2 - منال تروي ذكرت لي فيما بعد في ليالي سمرنا وما أكثرها وأحلاها من ليال ، حين كان يؤنس وحدتنا صوتها الشجي ولم يكن ثمة تلفزيون أو غيره ، قالت : كانت المناسبة زواج إحدى صديقاتي ، وكانت من المقربات لي ، وقد دخلت بيتنا فعرفتها أمي ، وكان زوجها هو صديق مقرب من أخي عصام ، ولذا اتفقت مع أمي أن نذهب سويا لزيارتها بمناسبة مرور أسبوع على الزواج ، وتقديم المجاملة الواجبة في مثل هذه المناسبات ، واصطحبت أمي وذهبنا ، وكنا خاليي البال تماما من أي شيء ، لم تعنِ لنا الزيارة إلا المناسبة التي ذهبنا من أجلها ، وبعد فترة من الزمن وكنا أنا وأمي نجلس مع العروس في غرفة نومها مع عدد من صديقاتها الأخريات ، وبعد فترة دق باب الغرفة فخرجت العروس تتحدث مع زوجها ، ثم عادت فطلبت من أمي أن تخرج إلى زوجها لأنه يريدها في أمر ما ، وساد شيء من الارتباك والحيرة حتى لملمت أمي نفسها وخرجت إليه ، وساد الاعتقاد أن الزوج ربما أراد أن يسأل عن شيء أو أن يوصي عروسه بشيء على لسان والدتي ، فقد كانت بطبيعة الحال أكبر الزائرات سنا وأكثرهن خبرة ومعرفة .. وبعد قليل عادت أمي لكنها كانت متجهمة تماما ، ويبدو عليها التوتر والقلق ، وظلت تنظر إلي نظرات حائرة تارة ومتوعدة تارة أخرى ، وشعرت بعد فترة أن توترها بدأ يزداد من حركة أصابعها التي كانت تدق بها ركبتيها بعصبية شديدة .. وتوجست خيفة وجالت في خاطري بعض الظنون ، فالزوج هو صديق عصام ، وربما أخبرها عن عصام شيئا لم تحبه ، أو أن عصام أوصاه أن يبلغها بقرار ما ، لم يستطع مواجهتها به فطلب من صديقه تبليغها إياه .. وانحصر تفكيري في عصام ، والحقيقة أنني كنت خائفة ، ولقد كان حال أمي يستدعي العجلة في إنهاء الزيارة والانصراف لأعرف منها ما يعتمل في نفسها ، غير أن خوفي جعلني أطيل الزيارة خوفا من لحظة الإنفراد بها وهي على هذا النحو من التوتر الشديد .. لكنها أشارت لي ، ولم يكن هناك بد من الانصراف ، وبمجرد نزولنا إلى الشارع سألتني في حدة : هل ذكر لك عصام شيئا عن خاطب تقدم لك ؟ نفيت نفيا قاطعا وأنا في غاية التعجب ، وحاولت أن أستزيدها فلم تفصح عن شيء ، ولكنها ظلت على توترها وعصبيتها حتى وصلنا المنزل ، وعندما رأت والدي ابتدرته قائلة : أرأيت ما يفعل ابنك عصام ! سألها أبي في شيء من خوف مفاجئ : وماذا فعل ؟ خيرا إن شاء الله ؟ قالت أمي : لقد تقدم إلى ابنتك منال خاطب هو صديق له ، ولقد رفضه الأستاذ حتى دون الرجوع إلينا ، ولا إليها .. فهي أقسمت لي أنها لا تعلم شيئا عن هذا الأمر .. نظر إلي أبي مستفهما ، فأومأت برأسي مؤمنة على كلام أمي .. عند هذا الحد من الحديث كان لزاما علي أن أنصرف من باب الحياء أو الأدب ، حتى ولو كان الموضوع الذي سيناقش هو من أخص خصوصيات حياتي ، لكن كان علي أن أنصرف ، ولم أتلكأ لقد كنت عند باب غرفتي عندما جاءني صوت أبي : ادخلي أنت غرفتك الآن يا منال .. لعله لم يسمع إجابتي التي غمغمت بها وأنا أغلق باب غرفتي من الداخل .. لكن صوت النقاش الحاد كان مرتفعا وكان يأتيني واضحا من خلف الباب حتى دونما أي تعمد مني ، ولم يكن في الحديث ما يغري بالإنصات خاصة وقد رفض عصام العريس وانقضى الأمر .. حاولت أن