القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

يا دارَ أرقمنا ( ورقة من ذكريات عاشق )

 

يا دار أرقمنا

 

يا دار أرقمنا

ورقة من ذكريات عاشق

 

يا دارَ أرقم حيث قام المصطفى                 يدعو إلى الرحمن سرا بالخفا

   تلتف به فتية الصحب الكرام                     تتابعوا والليل أنصف مرهفا

كم رفرف القرآن فوق نبيهم            كم شفت منه النفوس وكم شفا

كم أفلحت تلك الوجوه بسجدة           لو عودلت بسجود دهر ما كفى

فإذا قريش في الظلام تسللت            حيرى تدور لتستبين الموقف

مما رأوا من رائح أو مقبل             من دار أرقم يسترام ويحتفى

ويحدث الله النبي بوحيه                        وملائك الرحمات تدنوا طوفا

فالحق جل علاه مظهر دينه            الله أكبر من أحب ومن صفى

 

في دار أرقمنا، ولكل جيل دار أرقمهم، حيث روضة التربية والتأهيل ..

 في دار أرقمنا، وما أكثر الدور التي تنقلنا بينها في ذاك الزمان البعيد.

 غير أن دارا أم كانت هي مركز التوجيه..

 في مركز خدمة شبرا كان تجمعنا الأول..

تجمع ما إن تنضم إليه، لا يمكنك أن تتفلت عنه.

لأنك ببساطة تجد نفسك أولا، ثم تجد هدفا ،وتجد الحياة ،وتجد القيمة والقيم، وتنصهر في بوتقة الحب والأخوة .

 وتسمع مالم تكن تسمع، وتعرف مالم تكن تعرف..

كان ذلك قبل ربع قرن، حيث كان اللقاء الأول.

ولم يكن غريبا أن تخطو قدماي إلى هناك، بل كان الغريب حقا أن اتأخر إلى هذا الوقت.

 فقد كنت تواقا ،دائم البحث ،عن صحبة تعينني بقوة ،على ما آمنت به من أفكار ،استمددتها من مخزن كتب ،عثرت عليه مخبأ في مكان ما من منزلنا العتيق ،بعضها يرجع لأبي وبعضها لجدي ( رحمه الله ) ،وكلها ترمي عن قوس واحدة..

*******

بركن الجماعة زهر الأمل               بركن الجماعة فجر أهل

ونبع أثيل وظل ظليل                   وعطر ندي ومسك وفل

بركن الجماعة نصر أطل

 

*******

 

كنت وحدي ،أو اتصور أنني وحدي أمضي ،وعلى عاتقي عبء إعادة ذاك الجيل الذي أقرأ عنه ولا أراه إلا في مخيلتي،أو في ثنايا أحلامي.

 أين هؤلاء الفتية ؟

لا أكاد ألمح منهم أحد..

فآليت على نفسي أن أنتقي مجموعة من خيرة من عرفت من الزملاء في المدرسة والنادي والحي لأبدأ بهم..

محاولات مضنية مرت، منها ما هو ناجح ،ومنها ما هو مرير.

 كوننا فريقا للحي في كرة القدم ،متجانس الأخلاق ،متفاهم الأفكار ،متقارب الثقافة، فكان مختلفا عن أقرانه في السمات المميزة لجيلنا المتأرجح بين المراهقة والشباب،

غير أننا خطونا بفريقنا مرة واحدة نحو مسجد الحي، وفيه اصطدمنا لأول مرة في حياتنا بعالم غريب، حيث كان يسيطر على شباب المسجد مجموعة رأيناها في ضوء دراساتنا البدائية منحرفة الفكر، مجموعة نعرفها ونعرف انتماءها ومرجعيتها، لكن وصية بعدم تجريح الأشخاص والهيئات ،حفظتها ذات يوم تمنعني الآن من ذكرها، وإن لم تمنعني من تذكرها..

