القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

( صلتي بالإخوان 2 - 3 )

( صلتي بالإخوان 2 - 3 )


ولا شك أن التراث التربوي والفكري والفقهي الذي تركه علماء وكتاب ومفكرو الإخوان قد ترك أثرا كبيرا على العقل المسلم عموما ، وباعتباري أحد الذين تعرضوا لهذا التراث ، ومازالوا يتعرضون قد فرض علي شكل معين من الثقافة ، فلا يمكن تجاهل دور كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق ، ولا أثر كتابات وأطروحات الشيخ الغزالي والدكتور القرضاوي ، وكتابات وأفكار سيد قطب ، وكذا كتابات مصطفى السباعي والبوطي وعبد القادر عودة والتلمساني وفتحي يكن وسعيد حوى والراشد وعبد الكريم زيدان ومنير الغضبان وغيرهم ، على ثقافتي وفكري ، أو تستطيع أن تقول أثر ذلك على عقلي بشكل عام ..

لقد تعلمت إذا من فكر الإخوان المنشور وهو متاح لكل قارئ وليس بحكر على احد ، ولكني تعلمت كذلك من شرح هذا الفكر وسط حلقات من أنتجوه داخل المدرسة الإخوانية ذاتها ، واستفدت من التطبيق أو الشرح العملي والاستطراد الضافي بحيث لم تعد المصطلحات الإخوانية مبهمة عندي ، ولم تعد تعطي مدلولا غير ما أريد لها أن تعطي ، ولا أقصد بذلك أن لغة الخطاب الإخواني مبهمة في ذاتها ، ولكن أقصد أن بعض المصطلحات الإسلامية عموما هي مما غابت بشكل ما عن الواقع المعاصر مما غيبها بالتالي عن عقل وتصور المسلمين ، فمصطلح بسيط مثل الأخوة الإسلامية وما تطلبه بداية من سلامة الصدر إلى مرحلة الإيثار وأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه وربما أكثر ، هي من المصطلحات المبهمة تطبيقا وإن لم تكن مبهمة لغة وعقلا ، فالحديث النظري عن الأخوة وإن طال وتشعب لا يمكن أن يحمل الإنسان المسلم أن يجد لنفسه فجأة أخا في الله يؤاخيه ويشعر نحوه بهذا الحب الخالص الذي يجمعهما على الله ويفرقهما عليه كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة ، ما لم يكن هناك مجتمعا خاصا يعد البيئة المناسبة لتبني مثل هذه العلاقات ويقيمها كنموذج حي واقعي ..
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يعمد بعض المناوئين للأفكار الإسلامية عموما والتنظيمية منها على وجه الخصوص إلى إلقاء الشبهات وإدعاء عدم الفهم وقلب الأمور والحقائق لإشاعة جو من الغموض والضبابية على بعض المصطلحات والأطروحات ،و العمومية والامعقولية على أطروحات أخرى ، بحيث يظل الطرح الإسلامي - أو إذا توخيت الدقة قلت الطرح البشري المستنبط من أحكام الإسلام الكلية يظل مبهما ضبابيا غامضا أو فضفاضا غائما لا يصلح للتفصيل على الواقع بصورة محددة قابلة للتطبيق بشكل عملي في أذهان الناس ، وبالتالي يتم رفضه بشكل عام وقاطع ..

والانضمام إلى البيئة الإخوانية يتيح للفرد فرصة للتعرف على تلك المبادئ عن قرب وعلى طرق تطبيقها على أرض الواقع ولو في مجموعات صغيرة لكنها تعطي مثالا واضحا لما يمكن أن يكون عليه التطبيق في مساحات أوسع وعلى مجتمعات أكبر..

على سبيل المثال الإخوان يتحدثون كثيرا جدا عن التربية ، بل هم في الواقع أكثر التيارات حديثا عن التربية .. تربية الأفراد وتربية المجتمعات والشعوب وتربية الأمة ، وكان لابد من الالتحاق بمعامل التربية هذه للتعرف من خلال المعايشة عن ماهية هذه التربية ، وما هي وسائلها ، وما مفهومها عند الإخوان ، وما هي صعوباتها ، وما معوقاتها ، والتعرف على مخرجاتها ونواتجها ومردودها ، وكذا أوجه القصور في وسائلها ، وما يمكن أن يضاف إلى تلك الوسائل أو يحذف منها ، لاسيما وأن التربية عند الإخوان ليست نظرية فلسفية أو جدل بحثي ، ولكنها تجربة حية قائمة وإليها يرجع الدور الأكبر في حفظ كيان الجماعة وتماسكها ، فالتربية في الإخوان - وليس الهيكل التنظيمي - هي أقوى دعائم الجماعة ، وإن كانت التربية والتنظيم متداخلين بشكل ما في جماعة الإخوان ، إلا أنه بفرض فصمهما عن بعضهما يبقى لعنصر التربية النصيب الأكبر في قيام الجماعة واستمرارها ،

ومن الغريب حقا أن جماعة كبيرة بحجم الإخوان المسلمين لا يمكن أن تسقط أو تنتهي في حال غياب هيكلها التنظيمي بالكامل لأي ظرف طارئ ولو كان التعرض لمحنة قاسية أو قاسمة ، وذلك بفضل التربية فيها ونظامها الأسري القائم على الأخوة الإسلامية والعلاقات الفردية المتينة وما يتم تأصيله من خلال هذه التربية على التعارف والتكافل والتكامل ، ومن استطاعة تدارس المفاهيم والمواقف في حلقات مصغرة تعمل على توحيد أو تقارب المفاهيم وضبط الانفعالات والمواقف وردود الأفعال في ظل أحلك الظروف والأحوال

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.