القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

حتى لا تموت الروح8

10 – ذكريات العقد

 

ربما لم يعد يتعين عليك يا صديقي ابتداء من هذه اللحظات أن تطالع نوعين من الذكريات ، كل منهما كتب على حدة ،

 فلعله منذ مساء ذلك اليوم الذي نحن بصدده ستتوحد الذكريات ، ويستطيع أن يرويها عماد فكأنه يعبر عن منال ، أو ترويها منال نيابة عن عماد .. فمنذ الليلة القادمة سيكونان معا قلبا وقالبا وجسدا وروحا وشعورا ..

 

ولعل هذا سيخفف عنك الإرهاق الذي عانيته في مطالعة الأجزاء السابقة من هذه الذكريات ..

 

استيقظت صبيحة يوم العقد ، وكان يوم الخميس الأول من شهر يوليو ، بعد الفجر بقليل على صوت جرس الباب .. ولم أكن استطعت النوم إلا منذ ساعتين فقط ، ومع أول دقة لجرس الباب ، كنت أول من استيقظ من أهل البيت !

 ونظرت حولي وقدرت الوقت الذي استيقظت فيه ، وعرفت على وجه اليقين لا التخمين السبب الذي من أجله دق جرس الباب في هذا الوقت المبكر جدا من الصباح ..

كنت أول الواصلين إلى باب الشقة تبعني أبي الذي استيقظ فزعا على صوت رنين الجرس المتواصل .. كان القادم أحد أصهار والدي ، جاء يخبرنا بوفاة قريب لنا على درجة وثيقة من القرابة ، استرجعنا .. إنا لله وإنا إليه راجعون ..

 وانهار أبي على أول مقعد بجوار باب الشقة ، حتى بدأ يستجمع وعيه ، وكانت أمي قد لحقت بنا في الصالة ، ونزل عليها الخبر نزول الصاعقة ، فهي أم العريس ، التي طالما اشتاقت إلى فرحة حقيقية في حياتها ، وها هي علامات الفرح تزاح من أمام عينيها ، وأنوار الفرح قد أطفأت في قلبها الحاني ..

 

لا أريد أن أسترسل في هذه الذكرى كثيرا ، لأن الميت كان عزيزا على قلوبنا جميعا ، وقرابته اللصيقة ، ومسؤولية أبي باعتباره كبير العائلة ، لم تجعل أمامنا كثير من الخيارات ، وكان الاختيار الوحيد الممكن هو أن نتحمل مسؤوليتنا كاملة ، فكنت مع أبي أول من مررنا على أسر العائلة ، أسرة ، أسرة ، نبلغهم بالخبر ، وتولينا مسؤولية العزاء على المقابر حتى كنت آخر النازلين منها عقب الدفن ، وبين الوقتين كنت قد اتخذت مع أصهاري إجراءات إلغاء مراسم الفرح .. لم يعد هناك عرس ولا احتفال ، وإنما يعقد العقد في صمت شامل ..

على أن تحضر أسرتي العقد ، ثم تنصرف بالكامل .. فيما عدا أنا بالطبع .. تنصرف الأسرة لا لتقدم واجب العزاء ، ولكن لتلقي العزاء في فقيد العائلة .. رحمه الله !!!

 

وأنا في هذه اللحظة أحمد الله أن جعلني ، كما جعل منال ، من الذين يموتون وحاجة الفرد منهم في صدره لم تتحقق ، وهكذا أمي ، وهكذا أبي .. وأعظم بها من صفة ، إنها وصفٌ وصفَ به النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم .. ونحن نرضى أن نشاركهم هذه الصفة العظيمة المباركة ..

 

ولندع الآن الأحزان جانبا ، فهي ملاحقتنا لا محالة .. ونذهب إلى ليلة العقد .. الليلة البهيجة .. وكان من الطبيعي والأمر كذلك ، أن نهرع إلى الإسكندرية ، فالإسكندرية هي قبلة الحب ومرسى العاشقين ومأوى أفئدة المحبين ..

