وكان مما حدث في تلك الفترة أمورا هامة تتصل بعمل كل منا ، ولم تكن ليتم اكتشافها والتعامل معها بهذه الطريقة ، لولا علاقة الصداقة والثقة المتبادلة بيننا .. كانت هناك أزمة ما تتزايد داخل المدرسة الخاصة المرموقة التي تعمل بها منال ، ولقد كانت تلك الأزمة تتعقد وتتفاقم منذ سنوات ، ولم يكن يدري بها المسؤولين ، فكان يتم استبعاد أو فصل نوع من المدرسات اللائي كن يرفضن أو يعارضن نوع محدد من الأخطاء والتجاوزات ، وكانت نتائج المدرسة المبهرة ، وسمعتها الرائعة ، وريادتها بين المدارس الخاصة الأخرى ، ما يكفي للمدارة على أي عيب أو خطأ ، وإلى اتهام أي طرف معارض للإدارة الناجحة التي تنتقل من تميز إلى تميز .. بأن هذا الطرف مخطأ أو مغرض أو على الأقل غير متعاون .. حتى كان العام الذي التحقت فيه منال بالعمل في المدرسة ، ورأت بنفسها بوادر تلك التجاوزات والأخطاء .. وبدأت تشرح لي الأمر ، وقد كان في بدايته لا يعدو أن يكون أمورا بسيطة يمكن تداركها ، لكنها مع الإصرار أصبحت تكشف عن خفايا أكثر خطورة ، وسهرنا معا نناقش هذه الأمور ليال عدة ، حتى قررنا مواجهة تلك الأخطاء ، وعدم الاكتفاء بالانزواء وترك العمل .. أو مسايرة الأمر وقبوله على علاته .. وألححت أنا على المسؤولين للعمل على كشف التجاوزات ، وقدمت المذكرة تلو الأخرى بما تمدني به منال من وقائع صغيرة تكبر بإضافة بعضها بجوار بعض .. وكثرت مشكلات منال مع الإدارة بالمدرسة ، حتى وصلنا في النهاية إلى المفصل .. إما التعامي عن الأخطاء ، وسحب الشكاوى ، وإما التعرض للتحقيق والمضايقة .. وقدمت منال استقالتها ، لا لتهرب وإنما لتواصل مواجهة الإدارة عبر المسؤولين ، ومن خلال اتصالي الدائم بهم .. وبعد فترة ضاغطة صعبة ، فقدت فيها زوجتي وظيفتها ، وتعرضت لضغوط أمها ، كما كانت تتعرض لنقد لاذع من زميلاتها ، وروجت إدارة المدرسة حولنا شائعات من النوع المؤذي .. ولكننا واجهنا ذلك كله بالصبر والإصرار على الحق .. وأخيرا تحرك المسؤولون ، وكثفوا من بحثهم ووضعوا أيديهم على المخالفات التي كانت أكبر بكثير مما نظن ، وتم تنحية الإدارة بالكامل ، وتولية إدارة جديدة أمر المدرسة .. وخرجنا من هذه المواجهة التي بدت غير متكافئة القوة والإمكانيات ، خرجنا منها بدروس كثيرة ، وأمدتنا بصلابة في قادم حياتنا .. وذات مرة وأثناء خروجنا الشرعي المصرح به من الأهل ، اقترحت على منال أن نذهب إلى تلك القرية التي فيها شريكي في التجارة ، لتزور زوجته والتي تزوجها منذ أشهر قليلة .. وتتفقد أحوالها .. وأن أجلس أنا معه في محل التجارة أو بيت عائلته .. كما يشاء .. ولقد كانت الزيارة عادية تماما ، حتى جاء موعد انصرافنا ، وانصرفت أنا ومنال ، فإذا بها تفاجئني بأمور مذهلة .. كانت زوجة صديقي من النساء المحترمات الصادقات ، واشتكت .. اشتكت لزوجتي مر الشكوى من سلوك صديقي وشريكي الذي هو زوجها ، وتصرفاته ، وكيف أنه تحول إلى محتال يحتال على الناس .. ولقد مكني هذا الاكتشاف المذهل تماما .. وقد كان اكتشافا في محله تماما ، أن أسترد أغلب نقودي بعد مواجهات حامية مع شريكي ، وإلحاح من جانب ومماطلة كبيرة من جانب ، وبعد عقد الكثير من مجالس الصلح ، ووساطة كبراء القرية ، وتدخل هنا وهناك ، حتى عاد إلي أغلب حقي .. وقد كان ذلك بفضل الله علي ثم ببركة زيارة منال لتلك