 

 واجهنا تلك المجموعة، ولم تكن لنا أدني خبرة بطرق المواجهة ،ولا كيفية المداورة والمناورة، فاعتمدنا على جرأة في الإقدام ،وخيالات أفكار استخلصناها من ثنايا الكتب، واعطيناها أبعادا ميلودرامية متأثرين بأفلام السينما، وتوكلنا على الله ومضينا ،فأزعجناهم وأزعجونا، وواجهناهم بقوة ،لكنهم كادوا يكسرون عظامنا الغضة الطرية، لولا لطف المولى ثم تدخل الأهل في الوقت المناسب..

وفي المدرسة كنت أعد أصحابا على أصابع اليد الواحدة، وأبني عليهم آمالا وأمانيَّ، وأنصب نفسي – بيني وبين نفسي – عليهم قائدا ،وكان مقياس الاصطفاء عندي، هو حسن الخلق ، فهم وحدهم من بين ألفي طالب أو يزيد لا يفحشون ولا يلغون، ولم أكن أدري أن منهم من كان يدرس الأسلوب الأمثل لجذبي نحو دار أرقمهم، وحين كنت أقترب إليهم لأبني بهم نواة أحلامي، كانوا يقتربون مني لضمي إلى دار الأرقم ..

وتلاقت الأرواح .. حيث هام الوجود بنا..

*******

ففيها تعلمت حب الإله وحب الرسول وحب الدعاة

وفيها عرفت طريق النجاة دروب الهداة ونهج الأباة

بركن الجماعة نصر أطل

 

*******

 

وخطوت نحو دار أرقمنا..

وكان المبنى يضم مسجدا بخدماته، وصالة للعب تنس الطاولة، ومسرحا، وصالة خارجية، وفي الدور الثاني غرفا لموظفين، غير أن قلبا كبيرا كان يحتوي كل هذا البناء بما فيه ومن فيه.. 

 

وفي دار أرقم اكتشفت لأول مرة سورة في القرآن اسمها سورة ( الذاريات ) قرأناها وحفظناها، وعرفنا تفسيرها، فطرنا بها فرحا كأنها للتو أنزلت، وكأنها أنزلت علينا ،أو أنزلت لنا، عرفنا فيها مفاجأة لم تكد تخطر لنا ببال تقررت كحقيقة عقدية ثابتة شكلت حياتنا كلها:

( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون

 إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين )

 

وفي دار أرقم عرفت لأول مرة فرعا من العلوم الشرعية اسمه السيرة النبوية، والسيرة النبوية حياة كاملة لمن أراد الحياة.

 وملكت السيرة علينا حياتنا فكانت شغفنا الدائم، وشغلنا الشاغل، وعشقنا المستمر.. وحين تقترب من السيرة ،فإن أعظم ما تستشعره ،معية النبي صلى الله عليه وسلم ،فمعه تمضي حيث يكون ..

 

وعندما خرجت من المسجد إلى المسرح سمعت لأول مرة في حياتي أناشيدا عذبة تسبيح وتهليل واستنهاضا للهمم والعزائم، فإذا بأحاسيس الشاعر الصغير تتفتح مع هذه الأناشيد فتصبح من موجهات الحياة..

 

أنا مسلم وعقيدتي تتضوع              بشذا الإيمان وخافقي يتمتع

أنا مسلم وعقيدتي فيها الثنا            وضاء من نور الإله يشعشع

 

   الله أكبر باســم الله مجراها                الله أكبر بالتقوي سنرسيها

الله أكبر قولوها بلا وجل               وزينوا القلب من مغزى معانيها

******

ملكنا هذه الدنيا قرونا                  واخضعها جدود خالدون

وسطرنا صحائف من ضياء             فما نسي الزمان وما نسينا

 

عرفنا أبا مازن ،وأبا الجود ،وأبا راتب ،وأبا دجانة.

وسرنا نتخطف ألبوماتهم الإنشادية عبر شرائط تأتينا مهربة ؛ ونتسابق في البحث عن كتب تجمع تلك الدرر الفنية الإيمانية؛

 وارتقت أذواقنا حتى ما عدنا نطيق إسفافا ولا أستخفاف..