 

وفي الإسكندرية كانت أول لمسة ، وفيها كانت أيضا آخر لمسة ، وبين اللمستين كانت حياة ، حياة طويلة عامرة بالكفاح والمعاني والعمل والحب ، الحب المتفاني المخلص ..

 

بعد العقد مباشرة وانصراف الشيخ مأذون ، وكنا بالطبع كرجال في الغرفة الخارجية التي تطل على الطريق ، التي أحببناها وأحبتنا ، ولقد أصرت بعض القريبات أن أدخل إلى الشقة وأن أجلس مع منال أمامهم ، وأن أقدم لها هديتها ، وقد كان خاتما ثمينا هدية من أمي بتلك المناسبة ، وأمسكت يدها بكف ترتعش ، ووضعت الخاتم في إصبعها ، وأنظار كثيرة مصوبة إلينا ، ولم يكن في القلب متسع للرقباء ، فهمست في أذنها أن تستعد للخروج ، لأننا ذاهبان لقضاء السهرة في إسكندرية ..

 

أخذنا إذنا بذلك ورافقنا في الرحلة عصام ، لكنه والحق يقال تشاغل عنا ..

 

جلسنا في المقعد الخلفي للسيارة ، وجلس هو بجوار صاحب السيارة ، وهو صديق تطوع لمرافقتنا ..

وربما لم نتفوه بكلمة واحدة طوال الطريق وإنما كنا نستمع إلى الأناشيد المنبعثة من كاسيت السيارة :

يا عريس الليلة سامع عند قلبك دقتين

دقة بتسبح خالقها بالدعاء المستبين

ودقة تانية .. تانية تانية

ترسم خطوتك حتروح لفين

 

ولم يكن قلبي ساعتها يدق ، ولكنه كان يعزف ..

 

ووصلنا إلى الإسكندرية ، وقد ترك صديقنا السيارة في أحد الشوارع الجانبية بالقرب من النادي الشاطئي الذي دعانا لتناول المشروبات فيه ..

 

 أخبرنا الصديق بدعوته وأشار لنا إلى مدخل النادي ، ثم هبط من السيارة هو وعصام ، وسبقانا إلى النادي .. سبقانا تماما ..

بينما هبطت أنا من السيارة ، واتجهت لأفتح للعروس الباب ، وهبطت هي الأخرى وقد مددت لها ذراعي لتعلق ذراعها بها ، وتلامسنا .. وهممت أن أمشي فجذبتني برقة ، وهمست في أذني :

عماد .. أحبك جدا .. جدا .. جدا

 

ولم تكن كلمات .. لكنه كان لحنا .. اللحن الخالد ..

ولن أقول انتهى اللحن ، ولكن أقول منذ لحظتها ، وبدأ لحن الحب يعزف ..

اللحن الذي كنا نعده سويا كلحن صامت ، بدأ الآن يعزف بصوت مسموع على آلة واحدة لا يعرفها كثير من الناس ، هي القلب ..

 

وتقدمنا في الشارع إلى النادي ، ولم أكن أمشي ، ولكني كنت أطير .. كنت هائما لدرجة أننا عندما التحقنا بالموجة البشرية في انتظار عبور الطريق في شارع جمال عبد الناصر إلى جهة الكورنيش .. نظرت إلينا امرأة مسنة في دهشة بالغة ..

 

فتاة ترتدي الخمار في ذراع شاب .. لكنه هائم تماما !

 

في النادي جلسنا ، وتناولنا بعض المشروبات ، ثم بحثنا عن مسجده الصغير لأداء الصلاة .. وبعدها مضينا إلى محطة الرمل ، وتمشينا على الكورنيش ونحن ننظر إلى زبد البحر ..

تحدثنا ، وكان حقيق علي أن أقول لها .. كما قالت لي ..