الزوجة المسكينة المغرر بها .. أما أنا فقد غفرت لصديقي هذا ما كان من محاولته الغدر ، وسامحته ملء قلبي .. لقد كان صديقي وشريكي هذا يا صاحبي ، هو صاحب السجن وشريك الفراش الخشن المشترك ، وشقيق رتيبة ومنال ، وهو الذي زرع في قلبي بدايات قصتنا كلها .. ولذا فقد سامحته ، ومازلت لا أذكره إلا بالخير ، ولا أجد في نفسي منه سوى شيء واحد ، وهو شفقتي على زوجته التي غرر بها .. ومن الأمور المبهجة كذلك في فترة العقد ، أن تجربتنا بدأت تثمر ، لقد بدأ عصام يقتنع بضرورة الخطبة ، وهو يرى حبنا يترعرع تحت النور ، وفي كنف الأهل ومباركتهم ، وبدأ قلبه يخفق ، لم يكن قد اختار فتاة بعينها ، ولكن لماذا لا يعيد التجربة ، ولكن هذه المرة يضع هو نفسه مكان عماد الذي رفض ظروفه من قبل ، ولقد كانت هذه من بشائر ثورتنا الاجتماعية ، كما كنت أسميها أنا ومنال تندرا وتفكها !! وبالفعل ، بدأ عصام يبحث عن زوجة ، وبدأت منال تبحث له من بين صديقاتها الكثر ، ثم أوصى بعض أصدقاءه ، وأخيرا وجدها .. وحضرنا حفل خطبته على فتاة فاضلة من أسرة كريمة ، هب الأخرى تقدر الرجال ، ولا تقيم أكبر وزن للاعتبارات المادية .. وكان عصام قد تلقى عقد عمل للعمل بالسعودية في مدينة الرياض ، وتحدد سفره بعد حفل خطبته بشهر تقريبا ، وسافر ، وقد ترك ورائه ذكرى تذكرنا به وبليالي السهاد الطويلة .. لقد ترك وصاياه لأمه بتكثيف الرقابة علينا .. لقد توطدت الصداقة بيني وبين منال حتى صارت صداقة كاملة ، من هذا النوع الذي يصبح فيه الصديقان شريكين في كل شيء ، ومتعاونين على الحلوة والمرة ، وعلى كل ظرف وحال .. كنت وقتها قد التحقت بوظيفة جيدة في عمل إداري بنقابة مهنية .. وكان المفترض أن نبدأ معا البحث في كيفية إعداد شقة الزوجية ، تمهيدا للزفاف .. وكما كنا قد تعودنا على وجودنا معا دائما ، إلا أن هذا التواجد وهذا الإشباع النفسي الدائم لم يكن يترك لنا فراغا للتفكير فيما بعد هذه المرحلة .. مرحلة العقد وتوهج العاطفة كانت مشبعة تماما .. صحيح أنها لم تكن تخلو من منغصات ، لاسيما من مثل تدخلات الأهل ، لكنها رغم ذلك كانت أياما حلوة المذاق .. كانت سعادة حقيقية خالية من المسؤوليات ، ولم نكن ممن نهرب من المسؤوليات ، لكننا كنا نرجئ التفكير فيها إلى أجل قريب .. اقترب موعد يوم ميلاد منال ، مؤذنا بمرور عام على ميلاد حبنا معا .. وكنت مرتبطا بعمل يقتضي مني السفر وقضاء عدة أيام بعيدا عن مدينتنا ، واتصلت بها تليفونيا ، وقدمت موعد زيارتي لها لليوم السابق لتاريخ ميلادها معتذرا بالسفر في اليوم التالي ، ولم يكن هناك مانع من جهتها من أحضر إليها في أي يوم أشاء ، على أن تتحمل هي في سبيل هذه الحرية التي تعطيني إياها ، بعض المنغصات والمتاعب من أسرتها ، خاصة ما يتعلق بمراعاة شعور شقيقتها التي لم تخطب بعد .. وذهبت إليها في هذا اليوم مبكرا ، لأقضي معها أطول فترة ممكنة من الوقت .. واستقبلني شقيقها هاني .. ثم والدتها ، وتأخرت منال في الظهور بعض الشيء .. وليتها تأخرت دقائق أخرى ، كان هاني يستعد للنزول لموعد عنده ، وأقبلت منال تتألق فتنة ، كانت كما لم أرها من قبل ، في ثوب حريري جديد مصنوع بطريقة فاتنة تماما ، كان الثوب مصنوع من قماش أهدتها لها أمي ، وكان وجهها يتألق جمالا وبشرا .. وكان مظهرها شهيا تماما .. ونظر إليها هاني نظرة