أمسك مصحفي وأن أنشغل عن النقاش بقراءة القرآن .. لكنني أخفقت .. ظل المصحف في يدي ، لكن عقلي كان مشغولا بما يسمع .. قالت أمي ملخصة الموقف كله : سألني زوج فلانة هل ابنتكم مخطوبة ، أو في انتظار خاطب معين .. قلت له أبدا .. فقال لي : تقدم لها خاطب عن طريقي وهو يسألني عن شروطكم فيمن يتقدم إليكم .. قلت له شروط عادية جدا .. فقط أن يكون شابا طيبا ومتدينا وعلى خلق ومن أسرة طيبة .. قال لي لماذا إذا رفضتموه ؟ هو به كل هذه الصفات وأيضا ظروفه المادية أفضل حالا مني ، وها أنا ذا على يدك يا حاجة قد تزوجت بفضل الله .. أظهرت تعجبي .. فقال لي : إن عصام أخبرني برفضكم لهذا الخاطب ، رغم أنه صديقه ويعرفه جيدا .. انفعل أبي وهو يستدعي عصام بحدة : ووجه له سؤالا : - هل تقدم لك أحد أصدقائك لخطبة أختك ؟ - قال عصام بهدوء شديد : ليس الأمر على هذا الوضع .. كل ما هنالك أن فلانا سألني هل تصلح ظروف صديقنا هذا للتقدم لأختك ، فقلت له لا تصلح .. كان مجرد سؤال وأنا أجبته حسب رؤيتي وتقديري للموقف .. - احتد أبي وهو يقول : وهل أنا مت .. حتى تتصرف في شؤون أخواتك على هذا النحو دون مجرد الرجوع لي ولرأيي .. - قال عصام بخجل : ليس الأمر كذلك .. كل ما في الأمر أن ظروفه لا تناسب على الإطلاق ، وهو لا يعتبر تقدم فعلا للخطبة .. وأنا لم أرجع إليكم لأنني أعلم رأيكم مسبقا .. - أظن أن هذا ليس من شانك وحدك يا عصام .. على أقل تقدير تعطيني فكرة عن هذا الأمر .. هل هو شاب سيء ؟ - على العكس تماما يا بابا هو شاب ممتاز جدا دينا وخلقا ومن أسرة محترمة .. لكن ظروفه المادية لا تسمح بمجرد التفكير بالارتباط .. هذا كل ما في الأمر .. - هل تظنه رأى أختك ؟ - قال عصام بيقين : بالتأكيد يا بابا رآها ، فكيف يخطبها إن لم يرها ! .. ولكن من هذه الناحية اطمئن فلعله رآها مصادفة أو في الطريق إلى البيت ، فهو من النوع الخلوق الذي لا ينظر إلى الفتيات أو يشاغلهن .. - قال أبي بحزم : ما هي ظروفه بوضوح ؟ - قال عصام ببرود : أبدا لا يوجد شيء .. .. مجرد أنه شاب جامعي وصديق لي ويعمل في محل للبقالة .. - سأل أبي مضيقا الخناق على عصام : هل عنده شقة ؟ - أجاب عصام في اقتضاب : شقة متواضعة جدا في بيت قديم كان ملكا لجده ، وهي في حارة شعبية .. - زاد انفعال أبي وهو يقول : أي أن عنده شقة .. - أصر عصام على موقفه قائلا : شقة متواضعة جدا ، أنا لا أعتبرها شقة .. - هل رأيتها ؟ - نعم .. ذهبنا للمذاكرة فيها مرة أو مرتين من قبل .. - هل سيساعده أحد من أهله في أمر الزواج ؟ - تلعثم عصام وهو يقول: إن أمه كانت تعمل في الخارج ، وأظن أنه قال أنها وهبت له مبلغا بسيطا من المال ، سوف يعينه على تجهيز شقته ، ويحاول المشاركة في مشروع للبقالة التي يعمل فيها من أجل هذا الهدف .. - قال أبي محتدا : إذن هو شاب جاد وليس لعوب يا عصام .. - قال عصام : أنا لم أقل أنه لعوب ، بالعكس هو جاد جدا ، لكنه غير مناسب .. فهناك عشرات الشباب من زملائنا مثله خلقا ومعدنا ، وأفضل منه بكثير في الإمكانيات المادية .. - لكن أحد من هؤلاء لم يتقدم لخطبة أختك ، وصديقك هذا هو الذي تقدم ، والواجب يا بني في هذه الحالة ، أن نجلس معه ونناقش