 

*******

وفي روضها اعذب الأغنيات تذوب حنينا لها الكائنات

وفيها سأبعث لها الأمنيات ومعنى الأخوة معنى الحياة

بركن الجماعة نصر أطل

*******

 

وفي مسجدها ومرافقها عرفت أعظم ما في الوجود، أو عرفت سر الوجود.. عرفت الأخوة..

أوليست الأخوة فريضة من فرائض الدين ؟

الأخوة في الله إحدى الفرائض الغائبة في مجتمعي، حتى عثرت عليها في دار أرقم، أو كما يقول شيخي : " الأخوة إحدى قيم الإسلام المحنطة "

وفي دار أرقم بعثت فيها الحياة..

وارتوى القلب الجاف بالحب، فأورق وأزهر وأثمر حبا متراكبا فوق حب!

وفي دار أرقم كم بكيت وأنا أسمع تفسير قوله تعالى

 

" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ،

ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون "

 

وفيها عرفت أن بالحب وحده يحي الإنسان، وأنه بلا حب ميت ولو عاش جسده ألف عام!

ووعيت قوله تعالى

" إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله

 صفا كأنهم بنيان مرصوص "

 

وكان البنيان المرصوص هو نحن فكانت أجسادنا هي اللبنات وأرواحنا وقلوبنا هي الوشائج والدعائم ، ووقف ( بناء ) ماهر على البناء يرصه رصا فأحسن البناء وأجمل الصف.

تآخت على الله أرواحنا إخاء يروع بناء الزمن

وباتت فدا الحق آجلنا بتوجيه قرآننا المؤتمن

رفاق إذا ما الدجى زارنا ملنا محاريبنا بالحَزن

وجند شداد إذا رامنا لبأس رأى أُسدنا لا تهن

 

*******

وفيها تعلمت معنى الجهاد وكيف ألبي الدعا والندا

وكيف أدك حصون العدا وأمضي بدربي أزور الردى

بركن الجماعة نصر أطل

*******

 

وكان بي نهم لم يفارقني  للقراءة، وأدركت أن القراءة وحدها لاتكفي، فهي لا تصنع حياة..

وإنما هي تهذب حركتنا في الحياة،

فازددت بالقراءة نهما، لكنني شغفت كذلك بالحياة نفسها..

 وما كنت أقرأ عنه لم أعد أقرأ عنه فقط، وإنما سرت جزء منه أحيا فيه..

لقد مضيت مع رجال الله في الأرض ،وأصبحت واحدا من هؤلاء الرجال..

 أين تمضي القافلة فأنا معهم، ولم يعد للعيش قيمة إن لم يكن لله وفي سبيل الله..

ومضت قافلة رجال الله تأنس لنور الله وتطلق الخطى خلف رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) حثيثة، تعرف قصة الطريق كلها، وماضية هي برغمها.. لأن إشراقة مضيئة تجيء على أرواحنا في الختام، كما أشرقت على قلوبنا في البدء تقول:

 

"ظهر الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا" ..

 

مضت قافلة رجال الله تقطع المفاوز والعقبات، قد تتفرق بها الطرق لكن السبيل واحدة، وقد يبطئ بها السير أو يسرع ، لكن الغاية الكبرى، واضحة المعالم ،ثابتة الأركان ،لا يمكن أن تتبدل أو تتغير ..

ورجال الله لاحقون بها يوما لا محالة..

 

إلهي فإني وكلي ثبات دعوتك رب الورى والسماء

بأن تحفظن خطى الأنبياء وتحمي أرض الثنا والعطاء

بركن الجماعة نصر أطل

 

بركن الجماعة زهر الأمل               بركن الجماعة فجر أهل

ونبع أثيل وظل ظليل                   وعطر ندي ومسك وفل

بركن الجماعة نصر أطل

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 10 ديسمبر, 2007 03:10 م , من قبل ahmadshmees
من سوريا

السلام عليكم
مذكرة عاشق سليمة
ولكن ابيات يا دار ارقم لمن ؟ حيث استمع اليها بصوت السيد النشبندي وشكرا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.