العدوان الإسرائيلي على لبنان .. لا جديد تحت الشمس أثناء الحلقة الأخيرة من مسلسل الإعتداءات العسكرية الصريحة على أمتنا المتمثلة في العدوان الإسرائيلي الأرعن والمتغطرس والفاشل ، لم اجد في نفسي النهم المعتاد ولا حتى الرغبة في الكتابة ورفع صوت القلم عاليا والمشاركة مع جيوش الكتاب في إجلاء وحشية وبربرية آلة القمع الإسرائيلية ، التي لا تعمل بكامل طاقتها وكفاءتها إلا ضد العزل من المدنيين حين تتعطل قدرتها في مواجهة المقاومة المسلحة تسليحا خفيفا .. ولا الرغبة للمساهمة في شحذ الهمم واستصراخ الضمائر وإيقاظ النخوة العربية والعالمية .. وأنا لا أعزو هذه الحالة إلى أسباب ذاتية بقدر ما أرجعها إلى هيمنة الصورة الحية المنقولة عبر الفضائيات إلى الناس ، وصدق من قال ( الصورة لا تكذب ) .. فالتغطية الإعلامية المتواصلة والمواكبة لوقوع الحدث لحظة بلحظة لا تقبل التشكيك أو المزايدة ، وهي تغني عن كل بيان .. ربما استسلم قلمي أمام جبروت الصورة الحية والمتابعة المباشرة ، وحري به أن يستسلم فالمقارنة قاسية بين كاتب يكتب بقلمه من مكتبه وبين مراسل لقناة فضائية هو في الواقع نصف مقاتل في ميدان المعركة – نصف مقاتل من الناحية الميدانية لأنه يتعرض لكل ما يتعرض له المقاتلون من مخاطر لكنه غير مسلح ومن الناحية المعنوية مقاتل كامل من الطراز الأول لأنه يسعى وراء الحقيقة – الذين لا تحركهم فظائع النقل المباشر لجرائم الحرب أنى للكلمة المكتوبة أن تؤثر فيهم ؟ ومن أراد واعظا لإستنهاض همة أو تحريك نخوة فالصور الحية للموت الجماعي والدمار والخراب الشامل تكفيه ، وإلا فلا حياة لمن تنادي .. لم تتحرك إذا شهيتي للكتابة الإنشائية والبلاغية والوصفية ، بينما تحركت شهيتي للرصد والتحليل وقراءة المعطيات والمستجدات ، أو استخلاص النتائج ومحاولة قراءة مستقبل المنطقة في ظلها .. ومن القراءة الأولية ثم المستفيضة أيضا سادني الانطباع أنه لا جديد تحت الشمس على مختلف الجبهات والمحاور أو ربما كان الجديد قليلا جدا ، أقل من أن يرصد منفردا في غير الإطار العام من تقليدية المواقف خلال ربع قرن على أقل تقدير ، فالراصد والمحلل ليس بحاجة إلى استنطاق الجديد بقدر حاجته إلى تعزيز المفاهيم والمواقف التقليدية بحيث لا تبدو مواقف صادمة عند تكرارها في كل مرة وكأنها تحدث لأول مرة ، فما أشد سذاجتنا حين نحلل موقف هذا الطرف أو ذاك باعتباره حدثا فريدا مأساويا أو تآمريا كان أو تخاذليا أو حتى بطوليا .. لأنها في الواقع مواقف كربونية مكررة لا تقبل الاندهاش ولكنها تحتاج إلى تثبيت باعتبارها نمطية غير مرشحة للتغيير في المدى المنظور ، وبالتالي التعامل معها ومواجهتها والتغلب على السلبي منها – وهو الغالب الأعم – واستثمار الجيد – وهو الاستثناء المؤثر- التخطيط للمستقبل وصناعة سياسات المرحلة القادمة إذا هو عمل الكاتب وليس وصف الحدث وحجم الدمار أو البكاء على اللبن المسكوب ، فالأولى مهمة الصورة وهي تقنية ودقيقة ومهنية ومتطورة بما يكفي ، والثانية مهمة الشعوب المغلوبة وبقايا الأمم المندثرة أو على الأقل مهمة الحلقات الضعيفة من أجيال الأمم المتخلفة.. فماذا يمكن أن يرصد المحلل في هذه الحلقة العدوانية الأخيرة ؟ · غطرسة القوة الإسرائيلية وهمجيتها الوحشية واستنفارها التام والمتواصل بما يسقط أي أوهام حول التعايش فضلا عن التطبيع ، وهي عناوين عامة لا جديد فيها.. وبعيدا عن التحليلات والتأويلات الزاعمة أن أسر جنديين اسرائيليين كان سببا ما في شن هذه الحرب ، إن جاهزية الطائرات الإسرائلية للتدمير وسرعة رد الفعل بشن العدوان وهو ما ينتج دائما عن حالة حرب كاملة يعيشها المجتمع العبري بكامل التأهب والاستعداد وما يسبق المعركة من أعمال التخطيط والاستخبارات وحشد القوات وتطوير الأسلحة .. وإلا فإن إسرائيل كان بمقدورها استثمار حادثة الجنديين الأسيرين دبلوماسيا للحصول على نتائج مماثلة أو قريبة لما حصلت عليه من مجلس الأمن . وللمقارنة فقط بين غطرسة القوة العبرية وبين عقلانية الضعف العربي ، فإن جنودا حدوديين مصريين قتلوا بنيران إسرائيلية في ثلاث حوادث متفرقة أو أكثر وعلى مدار زمني تجاوز السنوات الثلاثة ، وكان التبرير الإسرائيلي أنها نيران صديقة ، والرد المصري حكيما ومتحليا بأعلى درجات ضبط النفس ، وهو الاستفسار عن أسباب إطلاق النيران على الجنود ، لأن النظام العربي الحكيم والعقلاني لا يبحث عن هيبة الردع ، ولا تغريه شعارات الذراع الطولى ، ولا تستفزه أي اعتداءات أيا كانت جسامتها للدخول في مواجهات غير محسوبة العواقب .. هذا هو الموقف القديم المتجدد على الجبهة العبرية · موقف المقاومة الإسلامية صمود متكرر – سيناريو عام 2000 يتكرر – فهذا الصمود لم يكن جديدا ولا غريبا وحتى التطور الواضح في العمليات العسكرية وقدرة الصواريخ على ضرب حيفا وما بعدها والتلويح باستهداف تل أبيب يمكن ارجاعه إلى سنوات من التدريب المستمر والتطوير الدائم والإعداد الطبيعي للقوة في منطقة مستهدفة استلهاما لأمر الله تعالى ( وأعدوا لهم ما ستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم ) الأنفال ، وليس جديدا أو غريبا كذلك السيناريو الذي تمت به العمليات العسكرية ، بين بسالة مستميتة في المواجهة ، واستهداف القوة الصهيونية الغاشمة للمدنيين والدولة اللبنانية ببنيتها الأساسية والاقتصادية ووحدتها الاجتماعية للضغط على المقاومة من الداخل والخارج .. مع استمرار حزب الله في المواجهة في غياب قدرة الجيش البناني عن الرد ، مما يكرس انطباع قديم لابد من تطويره إلى نظرية جديدة وهي تفكيك عصر الدولة وحصرها في مجلس إدارة أعمال المجتمع المدني ، باعتبار أن المقاومة اللبنانية قادت الصمود بعيدا عن إمكانيات الدولة .. المتغير الوحيد هو الرسالة الواضحة والمتبادلة بين المقاومة والحكومة اللبنانية للحفاظ على وحدة الصف والمجتمع اللبناني ، حزب الله قبل ما تقبل به حكومة لبنان وأعلن عدم تحديها أو إحراجها وهذا تعزيز لمبدأ المشاركة والإنضواء تحت لواء الدولة الأم ، وتجنبت الحكومة إدانة حزب الله أو اعتباره خارجا عن شرعيتها في بادرة إيجابية وجدية هي الأجدر بالرصد والتحليل والاستئثار بالانتباه .. لقد لعبت الحكومة اللبنانية في هذه الحرب دور المظلة السياسية للمقاومة اللبنانية بينما لعبت المقاومة دور الجناح العسكري – الجيش- المتقبل لسلطة الدولة المركزية . · المساندة الأمريكية سيناريو مكرر لا جديد فيه ، يصيبني الاستياء إلى درجته القصوى عندما ألمح انتقادا للموقف الأمريكي أملا في أن يكون موقفها