الأمر ، وأن نستطلع رأي صاحبة الشأن .. كانت أمي تجلس صامتة حتى هذا الجزء من الحوار ، ولكنها تكلمت أخيرا : صحيح يا أبا عصام .. أن عصام أخطأ بعدم استشارتك ، ولكن هو أدرى بظروف صديقه ، وطالما لا يراه مناسبا ، فأعتقد ... قطعها أبي قائلا : أظن أن من حقي أن أراه وأن أجلس معه .. هو لن يجبرني على الموافقة على الزواج من ابنتي .. ولكن من واجبي كأب أن أكوّن فكرة عن هذا الشاب .. ولا تنسي أن رأي عصام مهما كان صوابا ، فإنه لابد يفتقر إلى خبرة الأب .. صمت أبي لحظة ثم استدعاني رافعا صوته بالنداء .. كنت على أتم الاستعداد للخوض في هذا الحوار الذي لم يكن يسعدني كثيرا ، لكنه استفزني أكثر من أي شيء .. من أعطى الحق لأخي عصام أن يتصرف في شؤوني بهذه البساطة ؟ وكيف له أن يقرر من الذي يناسبني ومن الذي لا يناسبني ؟ ثم على أي أساس وأي مواصفات وشروط التي يفضل بها رجل على آخر ؟ أعلى أساس المال وحده يفعل ذلك ؟ ومن قال له أنني أقيم للمال أي وزن أو اعتبار من حيث المبدأ ؟ كانت عشرات الأسئلة تغلي في نفسي ، ومع ذلك تثاقلت عندما استدعاني أبي ، وأخذت أمشي إليه على مهل مبدية شيء من الحياء مشوبا بعدم الرضا عن كل ما حدث .. اتخذت مكاني في المجلس .. فابتدرني أبي سائلا : - هل سمعت ما قاله أخوك عصام ؟ - قلت على استحياء : سمعت جزء من الحديث .. - وما رأيك أنت ؟ - أنا أترك الأمر لك يا بابا - هل توافقين على شاب بمثل هذه الظروف التي ذكرها عصام ؟ - أية ظروف يا بابا .. كل ما سمعته منه أنه شاب مستقيم وذو خلق .. - قال عصام محتدا : لكنه لا يملك أي مقومات مادية للزواج .. والزواج كما تعلمين ، ليس أخلاقا حميدة فقط ،و.. ولكن له متطلبات للحياة والمعيشة .. - أعطاني تدخل عصام فرصة للتنفيس عما يجول بخاطري فقلت بحدة : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ، والمال في النهاية هو ملك الله يؤتيه من يشاء .. فليس مما يعيب الرجل أن يكون فقيرا في ماله ، وإنما ما يعيبه أن يكون فقيرا في دينه أو أخلاقه .. - نظر أبي إلى كل منا على حده .. ثم قال : أنني سأقابل هذا الشاب لأتعرف إليه بنفسي ، وعليك أن تنسي هذا الموضوع حتى أخبرك عن رأيي فيه .. وأنت يا عصام عليك أن تحدد له موعدا ليقابلني فيه .. - تلعثم عصام وهو يقول ساخطا : ولكني أبلغته برفضنا لهذا الأمر .. فكيف أذهب إليه ... - قال أبي محتدا : هذه مشكلتك أنت .. أنت الذي أوقعت نفسك فيها ، وعليك أن تخرج نفسك بطريقتك .. لكن عليك أن تحدد له موعدا .. بهذا الحزم أنهي أبي النقاش .. وأدركت من نظرات عصام الحانقة ، أننا على مشارف قطيعة قد تطول ، ولم يكن هذا أوانها .. أنا التي كنت غاضبة منه .. لكني تحاملت على نفسي لأكلمه .. لعلي أظفر منه ببعض التفاصيل عن هذا الخاطب .. لم يزد أن ذكر لي اسمه من بين أسنانه .. وأضاف أنه زميله في الكلية .. ثم قال حانقا : كنت أنتظر أن تؤيدي وجهة نظري .. فكيف لشاب بهذه الإمكانيات أن يتقدم لخطبة بنات الناس ؟ كدت أنفجر فيه ، لكنني تمالكت نفسي ، وقلت له : وأنت يا عصام ألست في ظروف أسوأ منه ، فمتى تخطب إذن ؟ قال بحزم : ولذلك أنا لا أفكر في هذا الأمر الآن .. ليس قبل أن أسافر إلى الخارج ، وأكوّن نفسي ، وأكون جديرا بأن أتقدم لمن أريد .. قلت في سخرية خافية : وعندها تختار من اشتريت لها الأثاث ، والأجهزة .. أو قد تشتري العروس التي تتناسب مع ما تقتنيه من أجهزة .. حلمي يا عصام أن أشارك شريك حياتي تأسيس بيتنا خطوة ، خطوة ، وأن أشعر أن كل ما نقتنيه هو ملك لنا معا ، وأنني شريكة فيه .. سوف أتعب معه .. فعلا .. أنا متأكدة من ذلك .. ولكن كل ركن في بيتنا سيكون سعيدا لأنه جاء من كفاحنا معا .. نظر إلي عصام مستنكرا ، أو لعله مستهجنا .. وتركني وتحرك نحو باب غرفته فأغلقه خلفه بعنف ، دون أن ينبس بكلمة واحدة ، وعندها أدركت أن قطيعة طويلة قد بدأت ، كان عصام صديقي ، وكثيرا ما غطيت في البيت على مغامراته .. وكنت آنس في الحديث معه ، كما كنت في أشد الحاجة إلى الاستنارة برأيه ، فهو كذلك الذي يعرف ذاك المتقدم لخطبتي .. لكن المسالة في النهاية مسألة مبدأ .. ولقد انتصرت في الخطوة الأولى .. لقد أرسيت مبدأ أن المادة ليست هي العنصر الأول ولا هي العنصر الأهم .. لكنني تساءلت : هل يكون رجلنا ذاك ممن يستحقون القتال من أجلهم ؟ أم أنه يكون غير ذلك ؟ أمام هذا السؤال توكلت على الله ، واعتمدت على حيلتي ، فإذا كان عصام قد قطع عني خيط المعلومات ، واكتفي بمقاطعتي ، لاختلافي معه في أمر من أخص خصوصياتي ، فقد لجأت إلى صديقة لي ، كانت خريجة نفس كلية عصام .. ذهبت إليها وسألتها عن اسم ذاك الشاب .. كانت الحروف تخرج من فمي متلعثمة ، ووجنتي قد احمرتا حتى صارتا لون الدم.. وشعرت بحرارة شديدة في أذني .. ونظرت إلى صديقتي بكل ما يمكن أن تنظر به فتاة إلى صديقتها في مثل هذه الحالة ، من خبث ، وإشفاق ، ودهاء .. ثم علت ضحكتها حتى أنار وجهها تماما ، وهي تتساءل : إذا فقد وقع ؟ تغابيت عن سؤالها ، وكررت سؤالي لها : هل تعرفينه ؟ قالت وعيناها تبرقان من السعادة : وكيف لا أعرفه وهو من أفضل الشباب في الكلية ، وهو بالمناسبة صديق عزيز لأخي ، وهو كذلك من أعز أصدقاء خطيبي .. ثم جذبتني من ذراعي ، نحو غرفتها ، ثم قالت انتظري لحظة .. عند أخي في ألبومه بعض صور له .. سأريك إياها .. وقبل أن أرفض أو أوافق ، وقد وجدت نفسي في موقف حرج ، وقد غلبني الحياء تماما ، كانت قد انصرفت من الغرفة .. كنت بيني وبين نفسي في غاية الحياء ، غير أنني وبعد سماع شهادتها تلك ، في غاية الشوق واللهفة لرؤية صورته ، ولتكوين فكرة ولو عامة عنه .. بعد قليل عادت صديقتي وقد أخرجت بعض الصور من ألبوم أخيها ، وأشارت إليه في أكثر من صورة .. لم تكن كلها صورا واضحة ، فقد كانت كلها صورا جماعية بين حشد من الطلاب ، أو الأصدقاء .. كل ما لاحظته بوضوح هو نحافته الظاهرة .. لم أبدِ رأيا ، وتحججت لها بان الصور غير واضحة .. لكنها لم تنس أن توصيني به خيرا ، وقالت لي مداعبة أرجو ألا تغاري من اهتمامي به ، فهو أصغر سنا مني وأنا أعتبره أخي الأصغر .. ولقد كانت تتراهن عليه فتاة من الكلية ، ولقد أرسلت له تحذيرا مع شقيقي لحمايته من حبائلها .. لقد كان نشطا جدا في العمل الطلابي ، حتى أطلق عليه زملاؤه وكذا الموظفون بها : لقب الزعيم ، وأهم ما يميزه حديثه إذا وقف خطيبا في مجموعة من الطلاب ، فله