشكلة الحقيقية في هذه الحالة ، أن التقلبات فيها تكون شديدة ومتباينة أو متفاوتة .. هي تكون أشبه بالذبذبات الكهربائية غير المنتظمة أو مثل التيار المتردد .. أحيانا تكون الانفعالات في حدها الأقصى ، وأحيانا تكون الانفعالات في خط مستقيم ثابت ، وأحيانا تكون الانفعالات أقل من المعتاد أو الطبيعي .. وأحيانا أخرى تصل بك شدة الحساسية والتأثر إلى درجة من درجات الاكتئاب ..

-        هل تريد أن تقول يا دكتور أنني لا أملك اتزان انفعالي ؟

-       حسنا .. حسنا ، لقد وضعت يدك على أقرب نقطة من الحالة .. أنت تملك اتزان عقلي و فكري بشكل جيد .. تريد أن تقيس كافة الأمور بمقياس واحد .. لكن هذا المقياس خاص بك ، فليس كل المحيطين بك من الناس لديهم نفس هذا المقياس المرهف ، ولذا فربما نطق أحدهم كلمة يراها تسعة وتسعون شخصا من كل مائة ، أنها كلمة عادية ومقبولة تماما لديهم .. أما أنت فتراها كلمة مؤذية ، أو جارحة ، فتهيج عندك انفعالات معينة ، أو تولد ردود فعل غير متوقعة ولا مفهومة لدى هؤلاء التسعة وتسعين شخصا الآخرين .. ما أقصده باتزان مقياس التفكير هنا .. أن هذه الكلمة التي أثارتك تأتي في إطار منظومة معينة من الأقوال والأفعال والأفكار المرفوضة لديك .. أي أنك تقيس الأمور بمقياس ثابت .. ولكنه مقياس مختلف عن الآخرين ، وهذا سر انفعالاتك الزائدة ..

-       سألته بلهفة : وهل هذه الحالة تعتبر حالة مرضية يا دكتور ؟

-       يا عزيزي هي أقرب ما تكون للمرض الاجتماعي ، أقرب منها للمرض النفسي ، وإن كانت تؤدي إليه ..

-       لغز ؟

-       لا .. ليس لغزا .. هي من الناحية الطبية ، لا يمكن اعتبارها مرض نفسي ، لكنها مرض اجتماعي يتوقف على مدى تقبل المجتمع المحيط بك لتلك الانفعالات الزائدة والحساسية المفرطة .. فإن تقبلها المجتمع بدرجة قبول معينة باعتبارك فنان مرهف الحس ، وليس باعتبارك مريض نفسي متقلب المزاج غريب الأطوار والأحوال ، في هذه الحالة يحدث توائم اجتماعي بينك وبين المجتمع ، ويحدث انسجام نفسي ، فتتغلب على آثار المشكلة .. دون أن تتغلب على أصلها وهي الحساسية المفرطة ذاتها ..

-       وإن لم يتقبلها المجتمع ؟

-       هنا عين المشكلة .. وهو غالبا ما يحدث أن لا يتقبل المجتمع هذه التقلبات الانفعالية والمزاجية ، ويشعر الشخص ( المودي ) أنه مرفوض اجتماعيا ، بالإضافة إلى حسه المرهف بطبيعته ، فيصاب الشخص بالانطواء فالانزواء وقد تتطور الحالة إلى اكتئاب نفسي  ، أي تتحول من مرض اجتماعي إلى مرض نفسي ..

-       ولكن الواقع يا دكتور أنني شديد لجم هذه الانفعالات الزائدة ، فانا أتعرض لكثير من الضغوط والمواقف المثيرة والمرهقة جدا لأعصابي ، لكنني أملك قدرة جيدة على التحكم في كبت هذه الانفعالات ..

-       ليس بالكامل يا عماد .. لا يمكن أن تكبتها بالكامل .. لا يستطيع أي شخص في العالم أن يفعل ذلك ، فإنك إما أن تختزنها ، فتظل تضع بعضها فوق بعض ، حتى تأتي لحظة الانفجار فجائية تماما ، على غير رغبة منك ولا ترتيب مسبق .. ومذهلة تماما للطرف الآخر الضاغط على أعصابك ، لأنه اعتاد منك على الاحتمال ، ثم يدهش حينما تثور ثورة عارمة على تصرف أو كلمة تافهة لا تذكر بجوار ما مضى ..

-       أنا أسميها يا دكتور القشة التي قسمت ظهر البعير ..

-       هذا تشبيه جيد .. القشة التي قسمت ظهر البعير .. وأنت فعلا كالجمل في تحملك أو كبت انفعالاتك ، ولكن هذا الجمل تقسم ظهره قشة لا وزن لها .. وهناك حقيقة أخرى إضافية يا عماد ، أنك لا تستطيع أيضا كبت مشاعرك هذه على الدوام ، ولكنك ترحلها ، فأنت مثلا تستجيب لضغوط المجتمع الخارجي وتكبت ولا ترد ، لكنك بمجرد عودتك إلى بيتك وأسرتك ، ومحيطك الشخصي ، فإنك تكون مستثارا للدرجة التي تجعلك تثور لأقل الأسباب احتمالا للثورة ، فتنفس بذلك عن الكبت الذي تعاني منه خارجيا ، ويحدث نوع من التعويض النفسي ..