غيظ ثم استأذن وأغلق الباب خلفه في هدوء .. كانت منال تبدو لي كما لم أرها من قبل رغم مرور شهرين على عقد الزواج ، قد كانت فتنتها طاغية ، وهي تشعر بتأثير ذلك علي ، مما جعلني أضاعف من حرصي وحذري ، لأستطيع أن أتمالك نفسي .. بالطبع أطريتها على هذا الجمال الفاتن ، ونوهت عن إعجابي الكبير بطراز الثوب الجديد .. وكانت ابتسامتها الواسعة أجمل ما يزين وجهها الراضي .. بعد لحظات فتح باب الغرفة فجأة وبعنف وأقبلت أمها ودخلت علينا دون استئذان ، وكنا ولله الحمد في وضع محترم تماما ، ونظرت إلى أمها في دهشة ، كان وجهها ينبئ بثورة غضب ، ونظرت الأم إلى ابنتها بقسوة شديدة ، ثم صاحت فيها بانفعال شديد أن تذهب فتغير هذه الثوب .. ونظرت إلى حبيبتي ، فإذا بالألم يرتسم عليها ، باديا من تقلصات وجهها ، وشعرت بما يعتمل في نفسها .. لقد كان فعل الأم بمثابة ( كرسي في الكلوب ) أطفأت على أثره كل فوانيس الفرح في نفسها ، وأظلمت الدنيا على صفحات قلبها ، وشعرت بالإهانة ، والظلم وأشياء أخر .. وكان بوسع الأم ، لو أن ما بدا في سلوك ابنتها أو تصرفها أو حتى ملابسها أي شيء خارج عن حدود العرف ، كان في استطاعتها أن تتصرف أفضل من هذا بكثير .. فكان بوسعها أن تطرق الباب للاستئذان ، ثم تستدعيها ، ثم تلفت نظرها إلى ما لا يعجبها في ذلك كله .. دون أن تجرح مشاعرها أمامي بهذه الطريقة الفظة المهينة .. ودون أن تقتل فيها كل هذه الأحاسيس .. ومرت لحظة مشحونة مؤلمة كانت كفيلة بالانفجار من كلا الطرفين ، وحاولت أن أنقذ الموقف ، فهمست في أذن حبيبتي ، بصوت رقيق ، ولكنه مسموع للأم بوضوح : استجيبي لطلب ماما يا منال ، واذهبي فغيري هذا الثوب .. ونظرت إلي منال والدموع تتحجر في عينيها ، وأجبتها بلغة العيون أن تذهب ، ثم ليكن لنا حديث فيما بعد .. وخرجت منال مدة من الوقت ، وكانت الأم قد انصرفت خلفها .. دون أي اعتذار منها أو تعقيب مني .. وعادت منال بثوب مختلف ، وعينين حمراوين .. وبذلت ما في وسعي هذه الأمسية كي أسري عنها ، فلم يكن في نفسي شيء من النقمة أو الحسرة على ما كان ممكن أن أتمتع به من مباهج ، لأن مباهجنا كانت كلها تنبع من الحب ، ومادام القلب موجود ، فلا ضير من أي شيء آخر .. كان المهم عندي هو قلب منال .. وسعيت أن أخفف عنها ، وقد شعرت هي بذلك ، وشكرت لي .. وكان الذي يثير دهشتها أنها مرت على أمها بثوبها ومنظرها هذا قبل أن تدخل إلي .. وأن ذلك كان بمثابة ( بروفة ) واستئذان صامت ، وفي نفس الوقت لم يكن في الثوب رغم جمالها وفتنتها به ، ما يعيب ، فلا هو عاري ، ولا هو يصف جسدها ، كل ما في الأمر أن نعومة قماشه وألوانه ، كانت تتناغم مع طبيعتها !!! ولقد كانت آلاف الفتيات يرتدين مثله ، بل أقصر منه ، وأكثرا كشفا عن مفاتنهن ، ويتجولن به في شوارع المدينة ويذهبن به إلى الكليات والأعمال ، تقع عليهن عيون كل من هب ودب ، دون أن ينكر عليهن ، سوى المتزمتين من أمثالي !! وكنت أنا أدرك السبب الذي غير موقف أمها خلال أقل من عشرة دقائق ، فلم تكن الأم نائمة ولا مغمضة العين حينما مرت بها ابنتها وحدثتها ، ولكنها كانت تعلم أن منظر ابنتها في المجمل في حدود المتعارف أن تقابل به زوجة زوجها في فترة العقد .. لكن الذي جد هو أن الذي استأذن منا لم يهبط الدرج مباشرة إلى موعده ، ولكنه عرج على أمه أولا .. كنت أحاول أن أداعب منال بعد عودتها إلي ، وكان مما ذكرته لها حتى أخفف حدة وجدها على أمها : - حسنا فعلت ماما ، فإنني لم أدرِ كيف كنت سأمسك نفسي وأصبر أمام فتنتك الطاغية التي ظهرت بها ، والحمد لله أن بدلت هذا الثوب الذي كان سيمثل لي إغواء لا قدرة لي على رده .. - وابتسمت أخيرا .. وسألتني : وماذا كان بإمكانك أن تفعل ؟ - وذكرت لها كاذبا ، لأخيفها من تكرار مثل هذه التجربة : أنني ربما تهورت .. وفقدت صوابي .. ولم أكن صادقا فيما أقول ، ولم أكن أخوفها من تكرار التجربة ، إلا حفاظا على كرامتها ونفسيتها ، من تكرار هذه التصرفات الرعناء من أهلها .. وأدركت بعد هذا الموقف حقائق عن تلك الأسرة ، لم تكن منال قد روتها لي بعد .. وعرفت أن الفتاة تعاني ، وعذرتها .. عذرتها كل العذر في كل ما كانت تبديه نحوي طيلة فترة الخطبة من صمت وتحفظ وتوجس ، لم تكن منال خائفة مني ، ولكنها كانت خائفة منهم .. مثل تلك المواقف فقط ، هي التي كانت تجعلني أعجل في التفكير بإتمام الزفاف ، كنت أشعر وقتها ، أن علي واجب استنقاذ هذه الروح الطيبة من تلك البيئة الخشنة .. كانت وردة جميلة ندية ، فواحة الشذا عطرة العبير ، جذابة المنظر ، رقيقة رقة قطرات الندى التي تتساقط على وريقاتها الوردية الناعمة ، تخلب اللب ، وحولها أشواك طويلة حادة !! وكنت أحمد لهذه الأشواك التي حولها حدتها وقوتها ، لأنها حفظت لي الوردة البهية ، دون أن يقترب منها متطفل .. لكن الأشواك الحادة قد تجاوزت دورها في حماية الوردة إلى إيذائها وجرحها هي نفسها .. وأصبح واجبا علي إنقاذ الوردة من الإيذاء .. ولم أكن أشعر بلهفة على إتمام الزفاف إلا لهذا السبب وحده .. لقد كنت حقيقة أعيش أنا ومنال أحلى أيام عمرنا في فترة العقد ، ولم يخطر ببالنا أبدا ، أن نتجاوز حدود العرف الاجتماعي ، وكنت وأنا الزوج العاشق ، أحرص ما أكون على صون كرامة منال من أي ابتذال ، وسمعتها من أي لسان ، وكانت هي تدرك ذلك ، أدركته من مواقف كثيرة كان يمكن للمرء فيها التمادي ، ثم التعلل بعد ذلك بأن ما حدث كان خطأ غير مقصود وخارج عن الإرادة والسيطرة ، لكننا لم نكن نفعل .. كما أنها رغم إدراكها التام لهذه الصفة عني ، فإنها كانت تضاعف الحرص والاحتراز ، فقد رفضت عدة مرات أن تصطحبني لزيارة شقتنا للاتفاق على بعض التغييرات بها ، وكنت أدعوها أحيانا لهذه الزيارة نهارا وأنا صائم .. فترفض ، وكنت أقسم لها أنني صائم ، وأنني لن ألمسها ، فكانت تجيب ضاحكة : الصائم المتطوع أمير نفسه .. كانت تخاف على نفسها وعلي من نفسها ، قبل أن تخاف علينا من نفسي .. ولقد تمتعنا بكل متعة مباحة جائزة في زمن العقد ، لكننا لم نخطأ أو نتجاوز .. لقد كانت هي من النوع الذي لا يسمح بالتجاوز .. وكنت أنا من النوع الذي لا يحب حرق المفاجآت ، ولا يتلهف على قطف الثمرة قبل أوانها ، ولو بدت شهية ناضجة .. فلو أنا فعلت هذا فماذا أبقي لليلة العمر ؟؟؟ لابد أن يكون كل شيء بأوان ، لأن الذي يأتي في أوانه يكون جميلا ناضجا ، يشعرك بالأمن ، وتشعر معه بلذات مختلفة منها لذة العبادة والشكر لواهب النعمة .. أما الذي يقتطفها قبل أوانها فإنه يشعر مع لذة المتعة ، حسرة المعصية .. وشتان بين لذة ومتعة وأمن وطاعة ، وبين لذة تخالطها حسرة ويعقبها ندم .. وإني لأعجب كل العجب ، من الأهل الذين يعارضون الملك فترة طويلة ، بكل ما يمكنهم معارضته من قوة ، ثم فجأة ينقلبون إلى ملكيين أكثر من الملك نفسه .. إن هؤلاء الأهل أنفسهم هم الذين اتهموا منال بالأمس القريب : بالتزمت ، والتشدد ، وحاولوا أن يخلعوا عنها خمارها ، يكفيها طرحة صغيرة تعلن بها عن تدينها ، فواجهتهم بارتداء النقاب ، ليكون أشد صونا لها ، وهنا ثارت ثائرتهم حتى كادوا يطردونها من البيت ، ولقد عانى شقيقها عصام ، معاناة شديدة معهم وهو يتبنى موقف منال بالكامل .. حتى ترك لهم المنزل وأقام عند صديق لنا ، كان من الأرياف وكان قد استأجر شقة في مدينتنا بجوار الجامعة ، فأقام عصام عنده فترة من الزمن حتى يصفي ما بينه وبين أسرته من خلافات .. وكان هؤلاء الأهل نفسهم هم الذين ينتقدون على مجتمع المتدينين تلك القيود التي يفرضونها على أنفسهم ، فما المانع من أن تصافح الفتاة ابن عمها وابن عمتها ، وابن خالها وابن خالتها ، وأن تضع كفها في كفه ، وأن تخرج إليهم إذا كانوا في زيارة في زي محتشم ، ولكنه ليس كزي الخروج من المنزل ؟.. وأن يجلس الخاطب بجوار خطيبته ليلة الاحتفال بالخطبة ، وأن يلبسها الشبكة بيديه ، وأن تظهر أمامه في هذه الليلة السعيدة بلا حجاب ، وأن يراها الأهل والأصدقاء جميعا ، وتلتقط لهم الصور التذكارية ، وما الغضاضة في أن يخرج معها طالما أنهما في فترة الخطبة !! ثم فجأة عندما يأنس الأهل من أبنائهم رشدا ، وترفعا ، والتزاما بضوابط هي أشد قيدا من ضوابط وأعراف المجتمع ، إذا بهم ينقلبون إلى النقيض ، فيحرمون ما أحل الله باسم التقاليد ، ولست أدري أي تقاليد تلك التي كانت تحكم مدينتنا في هذا الزمن القريب ؟ لم يكن من التقاليد ، ولم يكن من العرف هذا التعنت التي كانت تواجه به منال بين أسرتها .. اللهم إنهم تصوروا الغلو في الدين من جانبهم تدينا ، بعدما كان الاعتدال من جانب ابنتهم تزمتا وتطرفا !! أخيرا وبعد طول انتظار ، جاءني عقد التثبيت في الوظيفة التي شغلتها منذ شهور قريبة .. كنت يومها في الإدارة العامة في القاهرة ، وقد أعطاني المدير المسؤول نسخة من العقد وكشفا بالمستندات الرسمية والصور المطلوبة ، وطلب مني دراسة الأمر ، على أن أوافيه بهذه الطلبات في المرة القادمة إن أردت أن أحول عملي إلى عقد دائم .. كنت سعيد بهذا التطور المفاجئ الذي لم أسعَ إليه ، لأنني لم أكن أعرف سبل السعي إليه ، لقد أصبح لي منذ اليوم ، وظيفة ثابتة ، بمرتب بسيط ، لكنه على العموم أعلى من مرتبات خريجي الجامعة بالوظائف الحكومية .. وأنه بجوار ما أفكر فيه من مشروع يمكن أن تسير الحياة .. وأن أوان اقتطاف الوردة الندية من بين الأشواك قد اقترب أو حان .. هكذا كنت أفكر وأنا في طريق العودة إلى مدينتنا ، وأتذكر أنني عدت إلى بيتنا سعيدا فلم أجد أحدا من الأهل ، إذ كانوا يقضون بعض الزيارات ، فنزلت من البيت مرة أخرى لأتصل بمنال ، ولم يكن ببيت أسرتي هاتفا إلى ذلك الوقت ، واتصلت بها أبشرها بعقد العمل ، ووجدتها على الطرف الآخر مكدودة حزينة ، فقد كنت عزفت عن زيارتهم في منزلهم منذ فترة ، بدت لها طويلة شاقة ، وإن كانت لم تتجاوز الأسبوعين .. كان ذلك احتجاجا على ممارسات أهلها معنا .. ورجتني منال على الهاتف أن أنهي هذه القطيعة .. رغم أنني لم أكن مقاطعها ، لقد استمرت علاقتنا كما هي نتقابل بشكل شبه يومي ، وأنا أصحبها في الذهاب