قدرة غير عادية على اكتساب التعاطف ، والتأثير في مستمعيه ... بين صلاة الاستخارة وبين استشارة صديقتي .. انشرح صدري مبدئيا لذاك الشاب .. غير أن بيني وبين معرفته خطوات كثيرة أهمها رأي أبي ، وهو وإن كان أبدى امتعاضا مما فعله عصام ، وأن هذا الامتعاض راجع في المقام الأول لأنه تجاهل رأي أبيه ، فأخذ المسألة مسألة كرامة وإثبات وجود ، إلا أن رأيي أبي لن يقل عن رأي عصام تعسفا من الناحية المادية ، فهو لن يرمي ابنته .. كما هو شائع في المجتمع ، ولابد أن يشترط شروطا مادية ستكون تعجيزية ولا شك لشاب في مقتبل حياته .. فيما بعد عرفت من وضع درج خزانة ملابسي أنه قد فتح في غيابي ، ونظرت إليه فلم أجد شهادتي الجامعية ، وتوقعت أن عصام قد جاء يبحث عن صورة لي فلم يجد ، حيث أنني لا أحب الصور ، ولا ألجأ إلى التصوير الفوتوغرافي إلا في الضرورات للأوراق الرسمية ، إذن فإن خاطبي ، لم يرني ، كما أنني لم أره ، وأنه سوف يتعرف علي من خلال صورة ، وللعجب ، فإن صورتي الموضوعة على الشهادة الجامعية ، هي قديمة جدا كذلك ، لقد كانت صورتي وأنا في الثانوية العامة !!! تركت درجي وتساءلت : أي خاطب هذا الذي يتقدم لفتاة لم يرها من قبل ؟ هل يمكن أن يكون من هذا النوع ؟ وتعقد جبيني من العجب ، وأنا أتساءل : هل يمكن أن يصدق قولهم : الطيور على أشكالها تقع ؟ أعرف أن الشباب مهما كان مستوى فكرهم ، ينجذبون إلى الفتيات من خلال الجمال والمظهر الخارجي ، فكيف لشاب لم ير فتاة أن يتقدم لخطبتها ، ومن أين له بصفاتي ؟ أو من أين سمع عني ، حتى يغامر هذه المغامرة ؟ انشغلت بهذه الأفكار فترة من الزمن ، شغلتني عن انقضاء الأيام حتى الموعد الذي ضربه له أبي لمقابلته .. لكنني كنت أكثر لهفة لرؤية هذا الشاب الغريب في تفكيره ، وتأكدت بعد ذلك من أن شهادتي الجامعية كانت مع عصام ، عندما فتشت درجي في اليوم التالي فوجدتها تحت بعض الأوراق .. لم أكن في وقت ما أكثر حنقا على عصام ، من حنقي عليه في هذه الأيام .. كنت في حاجة ماسة إليه .. إلى الحديث معه .. إلى الاستئناس برأيه .. إلى أن يحدثني حديثا مطولا عن صفات هذا الشاب ، وعن طريقة تفكيره ، ولماذا اختارني أنا على وجه التحديد ليتقدم لخطبتي .. عشرات الأسئلة ، لم يكن يعلم بإجابتها سوى عصام .. لكنه قاس جدا في غضبه ، وقاس جدا في قطيعته وخصامه .. هممت أكثر من مرة أن أكسر حاجز الصمت بيني وبينه .. لم يطاوعني الحياء ، ولم أكن رغم حاجتي إليه قد خف حنقي منه بسبب تصرفه في شؤوني دون مشورتي .. ألست أنا روح وكيان وإنسان من حقه أن يتخذ قراراته بنفسه ، أو على أقل تقدير يشارك في اتخاذها ؟ أما أنا طفلة بلهاء يقررون لي ما يحلو لهم ؟.. وتذكرت اقتراب الموعد الذي ربما قرر بناء عليه أبي مصيري دون الرجوع إلي .. لكن يحسب لأبي على كل حال ، أنه رد لي اعتباري أمام عصام ، وأنه أصر على رؤية الشاب بنفسه .. جاء الموعد ، وجلس أبي مع ضيفه فترة طويلة من الزمن ، كانت بالنسبة لي دهرا كاملا .. وحاولت أن أتشاغل ، وهرعت إلى غرفتي وأمسكت بالمصحف ، وحاولت عبثا أن أتلو بتمعن وخشوع .. لكنني وجدت نفسي بعد لحظات واقفة أصلي .. لم تكن صلاة استخارة ، لقد كانت صلاة