3 – اللقاء حدد معه عصام موعدا للقائي بعد نجاحه في أخذ الموافقة المبدئية من أبي .. أبلغه عصام أنه تبقت خطوتان نحو إعلان الموافقة النهائية على الخطبة .. الخطوة الأولى هي خطوتنا معا ، أنا وهو .. وهل سيحدث قبول بيننا ، أم أن لكل منا رأيا سيبديه عقب المقابلة .. وأما الخطوة الثانية والحاسمة في حالة حدوث القبول بيننا هي رؤية الأهل للشقة ، للموافقة النهائية عليها .. كانت هذه الأخبار تأتيني عن طريق أمي ، فلم يكن عصام قد صفح عني بعد .. رغم اتخاذه لكافة الخطوات العملية لإتمام هذه الخطبة ، إلا أنه مازال حانقا علي لمعارضتي رأيه ، وخروجي ككيان منفصل مستقل عن كيانه كشقيقي الأكبر وصديقي ، وحامل أختام أسراري !!! علمت أن الموعد سيكون يوم الاثنين القادم عقب صلاة العشاء ، كان اليوم هو السبت .. فمازال أمامي يومان حتى نلتقيا .. فهل تراني أعجبه .. لم أسأل نفسي هل تراه يعجبني .. كنت أشعر أن هذا سؤال قد أعد له الجواب .. ومضى يوم السبت ومثله الأحد ثقيلا بطيئا كالحا ، لا يريد أن ينقضي ، وأشعر أن ساعات اليوم قد زادت أو طالت فعلا عن معدلها الطبيعي ، ولم يكن هذا محض وهم ، ولكن كان له سبب فسيولوجي وجيه ، لقد تسارعت دقات قلبي بشكل ملحوظ ، ولم يعد يدق ستون دقة في الدقيقة ، بل أصبح يدق خمسة وسبعون دقة أو ربما ثمانون دقة أو خمسة وثمانون ، ولذا فقد كنت أشعر باتساع الدقيقة وطولها ، ومن ثم طول الساعات والأيام .. حتى الظروف الخارجية نفسها كانت كأنها تتحالف ضدي .. كان الجو العام خانقا جدا في مدينتنا .. كنت معتادة على الخروج إلى دروس المسجد بشكل شبه يومي تقريبا ، ولا يخلو بيتنا من زيارات أخواتي وصديقاتي ، لكننا الآن رغم كوننا في منتصف فصل الصيف تقريبا ، وحرارة الجو خانقة تماما ، كان الجو العام يوحي بخريف الغضب عقب أحداث نقابة المهندسين ، كانت النقابة قد عقدت مؤتمرا عاما لمناصرة قضية البوسنة والهرسك ، وحدث أن كان عدد الحضور ضخما .. أنا وصديقاتي كنا من الحاضرات ، لم يقتصر الحضور على المهندسين ولا النقابيين ، بل شمل جماهير عريضة من الشباب ، وضاق بهم مقر النقابة ، فأبقونا والسيدات في المبنى ، وأخذت الجماهير تتابع المؤتمر في الشارع حول مقر النقابة ، واعتبر مسؤولي الأمن بالمحافظة أن ما يحدث تجمهر وليس مؤتمر ، وأن فيه إخلال بالأمن وتحد له ، وأمر مدير الأمن بتفريق الجماهير ، ونزلت قوات الأمن المركزي إلى الشارع وبدأت في استخدام الهراوات ، وقابلتها الجماهير بالهتاف والتكبير ، وتصاعد الموقف واستخدمت قوات الأمن الرصاص المطاطي وقنابل الغاز ، وتم إصابة عدد من الشباب .. حتى أن شقيق صديقتي فقد ساقه ، فقد تم بترها بسبب خرطوشة من الرصاص المطاطي قد استقرت فيها .. وحدثت حملة اعتقالات