القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

فرق سرعات ( قصة قصيرة )

 

فــرق سـرعــات

عرفته أول ما عرفته بشوشا باسما متفائلا مستهينا بالصعاب والعقبات يطوي على جناح الأحلام والأمل عراقيل الواقع..

سريع البديهة حاضر الدعابة عميق التعقيب على المواقف والأحداث عذب اللسان مالم يغضب..

 يُذكر أمامه الحب فيغيب عن الوجود..

ويذكر أمامه الحب فألمح الدموع تترقرق في عينيه..

 ويذكر أمامه الحب فيتورد وجهه النحيف الحاد حتى يستحيل لونه إلى لون الدم الحار المتدفق..

ويذكر أمامه الحب فيشع من قسمات وجهه الدفء،

ويذكر أمامه الحب فتنطق ملامحه بالسكينة والحبور

........  ......  .......

في فترة وجيزة عرفته كما لم يعرفه أحد..

متطرف العاطفة إذا شئت أن تصفه،

 شديد الحساسية،

متوهج المشاعر،

حاد الانفعال سريع التأثر ،

كتلة متقدة من الأعصاب قابلة للاشتعال في كل لحظة،

تطربه النظرة تحلق به فوق قمم السعادة،

تضنيه الكلمة..

يحرقه الشوق واللهفة،

 يذبل بريق عينيه الحاد أمام جفاف مشاعر من يحب..

 يغلف هذه الكتلة الملتهبة بطبقة سميكة من ثلج الوقار وبرد الهدوء وقناع من حكمة.. 

قليل هم من يثقبون طبقة الجليد لينفذوا إلى أعماقه،

 وكثيرون هم الذي يُفاجأون بنيران حممه إذا ثارت براكينه على غير توقع منهم ولا انتظار، رغم انها لا تثور أبدا إلا على من أحب أو تعشم أو أمّل..

أما الذين لم يحبهم بعد فهم خارج حساباته إن اخطأوا أو أصابوا،

 إن أحسنوا أو أساءوا،

يعيشون خارج عالمه، ويحيا خارج عالمهم،

 فويل للذين يحبهم من سطوة حبه..

 

عرفته ثم فرقت بيننا الأيام بضع سنين،

وسنين الغربة تمر مر السحاب تحسبها جامدة لكنها تفر من الأعمار بالأعمار..

وبلاد الغربة تنقلنا من مدينة إلى مدينة ومن موقع إلى موقع،

الغربة ترحال دائم بلا توقف أو استقرار،

وإلى نقطة البدء كانت العودة..

 قابلته فما كدت أعرفه..

ما ظننت أبدا أن تفعل فيه أفاعيل الزمن مافعلت وهو الطائر على بساط الريح فوق الزمن وفوق المكان..

دعاني إلى مسكنه،

ركبت معه السيارة،

أدار المحرك فانساب تلقائيا صوت ( إيمان البحر ):

حد فينا كان في حبه أناني

حد فينا مرة باع التاني

مين اللي ضيع في الهوى عمره

مين اللي حير في القلوب أمره

مين اللي فينا ما يستهلش التاني

 

بدأت أحادثه،

خفض صوت المسجل قليلا دون أن يغلقه..

قسمات وجهه تتلون مع مقاطع الأغنية..

 رغم تطرف عاطفته لم أعهده متأثرا بالأغاني العاطفية..

 يتسامى.. ربما!

يستهين.. جائز!

في مسكنه  تركني برهة وأحضر طعاما خفيفا مع الشاي،

كبس زر الكمبيوتر.. جلس امامي، بعد برهة طالعني وجه ( إيمان ) -عبر الشاشة-  يكمل ما بدأ شدوه في السيارة:

 

حد كان صابر وكان يتمنى يفرح

حد كان ظالم وكان دايما بيجرح

واحنا كنا اتنين سكتنا واحدة

كنا يوم قلبين في حكاية واحدة

بس واحد فينا مش نصيب التاني

مين اللي فينا مايستهلش التاني

 

        كلمات الأغنية وتألق دمعة تريد أن تفر من عينه جرس تحذير حالت دون فضولي الشديد ودون سؤاله..

احترمت صمته وشروده، تواصل صوت( إيمان ): 

حد عاش يحلم وكان حاضن دموعه

حد كان بايع وكان رافض رجوعه

واللي بينا وهم عشناه مالبداية

كل يوم بيمر بتموت الحكاية

مين اللي فينا ما يستهلش التاني

 

انتهينا من الشاي وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث..

أتحسس أخباره وتجاعيد الزمن على الوجه وحفره على غرف القلب..

تعددت اللقاءات فيما بعد،

ما أعجب هذا الإنسان!!

 ضاعت عليه عشرات الآلاف من الدراهم!

مرت عليه الكوارث المالية كأنها أضغاث أحلام سرعان ما يفيق منها!

تقلبت به الدنيا يوم حلو ويوم مر فيوم أمر!

فما نالت منه ولا نتفت من ريش جناحيه الأحلام والأمل!!

لم يهد قواه ويزعزع أمانيه سوى قسوة الحب..

