القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

تعلمت من الإخوان (1 )

تعلمت من الإخوان

 

مقدمة ..

 

تدفعني ميولي المتواصلة للكتابة والبحث إلى تناول جماعة الإخوان المسلمين لأسباب كثيرة من أهمها

1 – ثقتي الكبيرة وأملي الدائم في قدرتها على إحداث التغيير والإصلاح المنشود على مستوى العالم الإسلامي الكبير ، أو على الأقل المساهمة في إحداثه ..

         2– أنها بطبيعة الحال كبرى الجماعات التنظيمية العاملة على الساحة الإسلامية وأوسعها انتشارا وأكثرها اعتدالا وانفتاحا وتعاطيا مع الأحداث والمستجدات

3– طبيعة الأحداث السياسية والاجتماعية والدعوية التي لا تكاد تخلو من تماس أو احتكاك ما مع تيار الإخوان المسلمين ..

 

وما دمت احد المهتمين بالشأن العام والمتعرضين له ، فإني أكون بالضرورة متعرضا بشكل شبه دائم لجماعة الإخوان المسلمين وهي على احتكاك شبه دائم كذلك مع هذا الشأن .. ولا يمكنني بذلك تجاهل وجود جماعة الإخوان ولا تيارها المتنامي إلا إذا تجاهلت الشأن العام كلية أو تجاهلت واحدا من أهم عناصر صناعته والتأثير فيه ، خالدا إلى الدعة أو كما يقولون مريحا ومستريحا ، وقد يفعل الكثيرون ذلك ، لكنني لست منهم لأن تجاهل الحقائق أو الأمور الواقعة لا يعني عدم وجودها على الأرض ، ولكن يعني عدم إلمامنا بها  أو إدراكنا لأهميتها أو لعدم قدرتنا على التعمق في فهمها باعتبارها ظواهر حقيقية موجودة .. وهؤلاء الذين يخلدون للدعة ما كان لهم أن يتصدوا للشأن العام ، لأنهم بتجاهلهم الحقائق الواقعية بسبب كرههم النفسي الدفين لوجودها  أو جهلهم بطبيعتها يعرضون أنفسهم لسخرية المجتمع الذي يصفهم بالسطحية أو الانحياز ..

ولأنني موقن أن الإخوان المسلمين كجماعة وكفكر وكمنهج ووسائل ما هي إلا نتاج اجتهادات بشرية وجهد بشري يقبل الخطأ والصواب ، وإن اعتمدت في فهمها واجتهادها على مصادر الإسلام الأصلية ، فالتجربة البشرية تصيب وتخطئ وهذه هي طبيعة البشر ، فإنني في ملاحقتي الكتابية للأحداث والمواقف وكذا المناهج أجدني منتقدا أحيانا أو متفقا مع بعض ما يصدر عن الإخوان من أفعال واجتهادات ورؤى وأطروحات ، ومختلفا مع بعض آخر مما يصدر عن الجماعة نفسها ، وهنا أجد نفسي في حرج بالغ بيني وبين نفسي من جهة وبيني وبين كثير من أصدقائي من جهة أخرى .. أشعر بالحرج البالغ بيني وبين نفسي حيث عاهدتها على عدم التعرض بالنقد لتيار دعوي عامل ولو كنت محقا ، وذلك لأنه في النهاية محاولة جادة وقوية لإثراء الحياة الدعوية ، ولأنني مؤمن أنه لا سبيل لإقامة بناء شامخ بهدم بناء آخر بالضرورة ، بل الساحة الدعوية بها متسع لجميع العاملين ، ما لم تتضاد جهودهم ولا تعوق بعضها بعضا ..  فلا تقيم  صرح للدعوة على أنقاض آخر ، وماذا لو كنت في الجماعة وانفصلت عنها ؟

أليس في الصدر المسلم متسعا لثقافة ( تسريح بإحسان )  .. ما الذي يدعو المختلفين أن يفجرا ولو كانا متخاصمين ، فما بالنا باختلاف التنوع والتعدد والتباين لا خلاف التضاد التناحر والخصومة ؟

وأجدني في حرج بالغ مع أصدقائي الأحباب وقد يظنون أنني أنقد نهجهم عامدا لعقدة في النفس أو تبرئة من التزام خلقي وأدبي سابق ..