واسعة ، ولم يبق بيت في المدينة إلا وأصابه غم وهم ، وباتت أجواء صيفنا الحار خريفا باهتا حزينا ، لا أثر فيها لبهجة ، وتأجلت كثير من حفلات الزواج التي حددت مواعيدها سابقا ، وبأمر مسؤولي الأمن بالمحافظة أغلقت المساجد التي كنا نلتقي فيها في وجه الدروس والمحاضرات ، لم تعد تفتح أبوابها إلا في الأوقات المحددة للصلاة فقط .. تضافر الظروف الخارجية والداخلية كان يخنقني تماما .. وشعرت وكأنني في حصار اجتماعي يتحالف فيه ضدي عصام بطول قطيعته لي مع شدة حاجتي إليه ، وظروف البلد نفسها ، وكذا قلبي الذي يكاد يفلت من بين ضلوعي .. وأخيرا انقضى اليومان ، ومنذ صباح الاثنين ، وأنا أحاول أن أتشاغل .. أشغل نفسي بأي شيء وكل شيء ، حتى يحين موعد اللقاء .. وأخيرا جاء .. حضر عصام إلى غرفتي وتواضع ثم تنازل فقبلني في جبيني قبلة حانية جميلة .. ثم قال وهو ينظر في خجل إلى الأرض : هيا يا عروسة حتى ترين عريسك وتعاينينه في كشف الهيئة .. ولكن عليك أن تحذري تماما من الخداع .. فليست هناك سوى هذه الفرصة لإبداء رأيك .. فتحققي منه جيدا ، من مظهره وشخصيته .. وكل ما تستطيعين أن تلحظيه عنه .. واسأليه ما شئت من الأسئلة .. فهذه هي فرصتك الوحيدة والأخيرة .. اللهم قد بلغت .. اللهم فاشهد .. قال عصام جملته الأخيرة بحركة تمثيلية محببة إلى نفسي منه .. وهو يضحك .. لكن ما قاله لي قد سبب زيادة مطردة في دقات قلبي ، كنت أشعر أنه سيقفز من صدري ، لعله يريد أن ينفتح أمامه ليسكب فيه ما يشاء من حب .. سيطرت على نفسي بصعوبة بالغة وأنا أتقدم مع أخي كفي ترتجف بين كفه إلى الصالون ، وفتح الباب أخيرا ، ولم أرَ غرفة صالوننا ، ولم أرَ ذاك الجالس أخاله منتظرا على أحر من الجمر .. لم أر سوى نورا باهرا كأن الشمس قد عاودت الشروق بعد العشاء ، لكنه كان شروقا أبيض لا أثر فيه لعين الشمس الحمئة .. وبهرني النور ، وهز كياني كله فأخذت أرتجف .. حتى أن عصام أوصلني بنفسه إلى مقعدي ، وقد شعر شعورا خفيفا بانتفاضة جسدي كله .. وجلست وأخذت أنظر إلى موقع قدماي ، وشعرت بعد لحظة أنني فقدت السيطرة على نفسي ، وأن ركبتاي تصطكان ، بينما كفي اليمني تعتصر كفي اليسرى ، كان أصعب امتحان شفوي يمكن أن يوضع فيه إنسان .. ولم يطل الصمت .. جاءني صوته محييا ، كان صوتا خفيضا حييا مرتعشا أو خائفا .. صوت مخنوق يجاهد ليأخذ المبادرة .. وعرفت أنه أيضا يعاني ، لكنه كان أكثر جرأة مني ، وهذا هو المأمول منه كرجل ، فلو طال الصمت أكثر من ذلك فربما نهضت وتركت الغرفة ومضيت ، لكن كلماته الأولى جاءت كمخرج أكيد من هذا المأزق .. بدأ يكلمني عن إعجابه بصفاتي التي سمعها عني من بعض المقربين .. ثم انتقل بالحديث عن جامعة الإسكندرية وعن رأيه بها ، وحاول أن أشترك معه