-       وهل يوجد علاج يا دكتور ؟

-       في الحقيقة يوجد علاج كيماوي لمثل هذه الحالات ، ولكننا لا نلجأ له كثيرا مع من كان مثلك في تفهمك للحالة .. لأن هذا العلاج جيد من ناحية تنظيم الانفعالات ، أو تنظيم هرمونات الانفعالات .. لكنه من النوع الذي إذا اعتمدت عليه فلا يمكنك التخلص منه ويبقى دائما معك ..

-       إدمان ؟؟..

-       ليس على وجه الدقة ، ولكن قد يكون هذا هو التعريف الشائع للاعتماد على هذه العقاقير الكيماوية ..

-       والحلول البديلة غير الكيماوية يا دكتور ؟

-       عليك محاولة تنظيم انفعالاتك بقدر المستطاع .. عبر عن نفسك .. لا تكبت مشاعرك ، ولكن حاول أن تعبر عنها أولا بأول .. بشكل تلقائي ولكن بألطف العبارات الممكنة .. أما الحل الجذري والأهم ، هو تقبل المحيطين بك في المحيط الاجتماعي الضيق .. الأسرة ، وشلة الأصدقاء .. لهذه ( المودية ) في تصرفاتك وردود أفعالك ..

-       كيف يا دكتور ؟؟؟

-       إن مدى تقبلك لنفسك ، يتوقف على مدى تقبل القريبين منك لتلك الانفعالات وتقديرها ، وتقدير دوافعك .. ففي حالتك مثلا .. زوجتك هي التي تقرر متى تلجأ لاستخدام العقاقير الكيماوية ، وليس الطبيب ، ولا أنت ..

-       زوجتي !!!

-       نعم .. هذا يتوقف على كونها من أي نوع من أنواع الزوجات هي؟؟ .. وإلى أي مدى تستطيع أن تتعايش مع هذا التقلب المزاجي ، وفي النهاية إذا تحملت ذلك بتفهم ووعي وإدراك ، دون أن يشكل ذلك عبئا إضافيا على نفسيتها ، وإلا انقلب المرض النفسي إليها

-       عملية توازن بين الزوجين

-       بالضبط يا عماد .. عملية توازن بين صحتك النفسية وبين صحتها النفسية كذلك ، فإن حدث هذا التوازن .. فإنها بذلك تحمل عنك عبء اللجوء إلى العقاقير الكيماوية ، أما إن شكل هذا ضغطا على أعصابها ، فإن أحدكما إن عاجلا أم آجلا سيلجأ حتما إلى المهدئات ، وهو المصطلح الشائع لهذا النوع من الأدوية ..

-       جزاك الله خيرا يا دكتور ، ودعواتك لي بالثبات الانفعالي ، والله المستعان ..

 

وأخيرا ابتسم لي صديقي الطبيب ، وأنا أمد يدي له بالمصافحة في نهاية تلك الاستشارة النفسية قبل انصرافي ..

 

ولقد أوردت تلك الاستشارة بالكامل بقدر ما تسعفني الذاكرة ، وبقدر ما فهمت من رأي الطبيب ومصطلحاته الطبية التي استخدمها .. أوردتها لأقول :

 

أن منال أدركت هذه الحقيقة النفسية التي تتعامل معها ، رغم أنني لم أطلعها على تلك الاستشارة النفسية وعلى رأي الطبيب ، والحقيقة أنني لم أكن أخفي سرا على منال ، ولكن هذه الاستشارة النفسية كانت مؤخرا جدا من حيث الزمن ، بحيث كانت منال قد حسمت موقفها تماما في صف التعايش مع حساسيتي المفرطة ، وتقلب انفعالاتي ، باعتبار أنها تعيش مع فنان ، أو إنسان موهوب ، مؤمنة هي بموهبته إلى أقصى مدى ممكن ، وبالتالي هيأت نفسها لتقبل منه هذه الحساسية التي ترافق الموهبة عادة ..

 

لقد تحملت منال هذه الضغوط النفسية دون أن تلجأ إلى استشارة طبيب ، أو تثير مشكلة اجتماعية بيني وبينها ، أو تلجأ إلى صديق أو قريب تشكو إليه من تلك الانفعالات .. فلم يحدث ولو مرة واحدة طيلة عشرة دامت اثني عشر عاما ، أن اشتكت من موقف ما إلا إليَ أنا نفسي باعتباري الصديق والأب والشقيق ..

 

وكانت قد عاهدتني وعاهدتها أن مشاكلنا وخلافاتنا الزوجية .. هي أسرارنا الخاصة .. وقد تعاملنا مع هذه المشكلات على أنها مقدسة قدسية العلاقات الزوجية الخاصة ، وكان لذلك حادثة أو موقف في غاية الطرافة والرقة ..

 

 فقد سمعنا من أحد الدعاة وهو يروي عن قصة خلاف حدث بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وبين زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد مر ليلا على علي وفاطمة يتفقدهما ، فلم يجد ( علي ) في البيت في وقت لم يكن يخرج فيه ، وشعر بوجود خلاف فسأل ابنته فاطمة ما الذي أغضب ( علي ) ؟

فأجابت فاطمة : والله ما كنت أفشي سر زوجي ( علي )، ولو إلى أبي رسول الله ..

فمضى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وقد أدرك أن ( عليا ) به ، وهناك وجده نائما على التراب ، فكناه بأبي تراب ، وقال له : قم أبا تراب ..

ثم سأله عما أغضبه ، فأجابه ( علي ) : والله ما كنت أفشي سر زوجتي ( فاطمة ) ولو كان إلى صهري رسول الله ..