حاجة ، لقد دعوت الله تعالى أن ييسر لي قضاء هذه الحاجة .. لقد أحببت هذا الشاب .. لم أره ، ولم أعرف عنه الكثير .. كلها خطوات على الطريق .. امتداح عصام لأخلاقه وتحفظه على إمكانياته ، ونور يشع من وجه صديقتي الحبيبة ، وهي توصيني به خيرا .. لكن هناك أشياء أبعد من ذلك تجذبني إليه تشعرني أنه هو .. هو صاحبي الذي أنتظره .. هو الطيف الذي ظل يتشكل في كياني منذ سنوات .. طريقة تفكيره .. إقدامه على الخطبة من فتاة لم يرها ولا يعرفها .. محاولته الخطبة في مثل ظروفه المادية .. لابد أنه شاب غير عادي .. دعوت ورجوت الله أن يوفقني للخير .. وشعرت في دعائي بالخشوع ثم بالسكينة ، ونسيت ، ولأول مرة منذ الصباح ، انقضاء الوقت ، وانشغلت حقيقة عن لقاء أبي به .. حتى نادتني أمي لبعض شؤونها ، فكنت في الصالة عندما انصرف وعاد إلينا أبي .. عرفت من وجهه الذي كان متهللا .. أنه سعيد أو على الأقل مرتاح .. اقترب مني أبي واحتضنني وقبلني في وجنتي ، وبين عيني .. كان السؤال يكاد يقفز على لساني ، أجابه أبي قبل أن أنطق به : شاب جيد يا منال .. جعله الله من نصيبك .. كنت في لهفة إلى التفاصيل .. وأقبلت أمي متهللة ومتحفزة ، كل عضو من أعضائها ينطق بالأسئلة ، ولجأت إلى غرفتي .. إلى وسادتي أحتضنها ، وصوتهم يأتيني .. أمي تسال بلهفة وأبي يجيب : كل الذي عرفته من حديثهم : أنه شاب جيد واثق من نفسه ، طموح ، غير خجل من إمكانياته ، له نظرة إلى المستقبل وإلى الحياة ، يبدو أن وضع أسرته وأهله جيد جدا ، لكنه يقدم نفسه قائلا ها أنا ذا .. لا يحب الاعتماد عليهم كثيرا ، رغم أنهم بما شعرت من حديثة نقطة هامة لصالحه تماما ، فمثل هذه الأسرة لن تترك ابنها يتعثر .. لم أسمع إلا هذا القدر من الحديث ، ووجدت نفسي ألجأ إلى نافذة غرفتي ، أفتحها ، وأنظر إلى السماء عبر سواد الليل ، وألق النجوم ، وأشكر ربي ، وانسابت دموع غزيرة على وجنتي ، وحمدت الله كثيرا ، وأنا أتساءل إذا كان هذا هو رأي أبي ، وهو من عرفته حريصا متشككا ، فماذا يمكن أن يكون رأيي فيه عندما أراه ؟ .. لم أدر على وجه التحديد ماذا كنت أفعل في هذه اللحظات .. ربما دمعت عيني كثيرا ، وربما حدثت نفسي بصوت مرتفع .. لكني حمدت الله كثيرا جدا أن شقيقتي لم تكن بالغرفة ، وأنها حينما جاءت كنت قد تمالكت نفسي ، ومسحت دموعي بطرف ثوبي ، وعاد إلي بعض اتزاني .. أقبلت أختي فقبلتني وهي تقول : مبروك يا منال .. بابا يقول أنه شاب جيد .. وقبلت أختي بحب ، ودعوت لها بصدق : بأن تلحق بي عما قريب .. لكنها عادت فذكرتني .. باق في الأمر خطوة مهمة .. هي لقائكما معا .. عصام يقول أنه بالتأكيد رآك من قبل .. لكن المهم رأيك أنت فيه ، ربما لم يعجبك .. كادت كلمة أن تخرج من فمي ، أمسكتها في اللحظة الأخيرة .. أنا متأكدة أنه لم يرني بعد ، كما أني متأكدة أنه سيعجبني .. لقد أعجبني .. روحه أعجبت روحي .. لقد تلاقت الأرواح ، وعندما تتلاقى الأرواح ، فليس للأجساد قيمة أو أهمية .. كنت بالطبع أحادث نفسي ، وهيهات أن أصرح بهذه الخواطر إلا له يوم يصبح أهلا لهذا الحديث ..
.
.
الاربعاء, 31 يناير, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