ولقد كنت أعرف هذه المناطق جيدا ، جيدا جدا ، محطة الرمل وشارع صفية زغلول ، والانطلاق منه إلى محطة مصر وسندوتشات محمد أحمد للفول والفلافل ..

كنت أعرف هذه الأماكن بحكم دراستي أحيانا في الإسكندرية ، وبحكم أنني جبتها يمينا ويسارا مئات المرات ..

ولقد كانت هي تعرفها أيضا بحكم دراساتها الجامعية الدائمة في الإسكندرية ، ومع ذلك فقد تهنا في الطريق ..

لقد ضللنا الطرق ، أو ضلت منا الطرق ..

 

ورغم أن هذه الشوارع كلها موازية للكورنيش ، فإننا أخذنا وقتا طويلا للخروج من التيه ، والعودة إلى مكان سيارتنا ..

وصدقت في دندنتي لها بصوتي الأجش الخشن :

 

لحد عنيك ما قابلوني

نسيت روحي وتاه عقلي ..

 

ودعنا محطة الرمل بعد أن اشتريت ( فيشارا ) .. وفي محطة الرمل شيئان لا يمكن أن أذهب إليها دون أن أشتريهما :

( الآيس كريم ) ، و( الفيشار ) ..

أما ( الآيس كريم ) فكان في بداية نزولنا إليها ، حينما بدأنا نتوه عن العالم من حولنا ، ونذهل عن أنفسنا ..

 وكما نظرت تلك المرأة المسنة إلي بعين الريبة ونحن بصدد عبور طريق جمال عبد الناصر ، فإن امرأة لطيفة حيية اقتربت من منال ، ونحن نلعق ( الآيس كريم ) ونبهتها إلى تلك البقعة الكبيرة التي أحدثتها على خمارها الفضفاض .. فاستحت منال ، وهي تطرق بعينيها إلى الأرض ..

 

وأما ( الفيشار ) فأخذناه معنا في السيارة .. كان ظلام الليل على الطريق فاتنا تماما ، وكنت أضع حبات ( الفيشار ) في كفها ثم أتناولها من بين كفيها حبة .. حبة .. ومالت علي برأسها وهمست :

كفى شقاوة ..

ثم مالت بوجهها مرة أخرى و .. وقبلت كتفي .. واقتربت منها وهمست في أذنها  :

 

 معنا رقباء في السيارة ، وأمامنا بقية السهرة في الغرفة التي على الطريق .. تسمع الأشواق ، وتنتظر ..

الغرفة التي عاصرت صمتنا وصبرنا وصومنا .. ومن حقها أن تشهد الليلة بعض فرجنا ..

ثم .. لفنا الصمت !!

 

حاول صديقي بدهاء أن يطيل بنا الطريق ، أو يطيل بنا الزمن على الطريق .. فاتخذ الجانب الأيمن ، وتبع سيارة نقل كبيرة ، متذرعا بأن ضوء السيارات في الجهة المقابلة يؤذيه في عينيه .. لكن هذه الحيلة لم تخرجنا عن صمتنا .. لقد كان تقديسينا للخصوصية يلزمنا بالصبر مهما طال الطريق والزمن ..

 

وفي غرفة الصالون .. الغرفة التي شهدت لقاءنا الأول بدأنا حياتنا معا بصلاة العشاء ، وكان معنا عصام ، ثم ودعنا ودخل حجرته لينام .. أو هكذا قال ..

وانصرفت خلفه منال .. ثم عادت بعد دقائق .. عادت فتاة جديدة ، لم أكن قد رأيتها من قبل .. عادت زوجة بعدما كانت خطيبة ..

 

ورفرف الحب بأجنحته النورانية على جو الغرفة ..

 

وأشرقت شمس الرحمة .. وغشيتنا السكينة .. وتنزلت علائم المودة ..

 

ولم ننسَ .. أبدا لم ننسَ ، أن اللذان يجمع بينهما الله في علاه ، لا يمكن أن يخونا الأمانة ..

