القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

( الفن - الميديا ) في رمضان

  

( الفن – الميديا )  في رمضان

 

من نافلة القول وفضول الكلام: الحديث عن أن الفن يشكل وجدان الإنسان، وأن الميديا جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان المعاصر..

لم تعد الميديا تلفزيونا وسينما ومسرحا، فهي معك تلازمك أينما كنت على كمبيوترك الشخصي وعلى ( الموبايل )، وكثيرا تصاحبك في أحلام اليقظة والمنام على السواء..

 

لن أتقمص دور الواعظ الناصح فأقول وأكتب ما لا أفعل..

فأنا ببساطة من المتأثرين بالفن المرتبطين بالميديا..

أنا مثلك واحد من ملايين عشاق الفن الجميل، ولقد ارتبطت بنوع معين من الفنون فمازال يشكل وجداني قرابة ربع قرن من عمري..

مثلك أحب الفن وأعشق الجمال وأقدر الإبداع وأحترم حرية التعبير..

وأطرب للصوت الندي الذي يهدهد المشاعر ويهذب الأحاسيس تماما كالإبل التي يحث سيرها الحداء العذب..

لكني مثلك تماما تؤذيني الكلمة الخارجة واللفظة النابية والإشارة الجارحة والنكتة البذيئة..

 

من منا لا يتعرض في سيره في الشارع العام أو في وسائل المواصلات لسماع لغو يؤذي أذنه ويشوش عليه صفاء نفسه وروحه؟

 

كلنا ينفر من هذا اللغو وينأى بنفسه قدر الإمكان عنه..

 

وأنا مثلك من الذين يتألمون حين تسف الميديا وتبتذل، وتُعرض عن نقل كل جميل وكل طيب وكل راق، وتنقل لنا في بيوتنا وفي صحبتنا بذاءات المنحرفين والمشردين..

 

وأنا مثلك مضطر أن أسمع-  حين يسعفني اغماض عيني ترفعا – سيلا من هذا السفه في الإعلانات بين شوطي المباراة، أو في الفواصل بين كافة البرامج المحترمة الحوارية منها والأكاديمية والدينية والفنية.. فوصلات السفه لابد أن تلوث أذني وأذنك..

فهذا واحد ( حيتجوز والليلة فرحه يا جدعان وعاوز كله يبقى تمام).. وآخر حزين لأن أمه لم تسمه ( هيثم ) وكل أمنيته في الحياة أن يشرب الشاي في ( المَج ) – الفنجان –  أما عن فن استعراض الأفخاد فحدث ولا حرج..

الحديث في حال الفن في زمن (اللمبي) وما بعد (اللمبي) وبعد سيطرة العيال ( اللي حبت ) و ( اللي هربت ) و( وش إجرام ) وغيرهم على الميديا.. حديث قديم متهالك لا يقدم ولا يؤخر، ويرى فيه البعض نشر أكثر للإسفاف عن طريق لفت انتباه من لم ينتبه بعد – وأنا لا أعرف الذي لم ينتبه بعد لتلك السخافات على أي كوكب يعيش؟ -

 

لكن آية كريمة  سمعتها من الإمام ليلة أمس في صلاة القيام – التراويح – استوقفتني.. ووجدتني على غير إرادة مني أسقطها على حال الميديا الرديئة في حياتنا.. يقول المولى عز وجل في سورة النساء:

"  وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله

يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم

حتى يخوضوا في حديث غيره،

إنكم إذا مثلهم، إن الله جامع المنافقين

 والكافرين في جهنم جميعا "النساء 140

 

استوقفتني الآية وأُخذت بها، فلجأت إلى التفسير فوجدت في تفسيرها عند بن كثير قوله:

كما جاء في الحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر ( تفسير بن كثير للآية )ص 568 ج1 

وجاء في تفسير القرطبي ما أكد شعوري بأن الآية الكريمة تعالج فيما تعالج حالنا مع الميديا حيث يقول:

" فدل بذلك على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضى عنهم والرضى بالكفر، كفر. قال تعالى: ( إنكم إذا مثلهم ) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.... وورد مثل ذلك عن عمر بن عبد العزيز في جليس لشاربي الخمر....   فكل قرين بالمقارن يقتدي، وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.... قال عامة المفسرين – عن الآية – إنها محكمة، وروي جويبر عن الضحاك قوله: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة) ج5 418  النسخة الإلكترونية دار التراث للبرمجيات

 

وقع في نفسي إذا: أن كثيرا من الميديا تزخر بالمعاصي والسفه والبذاءة، ومع ذلك فنحن لا نملك تغيير صناعة الميديا فلذلك حسابات وارتباطات أخرى تماما..

وكل ما نملكه على الجانب الآخر هو تشجيع الفن الجميل ورواده وصناعه حتى يستوعب منتجي الميديا الرديئة أن الجمهور ( مش عاوز كده.. كده عيب ما يصحش )

لكن أضعف الإيمان أن نقاطع الميديا الرديئة خاصة في رمضان..

 

آسف لا أقصد أن أقول ( خاصة في رمضان )، فالمشايخ يقولون: ربُ رمضان هو رب سائر شهور العام..

والمسلم هو المسلم سواء في رمضان أو قبله أو بعده

ولكن أقصد أن يكون رمضان فرصة نستغلها في بدء مقاطعتنا لكل ما هو رديء وسيء وتافه ومخجل.. وكل معصية قد لانملك أن نغيرها أو ننهى عنها، لكننا بالتأكيد نملك ألا نقعد معهم وألا ندخلهم بيوتنا عبر شاشاتنا، وألا نحّمل نغماتهم واغنياتهم على الموبيل والكمبيوتر.. ونرد عليهم بنشر كل فن جميل والإعراض عن كل قبيح.

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.