إلى دروسها وقضاء شؤونها ، لكنها كانت ترى في هذه اللقاءات ، الصداقة ولا تجد فيها الحب .. .. وقلت لمنال : إننا نلتقي ، وأن شوقي إليك أكثر بكثير من شوقك إلي ، ولكنني أتجمل بالصبر الجميل ، منعا لإحراجك من أهلك في كل مرة نلتقي فيها .. لكن منال قالت لي : أنا متعبة جدا بدونك .. وإن أمي تريد أن تحادثك ، وأن تعتذر لك إن لزم الأمر .. ثم أعطت السماعة لوالدتها : فسألتني الأم وقد أدركت أخيرا الحالة النفسية التي تعانيها ابنتها ، ومدى تأثيرها على صحتها العامة ، سألتني: - لماذا لا تأتي يا بني هذه الأيام ؟ - فقلت لها بهدوء وأدب : شعرت أن الأسرة لا ترحب بزياراتي ، فقررت أن أقلل منها .. - صرخت المرأة مذعورة وهي تقول : من قال لك هذا الكلام ؟ .. أهلا بك في أي وقت .. البيت بيتك يا عماد .. إنك كنت دائم الزيارة حتى قبل أن تعرف منال ، ألم يكن عصام صديقك وأخاك وحبيبك ؟ وأمام هذا الأسلوب اللطيف من الأم ، لم أجد بدا من الاستجابة ، وقلت لها سوف أحضر الآن ولكن لي طلب .. - : اطلب يا بني .. - أن أقابل حضرتك على انفراد أولا .. إني أريد أن أتحدث معك .. - قالت الأم في دهشة : معي أنا ؟ - نعم - تفضل يا بني أنا تحت أمرك .. شكرتها ، ووضعت السماعة ، ودفعت الحساب .. ثم مضيت في الطريق إليهم ، لم أكن قد أعددت لهذه المواجهة ، وفي هذا التوقيت ، غير أن صوت منال وحالتها ، كانا يحسمان الأمر ، فأنا أتحمل من أجلها ، وليس من المنطق ، أن أعرضها لضغوط أكثر مما تحتمل .. ووصلت إلى المنزل ، واستقبلتني الأم وابنتها ، ثم استأذنت أنا من منال طالبا منها الانفراد بالأم بعض الوقت ، فانصرفت .. وبدأتني الأم : - خير يا بني ؟ كانت الأم قد تكسرت حصونها تماما .. لقد أججت عاطفة الأمومة فيها حالة منال الصحية .. ووجدت الفرصة سانحة ، فحدثتها حديثا أذهلها ، وأخافها تماما : - هل أنت واثقة في ابنتك أم لا ؟ - كل الثقة بالطبع يا ولدي .. - ليست هذه هي الحقيقة ، لو كنت تثقين فيها ، لما ضيقت عليها كل هذا التضييق .. أنا لم أقل لكم أنكم أعطيتم ابنتكم لشخص لا تثقون به .. لعلكم لا تعرفوني جيدا بعد .. لكني أقول .. كيف لا تثقين في ابنتك .. وتريدين مني أنا الذي لم أعرفها إلا من عام واحد أن أثق بها ؟ خافت الأم وتوترت ، وترددت ، وتلعثمت الحروف على شفتيها .. وأخيرا وجدت صوتها لتقول : - الأمر يا بني ليس كما تقول ، ولكن هم قالوا أن الدين يحرم هذا ويحلل هذا .. - ونظرت إليها متحديا وأنا أسألها : من هم الذين قالوا ؟ - قالت وما زالت نبرة القلق في صوتها : أخوتها .. - فقلت في حزم : إنهم يحرمون بأهوائهم ، وهم ليسوا أكثر تدينا مني ، ولا من أختهم ، ولو سألتني عن رأي الدين في مسألة من هذه المسائل ، لأجبتك ، وأعطيتك أيضا الكتب التي تقول ذلك ، ونص الفتوى .. اعتذرت الأم متعللة بأنها لا تعرف سوى ما تسمعه من أبنائها .. فطلبت منها بأدب لكن بحسم أيضا : أن تخفف حدتها مع منال ، فهي أهل لثقتهم ، وهي أهل لثقتي ، وإلا شعرت أنها غير جديرة بثقتي فيها .. وهزت الأم رأسها موافقة ، ثم نهضت ، وهي تشير إلى أنها ستحضر لي منال .. أقبلت منال وعاتبتني على غيبتي ، واعتذرت لها بأنها أغلى عندي من أعرضها لأي متاعب .. ولكني أفعل ذلك من أجلها هي .. واحتفلنا بالحصول على عقد العمل .. عدت إلى بيتنا في نفس الليلة لأجد أبي