كم مرة فهمت رسالته لي بألا أفتح الموضوع ولا أسأله بعدد المرات التي سمعته فيها يردد:

حد كان صابر وكان مستني يفرح

حد كان ظالم وكان دايما بيجرح

حد عاش يحلم وكان حاضن دموعه

حد كان بايع وكان رافض رجوعه

فهمت الرسالة لكنني لم أقتنع أو أصدق،

وهذا لم يثر فضولي فقط ولكنه حرك مع عنف الفضول مشاعر الشفقة والعطف، لم لا أتقمص شخصية رسول الغرام في الألفية الثالثة؟

لم أجرؤ على فتح الجرح،

حتى ولو حاولت فأنا موقن بأن قوى الأرض لن تقدر على استنطاقه،

أعرفه حينما يتشرنق في الجمود لن يبوح بسره ولا بسرها..

سيبقى إذا ما عاش يردد:

 

واللي بينا وهم عشناه مالبداية

كل يوم بيمر بتموت الحكاية

أخيرا اهتديت إلى طريقة أعرف بها شيء عن سره عن طريق بعض أقاربها جمعتني بهم الأقدار، إذ طوحت بهم الغربة حيث أقيم..

نعم كانت تحبه،

لم تحب أحدا في الحياة كما أحبته،

ولم تعرف الحب إلا معه وله.

نعم كانت تدرك عنف حبه لها..

أخيرا وقعت على السر الدفين..

هناك اختلاف ضخم في السرعات بين قلبه وقلبها..

بين مشاعره ومشاعرها..

أحاسيسه تتوهج في اللحظة التي يُلقى عليها عود ثقاب نصف متقد،

وأحاسيسها أيضا تتوهج لكن بعد أن تستهلك كمية من الوقود المناسب..

تستعذب شاعرية كلماته التي تنساب كدفقات قلب لا سلطان لعقل عليها ولا ينطق بها لسان، لكنها لا تستيطع محاكاتها، لا تملك قاموسه السحري في الحب والأشواق..

يتوهج أمامها وتنتظر منه المزيد تستزيده من عزف ألحانه العبقرية بصمتها المهيب الموغل في التأمل والحساسية فإذا به يلقي العود ويكسر القيثارة، ويصرخ في وجهها..

 هو لا يريدها جمهورا يعشق عزفه، وإنما عازفا يشاركه اللحن..

 

قد تعجب كما عجبت من الذين يتلظون بالحب كما يتلظى غيرهم بالضنى والحرمان!

أيقنت أن الذين أحرقتهم نار الحب تفحموا، والذين جدبت بهم الحياة تفحموا بفعل الصقيع..

 

أخيرا سلمت وتخليت عن دور رسول الغرام..

لا تلومني يا صديقي..

فأنت قد تنجح في حل عشرات المشكلات بين عشرات  البشر،

لكن جرب أن تحل مشكلة بين عملاقين..

 حاول..

وأضمن لك من البداية أنك لن تستطيع..

خاصة إذا كان بينهما فرق سرعات.

 

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 06 اكتوبر, 2008 07:31 ص , من قبل springtime3
من الجزائر

قصة فرق سرعات تعكس مشكلة الإبداع في الحياة الزوجية الذي طالما يفتقر إليه الأزواج . والقدرة على استعاب من نحب.خاصة إذا كان أحد أطراف هذه العلاقة لديه درجة من التميز ما يجعل الطرف الآخر عاجزا عن مسايرته وعن التزامن معه في سرعة التعبير عن مشاعره.ومن ثم الوقوف صامتا أمام غليان من يحب.فلا يكفي الشعور بالحب وحده مهما كانت درجته ، بل الأهم من ذلك أن نكون قادرين على المشاركة فيه وأن نكون على مستوى عطاء الطرف الآخر فلا يعقل أن أحد هذه الأطراف يعبر عن مشاعره بسرعة الضوء أما الطرف الآخر فلا يعبر إلا بسرعة السلحفاة المعمرة التى أثقلتها السنون .فالأرواح العاشقة مثل الفراشات الجميلة لا يجذبها إلا الضوء الذي على مستوى جمالها.لكن يبقى أن مستوى هذه القصة مقارنة مع حتى لا تموت الروح تعاني هي أيضا من فرق في السرعات،وتقبل مروري .شكرا.


اضيف في 10 نوفمبر, 2008 11:12 م , من قبل alaasaad19
من المملكة العربية السعودية

اختنا الكريمة

شكرا لمرورك ومتابعتك وتواصلك

في فرق سرعات كما جاء تحليلك الدقيق تتناول اهمية درجة التعبير عما يشعر به المحب فالتعبير فعل وعمل ، والشعور نية واحساس .. وقد تكون نية العبد خير من عمله .. لكن لابد من الفعل كذلك ..

وكون هذا الفرق الذي لاحظته حضرتك بين حتى لا تموت الروح وبين غيرها من كتاباتي .. كونها ( حتى لا تموت الروح ) تبقى دائما خارج المنافسة حالة خاصة ..

أختنا الكريمة احمل رسالة اليك من زوجتي الدكتورة خديجة فهي معجبة جدا بآرائك وتعليقاتك الواعية ونقدك البناء وتريد أن تلتقيك وتتواصل معك

ربما تجدين مشاركات لها على هذا الموقع
www.sona3.org
وجزاكم الله خيرا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.