أقل انحيازا وأكثر حيدة ، وهو الأمر الذي لا يصدر إلا عن ذاكرة مفقودة لم تستوعب مواقف التاريخ القريبة والبعيدة على السواء .. فليس مطلوبا ولا متوقعا من الولايات المتحدة إلا ما تقوم به فعليا باعتبار تلك الحرب حربا تخوضها إسرائيل بالإنابة – كما وصفها السيد حسن نصر الله - · العجز العالمي في اصدر إدانة للعدوان ليس جديدا ويسلط الضوء القديم المتجدد على الضعف والفشل التاريخي لهيئة الأمم المتحدة وفشل نظام الفيتو .. إنه حتى في ظل موازين متكافئة في القوة ، أو ثنائية أقطاب السيادة والهيمنة على العالم ، فإن نظام الفيتو كفيل بإفشال أي مشروع لقرار إدانة لما تتبناه الإدارة الأمريكية ، فهذه الهيئة التي وصفها رئيس الفيفا بأنها أضعف قوة وتأثيرا من الفيفا ( الاتحاد العالمي لكرة القدم ) وأعجز من أن تفرض قرارا أو تصنع واقعا ، ليس بالأمر المستحدث ، ولا هو بالمعول على تغييره في ظل الظروف العالمية السائدة .. · عجز الأنظمة العربية ليس جديدا ولم يبدوا مختلفا هذه المرة عن سابقاتها ، ربما الجديد هو وضوح خطاب المصالح وبروزه أكثر على حساب انتهاء الأيديولوجية والتوجهات القومية ، وهو ما يعتبر مبررا رسميا قدمه الحكام العرب في لحظات صدق تاريخية على تفكيك عصر الدولة وحصرها في مجلس إدارة أعمال .. لقد سقطت شعارات القومية ولم يكن سقوطها جديدا أو مفاجئا ولكنه استمرار واستثمار لسقوطها السابق .. أعلنتها الأنظمة بوضوح أن المصالح الداخلية – والداخلية فقط – هي اختصاصها وأن مسؤوليتها لا تتعدى ذلك .. فجيش مصر هو لحفظ أمنها الداخلي ، وما يطلق على مصر يمكن تعميمه بمنهجية على كافة أنظمة المنطقة .. · الغضب الشعبي عاطفي وجياش لكنه غير فاعل ولا مؤثر ، لأنه غير مؤسس على وسائل جديدة ومواصلة التركيز على الطرق التقليدية من مظاهرات وشعارات عنترية لتفريغ شحنات الغضب والكبت دون إبداع أو فاعلية .. مع هزلية التنظيمات السياسية الحزبية والتنظيمية وضعفها هي الأخرى – كما الحكومات – عن تلبية طموحات الشعوب في صناعة رد فعل قوي وضاغط ومؤثر ربما كان الجديد – منذ احتلال العراق - هو إعلام الفضائيات ودخول عصر المقاومة الإلكترونية على الإنترنت ، والرقمية على المحمول وتبادل الصور والأخبار والمعلومات .. لكن هذا الجديد على مستوى العمل الشعبي لم يستثمر بطاقته الكاملة بعد ، ولم يتعدَ الحوار الداخلي والتعريف المحلي بهموم الشعوب ، دون أن يشكل ضغطا على الرأي العام العالمي أو يؤثر على شعوب العالم المختلفة .. إذا كانت هذه هي المواقف التي تشكل من وجهة نظري حقائق يجب تثبيتها في العقل العربي والمسلم للتخطيط للمستقبل في ضوئها بعيدا عن التشنجات الصاخبة أو التعويلات الوهمية على قوى خيالية – لا لضخامتها ولكن لإنعدام وجودها في الوقت الراهن - ، فما هي أهم ملامح المرحلة القادمة ؟ - عصر الشعوب على حساب تفكيك أهمية وتقليص دور الحكومات المركزية .. أو ما يطلق عليه المفكرون ( الأمة في مقابل الدولة ) ، أو بعبارة أخرى عصر مؤسسات المجتمع بأنواعه المدني منها – اجتماعي واقتصادي وإعلامي وتعليمي ، والعسكري – حزب الله وحماس – والسياسي – الأحزاب السياسية – لقد تخلت حكومات المنطقة طواعية بعد طول هيمنة عن دورها الاقتصادي الداعم للمواطن بدخولها عصر الخصخصة الاقتصادية ، في الوقت الذي تتزايد فيه نغمة تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني وقيامعها بدور اجتماعي ، مع انعدام الدور القومي للحكومات ، وهو ما يجب أن يهدد الهيمنة المطلقة للحكومة وأن ينحصر دورها في أعمال السلطة المدنية التنفيذية لحفظ الأمن والنظام . إنني من خلال هذه القراءة أدعو معارضي الأنظمة في المنطقة والعاملين على تغييرها ، والساعين إلى مواجهتها بطرق المواجهة المختلفة ، والمنادين بالإصلاح السياسي ، أن يوفروا جهودهم وطاقاتهم – كلها او جزء منها – لإقامة كيانات بديلة عن هذه الحكومات وتقوية مفهوم الأمة المسلمة ، على غرار تجربة حزب الله وحماس .. والعمل في خط موازي للحكومات القائمة بتعريفها الجديد متجاهلة سطوتها الاخذة في التقلص ، والتي دفعت رئيس حكومة دولة عربية كبرى للتصريح بأن شعب دولته يتدلل على الحكومة وأنه يعتبرها ( ماما ) ، وأن عصر ( طبطب ودلع ) الحكومي قد انتهى .. وعلى العاملين في مجالات الاصلاح المختلفة أن يستثمروا تصريحاته بالاعتماد على الذات الشعبية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني وتفكيك مفهوم عصر الدولة والعمل التطوعي ، وتنشيط دور المجتمع – الأمة – وتحديد سقف موضوعي للمطالبات الشعبية من الحكومات العاجزة فبدلا من المطالبة بفتح باب الجهاد وهو مطلب تعجيزي في ظل أوضاع مهترئة ، يمكن ترشيد هذا المطلب الشعبي إلى الضغوط الدبلوماسية بشرط أن تكون حقيقية وضاغطة وفاعلة .. مثلا نقبل باتفاقيات عدم إعتداء شريطة أن تكون من جانبين وليس من جانب واحد ، وأن تحل جميع المواقف بالدبلوماسية ولا تحل بالقوة الغاشمة من طرف وضبط النفس من الآخر .. فاستدعاء السفير ، وطرد سفير المعتدي ، والتلويح بتجميد العلاقات الرسمية – المجمدة شعبيا - وتفعيل دور المقاطعة الاقتصادية التي أثبتت نجاحها في التجربة الدانماركية شعبية وحكومية وتجارية – والانسحاب الجماعي لممثلي دول العالم الإسلامي من الأمم المتحدة ، والتهديد بتجميد العضوية .. كلها وسائل في مقدور أضعف الدول عسكرا واقتصادا أن تقوم بها ، إذا توفرت لها الإرادة وإذا توفر الشغط الشعبي الفاعل من إضراب وتجميد لمرافق الحياة والاعتصام بالميادين العامة ، وغير ذلك من الوسائل التي يمكن ابتكارها في هذا المجال فأي عقوبات تم فرضها على فنزويلا ( العربية المتحدة ) تجاه ما قامت به من موقف مشرف ؟ وماذا لو كانت تضامنت معها مصر والأردن ومورتانيا وتركيا والدول الإسلامية التي بينها وبين إسرائيل علاقات سياسية واقتصادية ؟ أهم نتائج الحرب الأخيرة على فلسطين ولبنان أن حزب الله فعل ما لم تفعله الحكومات العربية ( بالجملة والقطاعي ) ، وأن حماس الحكومة – وهي معذورة – لم تقدم ما قدمته حماس المقاومة .. بل إن وصول حماس إلى الحكم في السلطة التنفيذية الفلسطينية لم ينفك لحظة واحدة عن المقاومة ، ولم يكن على حساب تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية .. وكلا التجربتين يدعمان نظرية بناء قوة الشعوب والأمة ومؤسساتها بديلا عن مطالبة الأنظمة الضعيفة والقمعية بالاستقواء بالأمة .. علاء سعد حسن 15/8/2006م
.
.
الاربعاء, 16 اغسطس, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