يستقبلني بابتسامة بشر ، ويبرز لي خطابا وصله اليوم من السعودية ، من أحد أقاربنا المقربين يعمل هناك .. وكنت أنا وأبي ندرك تقريبا فحوى الخطاب ، فقد كان مسجلا ، وثقيلا إلى حد ما .. وفتح أبي الخطاب أمامي ، ووجد فيه ما يتوقعه ، عقد عمل لي بالسعودية .. واتسعت ابتسامتي ، وأنا أبرز لأبي ، عقد العمل بالنقابة .. وضحك الأب ونحن نردد معا المثل القائل : ( عندما يسعد الفقي ) كان الأمر محسوما لصالح مكة المكرمة .. مهوى القلوب والأفئدة ، ومحط الأنظار ، وقبلة المسلمين .. لم تكن الأجواء العامة التي جعلتني أبحث عن العمل بالخارج ، قد اختفت نهائيا ، وإنما كانت قد خفت حدتها ، وكانت الموازنة بين كل من الأمرين ، تحسم الموضوع في نفسي .. كان هذا اليوم الذي لن يضيع من ذاكرتي ، حيث تحققت لي فيه ثلاث أمنيات دفعة واحدة ، هو يوم السابع من نوفمبر .. في اليوم التالي ، كنت مع منال أبشرها بالأخبار الجديدة ، قلت لها والبشر يطفر من وجهي : - ما رأيك يا حاجة منال : هل تريدين أن تحجي العام القادم ؟ - ونظرت إلي منال لا تفهم ماذا أقصد ! - وأعدت عليها السؤال ، فقالت : يا ليتني أحج ، ولكن كيف ولماذا ؟ - لأننا سنقيم قريبا جدا في مكة المكرمة .. - واتسعت دهشتها ، وظلت صامتة بعض لحظات حتى استجمعت أفكارها ، وقالت : أتقول صدقا ؟ - نعم يا روح قلبي .. أقول صدقا .. - قالت وهي تنغم الكلمات كأنها تغني : إذن فقد أرسل لك قريبك عمو فلان العقد ؟! - وقلت ضاحكا من فرحتها الطفولية : إذن فقد أرسل لي عمو فلان العقد .. - داهمها وجوم مفاجئ وهي تسأل : والعمل بالنقابة ؟ - لنا مطلق الحرية نختار هذا أو ذاك .. - قالت بعد تفكير عميق : ولكن هذا معناه أننا سنفترق مدة من الزمن ؟ - وأجبتها بثقة : فترة قليلة جدا لن تطول ، ريثما أجهز شقة الزوجية بمكة .. - ولمعت عيناها بالدموع ، وهي تقول : إذن سنفترق ؟ - قلت لها مطمئنا : بالعكس يا حبيبتي ، فإن ميزة هذا العقد أنه سيعجل بزفافنا .. سنفترق فترة وجيزة جدا ، حتى نظل معا إلى الأبد .. - وعادت تقول بصوت مشحون بالأسى : ولكن لابد من الفراق - لن نشعر بالفراق سأكتب لك كل يوم رسالة ، وأنت ؟ - أنا لا أفهم سوى أنني لا أطيق الافتراق عنك .. كان حزنها حقيقيا ، وكانت عاطفتها جياشة صادقة ، ولم أملك إلا أن أطوقها بذراعي وأنا أهتف لها : ولا أنا أطيق يا حبيبتي أن أبتعد عنك لحظة واحدة .. لكنها أقدار الله .. والحقيقة يا منال أنه إما السفر الذي يعني التعجيل بالزفاف ، وإما بقاء أمرنا هكذا معلقا إلى أجل غير مسمى .. وأطرقت منال إلى الأرض ولم تجب .. لم أساومها هذه المرة على البشرى مقابل الثمن ، لقد كان الثمن الذي أطلبه أكبر بكثير ، ولقد كان جوها كذلك حزينا بعض الشيء ، ولقد اتفقنا .. اتفقنا أن يكون زواجنا بعد شهر بالتمام والكمال .. لقد كان يوم الثامن من ديسمبر هو يوم خميس ، وهو يوم مناسب تماما للعرس ، كما أن منال قالت : بعد هذا التاريخ سيكون صعب الزفاف ، لأسباب خاصة بي .. كان اليوم الذي حددناه معا بعد شهر واحد ، ولم أكن قد دققت مسمارا واحدا في ترميم الشقة ، ولم نكن قد تحدثنا في أي أمر من أمور الزواج منذ العقد حتى يومنا هذا ، لكننا حسمنا أمرنا وصممنا على موقفنا .. قامت الدنيا ولم تقعد علينا .. وكان الأهل في كلا الطرفين يرفضون مبدأ التسرع .. وكان الوقت ضيقا .. ضيقا جدا ، ولم نكن نبالي بأي شيء مما حولنا .. كنا اتفقنا سويا ، أنه لا سفر ولا غربة ، ولا فراق بغير زواج .. الزواج أولا في مقابل ما سنلاقيه بعد ذلك من أهوال البعاد والضنى .. ولكل شيء ثمن .. وقفت منال هذه المرة وقفة جريئة حازمة ، لا كتلك الوقفة القوية التي وقفتها قبيل عقد الزواج ، وإنما كانت وقفتها هذه المرة مسألة حياة أو موت .. ولا أخفي عليك يا صديقي : أنهم جميعا قد ظنوا بنا الظنون ، ولم يكن شيئا مما يدور في أذهانهم قد حدث ، ولكن إصرارنا العجيب جعل الشك يتسرب إلى صدورهم .. إنني مازلت أذكر جيدا النظرة التي حدجتني بها جدتي ، يوم ذهبت أخبرها بموعد زفافنا .. لقد نظرت إلي نظرة ملؤها الشك والدهشة .. وحزنت لأنني ربما أكون قد عرضت منال لمثل هذه الظنون القاسية .. لكنها كانت معركتنا معا .. قد كان اختيارنا ليوم الثامن من ديسمبر مصيريا تماما بالنسبة لنا ، فهو يحين بعد شهر من تاريخ اتفاقنا ، وهو بالنسبة لنا كان يوم الاحتفال بكل الثوار الأحرار في العالم ، لقد كان يوم ميلاد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام وأنا إذ أركز لك على هذا التاريخ يا صديقي ، فذلك لأنك يجب أن تتذكره طويلا .. واضطررنا أمام الضغوط الهائلة من قبل الأهل ، أن نؤجل موعد زفافنا أسبوعا ، وأن نتخلى كذلك عن أي مساعدات كانت ستقدم لنا في تجهيز شقة الزوجية .. تنازلنا عن كل شيء في مقابل أن نصبح معا .. وقررنا جميعا بالاتفاق مع الأهل .. أن تكون فترة زواجنا التي لن تزيد عن شهرين قبل السفر .. ستكون كأنها في شقة مفروشة ، سيتم إعداد الشقة كما اتفق بما يفيض عن حاجة الأسرتين ، لنقضي فيها شهرين ، ثم أسافر فأدعو زوجتي للحاق بي ، ثم عندما يأذن الله لنا بالعودة ، فنحن أحرار فيما نفعل بأنفسنا ، نختار الشقة التي نشاء ، ونجهزها بالطريقة التي نريد .. ولم أكن أنا أو منال يعنينا شيء من هذه الحوارات .. كل ما يعنينا أننا بعد شهر سنصبح معا تحت سقف واحد .. لكن الذي أهمنا حقا ، هو كيف سنعلن رفضنا لبعض العادات الاجتماعية البالية القديمة والسخيفة على السواء ، التي يصر عليها أغلب الناس باعتبارها طقوسا مقدسة ، وما هي بمقدسة ! ولم يكن أهلي من هؤلاء الناس ، ولذا كان إعلان الرفض من جهتي سهلا ميسورا ، أما هي فقد كان عليها أن تجاهد وتواجه حتى تقول كلمتها لمحيطها الاجتماعي ، وقد قلناها معا بعد الزفاف .. ولقد ظللنا نسابق الزمن طيلة هذه المدة لتجهيز ما يمكن أن يكون عش .. عش حقيقي لزوج عصافير الكناريا لقد كان المجهود الذي قام به والدي وأخوتي مضنيا ، ومرهقا إلى أقصى حد ، لمعاونتنا في سباق الزمن .. كان طلاء الشقة من الجير الذي يتساقط على رؤوسنا كبرد الثلج ، وأثاث الشقة من بقايا أسرتينا ، تكفلت أمي بالأجهزة الكهربائية ، وتكفلت أمها بأدوات المطبخ ، أما غرفة نومنا فكانت تتكون من سريري أنا وأخوتي ونحن أطفال .. وخزانة ملابس معدنية ( سفري ) ، ومرآة ومقعدين ، وطاولة صغيرة .. ولا تعجب يا صديقي ، فإن العروس كانت منال !!! ومن غيرها في عالمنا ، كانت تستطيع أن تقضي شهر عسلها في هذه الغرفة المغرقة في بساطتها ، المتواضعة حتى النخاع ، التي ربما رفض ( تيشي جيفارا ) لو كان حيا الزواج فيها ؟
.
.
الاثنين, 12 فبراير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