نعرف أن في عقد الزواج فسحة ومباحات عظيمة واسعة ، لكن التمتع بها لا يعني التجاوز إلى ما وراء ذلك ، مما لا يتوقعه العرف الاجتماعي ولا يستصيغه إلا بعد الزفاف ..

 

كان اتفاقنا إذن على ذلك اتفاقا مقدسا ، وإن لم يكن مكتوبا أو مسموعا .. لقد اتفقنا عليه منذ أول لحظة بدقات قلوبنا وخلجات نفوسنا ، وومضات عيوننا ..

 

وبعد فترة وجيزة من تبادل المشاعر الرقيقة ، وجدت اللحظة قد حانت أخيرا لفعل ما .. هذا الفعل الذي لم تخلو منه رواية رومانسية ، ولا فيلما سينمائيا عربيا كان أو أجنبيا ، وربما لا يخلو منه إعلان من إعلانات دور العرض السينمائي ، تلك التي تسمى ( تترات الفيلم ) ، هذا الفعل الذي سيطر على حياتي عمرا من الزمن ، لكنني قد صبرني الله .. حتى أقبل موعد الفطر بعد طول صيام .. وأقدمت على الفعل ، لكنه جاء قويا بقوة الشحنة العاطفية ، عميقا بعمق أثره الدفين في النفس .. عنيفا بحكم عدم التجربة وانعدام الخبرة ..

 

وكان رد الفعل عليها قاسيا حقا .. لقد سقطت على المقعد متهالكة ، يكاد لا يكون في جسدها نبض .. وشعرت بحالها ، وأبصرت الشحوب الحاد على وجهها ، وأخذت أتلطف بها حتى بدأت تستفيق بعد دقائق .. وأخيرا لمحت الدموع تترقرق في عينيها ..

أشفقت عليها بكل ما في الكلمة من معنى ، وحاولت إخراجها من حالتها بأي وسيلة ، ولقد نجحت ، ولم أغادرها حتى عادت البسمة تتألق على وجهها ، ونور الشمس تسطع على جبينها .. لكنني كنت حانقا .. رغم أن قلبي كان عندها .. لكنني أيضا كنت حانقا ، وإن لم أبدِ لها إلا الرقة والتفهم ..

 

انصرفت وعدت إلى بيتنا ، ولكني تقريبا لم أنم ..

كل ما مر في يومنا السابق ظل يتفاعل في مخيلتي ، إلى قرب وقت صلاة الجمعة ، ولقد كنت أنا المكلف بخطبة الجمعة لهذا الأسبوع ، وهي كما ترى نقلات سريعة وغريبة أو تفتقد للتجانس ، فخلال أربع وعشرين ساعة كان التنقل ما بين حضور الدفن على المقابر ، إلى كورنيش الإسكندرية وأمسية من أسعد ليالي العمر ، بل هي يقينا أجمل ما مر بي من ليالي العمر ، رغم الإحباط الأخير .. لكنه لم يفقد الليلة رونقها وتألقها وجمالها .. وفي نهاية الأربعة والعشرين ساعة كنت واقفا على المنبر ألقي خطبة الجمعة !

إنها الطبيعة البشرية معقدة التركيب !!

 

وعقب صلاة العصر ، كان واجبا علي أن أزور منزل زوجتي لأقدم هدية الزواج .. لم أكن أعول كثيرا على لقائها .. لقد كانت الجرعة الشاعرية المكثفة التي حصلت عليها مساء أمس مشبعة تماما ، ولم أكن أتخيل أن يسمح لي أخوتها بالانفراد بها اليوم مباشرة ..

 

لكن القدر كان رحيما بقلوبنا التي لم تعد تحتمل الظمأ بعدما ذاقت حلاوة وعذوبة الري .. لقد استقبلتني منال ، وكان استقبالها حافلا تشرق على وجهها ابتسامة رائعة ، ولم نلبس أن نجلس قليلا ، حتى فوجئنا بحضور عدد من الزائرات ، جئن للتهنئة بالزواج للأم وابنتها ..

جذبتني منال للصعود إلى سطح المنزل .. حيث كانت الشقة من الداخل غير مستعدة للاستقبال بعد مناسبة الأمس ..

كانت تصعد بي الدرج وهي في غاية السعادة ..

 أهم ما كنت أشعر به وقتها أن منال قد أخذت المبادرة .. كانت هي التي تبادر إلى التعبير عن المشاعر الفياضة ، كنت أشعر كأنها كانت تحتفل بي ، كأنها كانت تكافئني على صبري خلال فترة الخطبة ..

لقد برزت شخصيتها تماما ، هذه الشخصية اللذيذة الشاعرية الرقيقة ، المنطلقة أيضا حين يسمح لها الانطلاق في حدود الضوابط !

 

وفي أحد أركان السطح سمعت منها ما لم يكن يخطر لي على بال ..

لقد قالت لي وهي مطرقة إلى الأرض ، وإن كانت ابتسامتها لا تخفى على عيني :

 

أنا آسفة بسبب الذي حدث لي أمس .. أخشى أن أكون أفسدت فرحتك أو إحساسك .. ولكني سأعوضك اليوم ..

 

رفعت رأسها ونظرت إلي نظرة خاطفة واتسعت ضحكتها ، ثم انطلقت من أمامي بسرعة كأنها فراشة في قمة المرح ، وهبطت السلم : وهي تقول :

 

عندما ينصرف الضيوف سأصعد أستدعيك ..

 

وبقيت أنا مكاني مصعوقا .. ما هذه الفتاة ؟؟؟.. إن عظمتها تفوق كل تصور ممكن .. إنها من النوع الذي يراجع نفسه إذن !

من النوع الذي لا يجد غضاضة في أن يعترف بخطأ ، ويعمل على تصحيحه .. إنها قضت ليلتها مشغولة البال ، بما كنت أنا أعاني منه !!

 

وانصرف الضيوف سريعا ، وصعدت تستدعيني إلى الغرفة التي على الطريق .. وكانت هذه الأمسية هي حقا احتفالنا الحقيقي بعقد زواجنا .. وكان عندي موعد ظننت أنني سأحضره ، لكنها كان لها رأيا آخر ، ولم أحضر موعدي !!

 

منذ ذلك اليوم أو منذ لحظة كتابة العقد ، وأصبح الذي يربط بيني وبين منال أكبر من الحب ، لقد ربطت بيننا صداقة وطيدة ، فلم نعد نُرى إلا معا ..

ولم أعد اتركها تتحرك خطوة واحدة خارج بيتها ، إلا وأنا معها ، وكنت أنا الرجل الذي يجب أن تتعدد مشاغلي وتضارب مواعيدي ، ولكني كنت أعمل جاهدا لتوفيقها ، لأصطحبها إلى أي مكان تذهب إليه ..

 

كان اتفاقنا مع ألأهل .. أن نلتقي معا مرتين في الأسبوع ..

مرة نخرج فيها سويا وبمفردنا دون رقابة ، ومرة نجلس فيها في البيت معا وبمفردنا أيضا ..

ولكني لم أجد غضاضة في التحايل على هذا الاتفاق ، ولم نره تحايلا .. الحقيقة هو أننا كنا نقضي شؤوننا ، الحياتية ، وكنا نفضل أن نقضيها معا ، فلم تكن لقاءاتنا خارج اللقاءين المصرح لنا بهما ، لقاءات حب ، وإنما كانت لقاءات صداقة ..

 

كانت هي قد التحقت في ذلك الوقت بالعمل في مدرسة خاصة ذات سمعة مميزة جدا ، وكانت تقضي فترة تدريب أو نادي صيفي تقريبا ، حيث كنا في الإجازة الصيفية بالنسبة للتلاميذ ، وكنت أنا أعمل في شركة للنقل كانت تقوم بنقل تلاميذ نفس هذه المدرسة من بيوتهم للمدرسة والعكس ، وكنت بالإضافة إلى ذلك مشتركا بتجارة مع صديق لي حدثتك عنه سابقا ، وكان يسكن في قرية تبعد عن مدينتنا مسيرة ثلث ساعة بالسيارة الأجرة ..