في المقابل من هذا الحرج النفسي والاجتماعي البالغ ، أيقنت أنني لا يمكن أن أتجاهل وجود تيار مثل الإخوان ، ولا يمكن كذلك أن أجامله بالموافقة على طول الخط ، ولا يمكن كذلك أن أكتب بطريقة انتقائية فأعلق على ما يحملني على المدح والثناء ، وأتغاضى متعاميا عما يحمل على غير ذلك ، فأحفظ بتلك الانتقائية ود إخواني ، واستقرار نفسي .. لابد لمن يتعرض للشأن العام أن يتصف بالنزاهة والموضوعية والتجرد والدقة والأمانة ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وستمضي الأحداث بحلوها ومرها وسنتفق ونختلف وسأكتب ما حييت إن شاء الله مرات مع ومرة ضد ..

 

وأخيرا وبعد طول تدبر رأيت أنني لا محالة متناول جماعة الإخوان المسلمين ، وأحببت أن أبدأ بما هو محبوب للنفوس المجبولة على حب الثناء والرفق ، وأن أبدأ بالإيجابيات قبل السلبيات وإلى المحاسن الكثيرة قبل العيوب القليلة وإلى ما نتفق عليه قبل الخوض فيما قد نختلف فيه أو حوله .. ليكون ذلك أدعى إلى قبول الرأي  وتوقع النزاهة والتجرد من صاحبه ، حتى إذا جئنا إلى سلبية ما تم مناقشتها دون خلفيات مسيئة ولا اعتبارات شخصية مختلفة ، ويظل الحوار متواصلا من أجل الوصول إلى الأفضل دائما ..

 من أجل هذا وقد كنت قد تورطت وأؤكد – قد تورطت – في كتابة بعض المقالات والتعليقات على قضايا إخوانية كانت ملحة في وقتها وفي زمن الكتابة عنها خاصة إبان الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة بدافع من حرصي ومن توقعي المندفع لتقبل آرائي باعتبارها اجتهادات تقبل الخطأ والصواب لكنها  لا يمكن أن تقبل أن تكون تحاملا أو تجريحا .. ولكنني أدركت ، ربما بعد فوات شيء من الأوان .. أن اختلاف التراكيب اللغوية وغموض بعض المعاني ، وشعور البعض بالمرارة من جراء الهجوم المتعسف وغير المبرر من جهات إعلامية ومن أقلام كثيرة أقل ما توصف به  أنها منحازة كليا ضد الجماعة ، ما يجعلني رغما عني وعن كتاباتي عند بعض القراء في طائفة المهاجمين المتهجمين ..

وأحاول من خلال هذه السطور أن أستدرك ما فاتني ، فأبدأ بنشر الإيجابيات مشيدا بفضل الإخوان علي ،و أكتب عن ماذا تعلمت منهم ، ولقد تعلمت منهم الكثير ، وساهمت الجماعة بلا شك في تكوين شخصيتي وفكري وثقافتي واتجاهي في الحياة ، ومن حقها علي أن أكتب عن التجربة من هذه الزاوية البيضاء المشرقة أو أن أكتب عنها باعتبارها صاحبة فضل ومعروف علي ..

 

وهو الأسلوب الأمثل للمحافظة على تآلف القلوب وسلامة الصدور وتآخي الأرواح ..

دون التورط في المجاملة أو اللجوء إلى المغالاة ، إنما إحقاقا لحقائق واقعة ..

ولقد رأيت أن أكتب تحت عنوان : "بعض ما علمني الإخوان" .. ذلك العنوان المغري الجذاب الذي استخدمه الأستاذ عمر التلمساني ، أو : "هكذا علمني الإخوان" .. على غرار ( هكذا علمتني الحياة ) للأستاذ مصطفى السباعي – رحمهما الله – لكني لم أتجاسر فاخترت عنوانا أقل مكانة وأخفض رنينا ، هو : "تعلمت من الإخوان"

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.