في الحديث عن طريق توجيه بعض الأسئلة العامة ، وأخذت أجاوبه ، وأنا لا أعي تماما لا السؤال ولا الإجابة التي تتلعثم على شفتي ، بقدر ما أحاول بالحديث إخراج نفسي من هذا التوتر .. وبدأت أطمئن إليه ، ثم أخذ صوته يقوى ويتجه نحو الوضوح والحسم ، وعرفت من خلال الصوت أن له شخصية معينة ، وأنه يميل إلى إبداء آراء كثيرة في مواقف وقضايا مختلفة ومتعددة .. لم أستطع خلال حديث طويل ومتقطع أن أختلس النظر إليه .. كاد الحياء يقتلني ، وكان النور يبهر عيني ، وكنت قد آنست نوعا ما إلى حديثه ، وفي لحظات الصمت ، أو عندما كان يتجه بحديثه لأخي ، ليعطيني فرصة لالتقاط الأنفاس .. حاولت أن أختلس النظر إلى وجهه .. لكن عينيه كانتا شقيتين ، وأحسست أنه يتسلل بنظراته إلي من أسفل النظارة التي يضعها على عينيه ، وحاولت أكثر من مرة أن أسترق النظر إلى وجهه فلم أفلح .. وشعرت أن عينيه تلاحقاني دائما .. فاستحييت ، وقنعت من النظر إلى منتصفه تقريبا .. وتعجبت في نفسي من إلحاح نظراته .. رغم وضوح الحياء في انكسارها وتسللها من أسفل ، ثم حمرة الخجل الشديدة الظاهرة على أذنيه .. حيث لمحتهما مرة واحدة فكانتا لون الطماطم .. ومع ذلك لم تتح لي عيناه أن أنظر إلى وجهه .. وتحدث معي حديثا جريئا حادا ، لا في نبرته ، ولكن في فكرته وآرائه حول الأثاث ، والشقة ، والأحلام ، وأنه يفضل الكفاح المشترك عن تقديم كل شيء لفتاة بعد أن يفقد الرجل حماسه وعاطفته ، ولا يقدم لفتاته سوى المادة ، والمادة فقط ، وانتقل بالحديث عن اعتقاده بأن المال لا يصنع سعادة ، مشيرا إلى أنه لو أراد السفر العاجل لتحقق له ذلك وبشروط مرضية ، لكون له قريب مقيم في الخليج منذ سنوات طوال وهو يلح عليه بالسفر إليه ، ولكنه يأبى هذا المنطق .. يسافر .. ربما .. فليس هناك ما يمنع من الفكرة نفسها ، لكن يوم أن تكون معه رفيقة حياته ، فهي رفيقة الكفاح كما هي رفيقة السعادة .. وانتقد الذين يضيعون أعمارهم وراء فخامة ستائر النوافذ ، وألوان الحوائط ونوع الطلاء الموضوع عليها ، رغم أن فخامة الطلاء وفراهة الأثاث ، لا تصنع سعادة ولا تجلب حبا ، ربما أثارت إعجابا وعجبا عند أول مرة تراها العين ، ثم سرعان ما تصبح شيئا عاديا مألوفا من مكونات الحياة .. أما الحب والعاطفة فهي التي تصنع السعادة وتصنع الدفء وتصنع الأمان وتصنع الحياة .. كان يحدثني بما يعتمل في صدري ، وأدركت من أول وهلة أنه رومانسي أو فلنقل عاطفي جدا ، لأنه لم يفتأ يتحدث عن هذه الكلمة دون خجل أو مواربة ، أو حتى مراعاة لوجود عصام معنا ، وما فتئ يقارن بين العاطفة وبين المادة ، حتى ظن عصام أنه يستمع إلى ( تشي جيفارا ) ، أو غيره من كبار دعاة اليسارية ، وأنه ينوى أن يسكنني في كوخ وأنه سيكتب فوقه : كوخ الحب ، فتدخل عصام في الحديث مستدركا : ولو أن هذا لا يمنع أنك تنوي طلاء شقتك .. العاطفة شيء جميل ، لا خلاف على ذلك ، ولكن أيضا قد لا توجد العاطفة أساسا إذا كان الزوجان يعيشان في بيت من الطوب الأحمر .. وضحك عصام ، فضحك خاطبي .. وكانت فرصة لي لالتقاط أنفاسي المبهورة .. لقد بهرت به .. ولقد تعودت عيناي على جو الغرفة ، وربما أدركت بعد فترة أنه لم يكن هناك أي شيء غير عادي في ضوئها ، لكن النور الذي أشرق في عيني ، إنما أشرق في قلبي ونفسي ، وكأنها إشارة من الله تبارك وتعالى أنه هو .. الذي انتظرته طويلا ، وإن كنت قد رددت قبله عددا من الخطاب لم يبهر عيني نور استقبالي لهم ، ولم يبهر أذني وقع أصواتهم ، ولم يبهر عقلي أثر حديثهم .. أدركت أن هذا الشاب مختلف .. وأحببت لو أني أسأله سؤالا واحدا فقط .. سؤال واحد بدا لي أنه الحاسم تماما في هذا الأمر .. لكني ، لم أجرؤ على التفوه به .. وأمسكت لساني ، ويبدو أن علي من الآن فصاعدا أن أتمرن جيدا على مسك اللسان ، وكبت المشاعر .. وإلا لأصبحت فترة الخطبة كارثية تماما ، لما يمكن أن يحدث فيها من ..... وانتهى اللقاء الأول ، لكن أثره لم ينتهِ من قلبي ، ونوره لم ينطفئ في روحي .. وحاولت جاهدة أن أخفي حقيقة مشاعري خلف قناع جامد من التجهم ، ولإشعار من حولي بأنني غارقة في تفكير عميق قبل اتخاذ قراري الأخير .. وكان أن عاد عصام من إيصاله إلى الشارع ، وحاول أن يسألني ، فطلبت منه أن يعطيني وقتي كاملا للتفكير وتقليب الأمر ، وسألني عن شعوري المبدئي لكني أبديت تحفظا ، خفت أن تكذبه نظرات عيني ، فأطرقت بحزم إلى الأرض .. ثم باغته بسؤال : لماذا يا عصام أخذت شهادتي الجامعية من درج خزانتي ، ثم أعدتها في اليوم التالي ؟ نظر إلي عصام طويلا .. ثم ابتسم ، وحاول أن يتهرب من الإجابة ، ولكنه لمح التصميم في وجهي ، فقال : لقد أراد يا آنستي أن يرى صورتك ، ولم أجد غير هذه الصورة التي على الشهادة فأخذتها .. وسألته ثانية : هل هو الذي أصر على رؤية صورتي ؟ غمغم عصام قائلا : في الحقيقة أنا الذي كنت مصرا على ذلك ، فأنا لا أفهم كيف يتقدم شاب لخطبة فتاة دون أن يراها .. إلا أن يكون مج... قاطعته بشدة بحركة من يدي ، وكلمة مبهمة .. ضحك عصام طويلا وهو ينظر إلي ، ثم قال متخابثا : الآن عرفت رأيك فيه .. عرفت رأيك تماما .. لقد وقعت يا جميل .. مبروك يا منال .. ثم نهض وقبل رأسي وجبهتي ، ولمحت الدموع في عينيه .. ودمعت عيناي .. كم هو قاس وكم هو رقيق صديقي عصام!!! لكن الدمع كان يبرق في عيني من أثر وقوفي على إجابة كنت في انتظارها على أحر من الجمر ، وقد عرفتها أنا أيضا ، ومن عصام ..
.
.
الاربعاء, 31 يناير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