 

وكان أول شيء اتفقنا عليه أنا ومنال أن أعدل مواعيد ذهابي للإشراف على تلك التجارة إلى الصباح الباكر .. وكنت أنزل من بيتي بعد صلاة الفجر بساعة تقريبا ، وسط دهشة الأهل من هذه المواعيد المبكرة جدا التي لم أكن معتادا عليها في حياتي كلها ..

 

كنت أمضي أولا إلى بيت منال ، فأنتظرها أسفله ، وأذهب معها إلى المدرسة حيث كانت مواعيدها مبكرة .. ثم أذهب بعد ذلك مباشرة إلى قرية صديقي ، وأحيانا كنت أخذ هذه المسافة سيرا على الأقدام ، حتى يحين موعد بدء العمل ، وإلا فأين سأقضى هذا الوقت بين الموعدين ؟

 

وحدث ذات صباح ، أن كان أبي قد ذهب مبكرا جدا إلى السوق لشراء خبز .. وقد كان طريقه من نفس الطريق الذي أصطحب منه منال إلى مدرستها ، وتقابلنا والتقت عيوننا عن بعد ، وأطرقت إلى الأرض ، وقد خنقني الحياء ، وقتلني الحرج .. بينما هو يبتسم ابتسامة واسعة لكنها حيية ، فلقد كانت أكثر صفة أكبرها في والدي حياءه الجم ..

ولم يزد الرجل بعد عودتي إلى المنزل في موعد الغداء .. إلا أن قال :

كيف حال العمل في مشروعك التجاري الذي يستوجب هذا التبكير كل يوم ؟.. وابتسمت وأطرقت إلى الأرض ، وأشفق الأب الحبيب الرقيق الحاني على قلبي ، فلم يزد عن ذلك كلمة واحدة ..

بينما اتسعت ضحكة أمي ولم تعقب ..

 

وكنت بعد الوقوف فترة على العمل في تلك القرية ، أعود قبل الظهر أحيانا لأعمال أخرى ، وأحيانا لأصحب منال في طريق عودتها للمنزل ..

 

وفي العصر في أغلب أيام الأسبوع أنتظر إياها أسفل المنزل لأرافقها في الذهاب إلى دروسها بالمسجد .. وأذهب لأقضي بعض أعمالي ثم أعود لأصطحبها في طريق العودة ، ولم يكن يحدث بيننا في هذه اللقاءات – لقاءات الطريق – أكثر مما يحدث بين صديقين ..

 

ومن هنا توطدت صداقتنا ، وصرنا أصدقاء ، كما أننا حبيبين وعاشقين ، ثم كانت بيننا علاقة كتلك التي تربط بين الأخ وشقيقته ..

وكانت هذه من أعجب العلاقات ، فكيف يشعر العاشق بنحو هذه العاطفة ، عاطفة الأخوة تجاه محبوبته !!

لكن هذا ما حدث .. كان بيننا من الثقة والحرص  والنصح والخوف على المستقبل والتوجيه ، ما يكون عادة بين الأخ وأخته ..

 

وكانت منال أحيانا تضيف إلى هذه العلاقات أنواعا أخرى من العلاقات العجيبة حقا ، فقد كانت تطلب مني أن أشعرها بحنان الأب التي تفتقد حنانه منذ زمن .. وأحيانا أخرى تطلب مني أن أعوضها عن عاطفة الأم !

 

وأظنني كنت أستجيب لها .. حين أمنحها نوعا من الحب الأبوي ، فآخذ رأسها في صدري وأملس على شعرها بحنان ، لا أثر فيه لرغبة ، وأطبع على مفرق شعرها قبلة حانية ..

ومع مرور الوقت أصبح كل منا لا يستطيع أن يقضي شأنا من شؤونه إلا بمشاورة الآخر ..

 

ولقد نسيت أن أحدثك عما حدث في امتحانات الدبلومة ، تلك التي سبقت عقد الزواج مباشرة ، كنت أنا ومنال نتبادل المذكرات .. كنت أعطيها محاضراتي ، فقد كانت لي قدرة كبيرة على كتابة كل ما يتنفس به الأستاذ المحاضر ، وكانت هي تعطيني الملخصات ، فقد كان لها صبر على التلخيص والاختصار ..

ولقد جاءت الامتحانات وقد كانت إجاباتي في كل المواد بفضل الله ممتازة ، حتى شعرت بأنني أستطيع بسهولة أن أحصل على تقدير جيد جدا ، وذلك لا لشيء إلا لأن الدراسات الإنسانية التي يكثر فيها الكلام في ورق الإجابة ، يصعب فيها تقدير حق الطالب تماما ، ومن هنا كان تصوري أن أتنازل من الأمل في الامتياز إلى تقدير جيد جدا فقط ، لولا مادة واحدة فقط ، وهي مادة طرق التدريس ، وهي المادة الوحيدة التي لم تكن مشتركة في الدراسة مع منال !

 حيث كان لخريجي كل كلية مادة تدريس خاصة بهم تتفق مع تخصصهم ، ولذا فقد كانت المادة الوحيدة التي أمارس فيها هوايتي الراسخة بعدم حضور المحاضرات ، وهي المادة الوحيدة التي لم أجد فيها كذلك لا ملخصات ، ولا تشجيعا ، وحاولت إلمامها بأي طريقة على عجل وتوتر ، غير أن امتحانها كان محنة حقيقية ، فلقد جاء على طريقة الأسئلة الموضوعية ، وكان طويلا جدا ، ونظرت إلى الأسئلة التي قاربت على مائتي سؤال ، ولم أكن قد رأيت رؤوس موضوعاتها من قبل ، ومن ثم أجبت على ما أعرفه وهو أقل من النصف ، ثم بدأت أختار الإجابات في بقية الأسئلة الاختيارية بشكل عشوائي أملا في الحصول على درجة النجاح ، ولولا هذه المادة التعسة ، لكنت تأكدت من تفوقي التام ..

 

وظهرت النتيجة بعد عقد الزواج ، وذهبت إلى منال لأبشرها وكان الوقت ظهرا ، في وقت لم يكن معتادا للزيارة ، بعدما عرجت على أمي لأبشرها أولا برا بها .. وهناك أصررت على أن أقبض ثمن بشراي ، ولقد كان تقديري جيد فقط ، مما يؤهلني أن أكمل في الدراسات التالية .. وكانت منال رغم نجاحها إلا أنها كانت فخورة بي ، وهي تقول :

- أنت بأقل مجهود تحصل على تقدير جيد وتشتكي من سوء التصحيح !! .. فلابد أنك تحمل عقلا جبارا في العلوم الإنسانية ، لقد كنت أصنع لك الملخصات بيدي ، ومع ذلك تفوقت علي !! وأنا التي كنت أظنك من خلال قلة مجهودك وكثرة انشغالك سوف تنجح بمادتين على أحسن الأحوال !!

 

لم تكن منال تدرك أنها أعدت نفسها منذ هذه الامتحانات لتكون سكرتيرتي القديرة الدائمة في كافة الأعمال التي سأقوم بها لاحقا ، ولقد كانت نعم السكرتيرة القديرة المرتبة ، التي تستطيع أن تمدني بما أشاء متى أريد ..

 

 

وكان مما حدث في تلك الفترة أمورا هامة تتصل بعمل كل منا ، ولم تكن ليتم اكتشافها والتعامل معها بهذه الطريقة ، لولا علاقة الصداقة والثقة المتبادلة بيننا ..

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.