القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

سينما الإخوان !

سينما الإخوان
تابعت ما أثير عن اعتزام الإخوان إنتاج فيلم عن الإمام حسن البنا .. وما صاحب ذلك من جدل حول السيناريو ومن يكتبه؟، والممثلين المقترحين للقيام بالدور وكذلك مكان التصوير..
والحقيقة أنني أرى أن فيلما يجسد شخصية وتاريخ الأستاذ حسن البنا – عليه رحمة الله – يجب أن يكون على مستوى الفيلم العالمي الرائع ( عمر المختار ) للمبدع الراحل مصطفى العقاد، فإذا كان المختار ( أسد الصحراء ) هو أحد أبرز حلقات سلسلة قادة الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال والغزو الخارجي لديار المسلمين والتي تشهد أسماء عبقرية من أمثال سليمان الحلبي وبن باديس وعبد القادر الجيلاني وأحمد عرابي ومصطفى كامل وعز الدين القسام وغيرهم، فإن أثر البنا على الحياة المصرية وعلى مستوى العالم الإسلامي أكثر عمقا وامتدادا كونه لم يكن مقاوما أو زعيما حربيا ولم يكن ثورة على أوضاع داخلية وخارجية فحسب، ولكنه ترك المدرسة الأكثر بعدا وأثرا في الحياة الإسلامية امتدت إلى يومنا هذا، وهي مؤهلة للاستمرار والبروز في المستقبل، وهذا النوع من القادة في عصورنا الحديثة قليلون من أمثال الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا..
لذلك فإن فيلما عن شخصية وتاريخ البنا لابد أن يكون عالميا وأن يكون مبهرا، ولا يكتفي أن يقدم صورة لتاريخ الرجل ولكنه يرسم الملامح الأساسية لفكر النهضة الإسلامية وخصائص التصور الحركي للعمل الإسلامي وسمات الدعوة الإسلامية الحديثة والمعاصرة، وأن يكون بمثابة حوار حضاري راقي للتعريف داخليا ( داخل المجتمعات المسلمة ) بطبيعة المشروع الفكري والحضاري للحركة الإسلامية، وخارجيا ( على المستوى العالمي ) بطبيعة دين الإسلام وسماحته وخصوصيته..
فهل يستطيع الإخوان المسلمون في أول تجربة لهم أن يقدموا فيلما على هذا المستوى المأمول؟
وأنا لا أناقش قدرات الإخوان المادية والبشرية والفنية التي تؤهلهم للإقدام على إنتاج عمل بهذا الحجم وتلك الأهمية، فهم أدرى بذلك، ولكني أناقش تاريخ سينما الإخوان.. فعلى حد علمي أن الإخوان ليس لهم تاريخ في السينما، ولم يقدموا أي عمل سينمائي من قبل، والذي أراه أن يبدأ الإخوان أولا بتقديم سينما الإخوان عن طريق تقديم عدد من الأفلام السينمائية الاجتماعية والتاريخية والسياسية تكون تجربة وتمهيدا وصقلا للإقدام على تقديم فيلم ( حسن البنا ) .. والإخوان يملكون بكل تأكيد مقومات تقديم سينما حقيقية وقيمة من خلال ثلاث عوامل قوية ومؤثرة جدا في الإنتاج السينمائي أولها النصوص الأدبية من روايات وقصص وهو ما يطلق عليه في عرف السينمائيين مصطلح ( الورق ) والذي يعتبر العقبة الرئيسية في طريق تقديم سينما جيدة ، والإخوان يملكون رصيدا كبيرا ومتميزا جدا من الورق الجيد في مختلف المجالات ، يكفي في ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – روايات الدكتور نجيب الكيلاني المتميزة والتي تصلح لأن تكون أفلاما سينمائية من طراز فريد من أمثال ( رجال وذئاب – وحكاية عبد المتجلي وزوجة عبد المتجلي – وليالي تركستان – وعذراء جاكرتا – حارة اليهود - الظل الأسود – عمر يظهر في القدس – أميرة الجبل – حكايات طبيب- عمالقة الشمال – مملكة البلعوطي – ملكة العنب – حكاية جاد الله....... ) وهي روايات تتنوع بين الاجتماعي والتاريخي والسياسي والعاطفي ، كما قدمت له السينما المصرية من قبل ( ليل وقضبان ) الذي فاز بجائزة مهرجان ( قرطاج ) ..

وثاني هذه العوامل القدرات المالية التي تتيح إنتاج جيد ومتميز ، والإخوان يملكون ذلك وعندهم من رجال الأعمال من يستطيع تمويل أعمال سينمائية جيدة ، والأهم أنهم يملكون جمهورا كبيرا يمكن من خلاله الحصول على إيرادات تغطي التمويل وتحقق أرباحا استثمارية ..
والعامل الثالث : هو توفر الكوادر البشرية ، ليس بالضرورة في المجال الفني ، ولكن التنوع في الكوادر والزخم البشري يتيح للإخوان اختيار الكفاءات المختلفة وتدريبها وتوظيفها ..

إن الوضع الحالي يدعم بقوة دخول الإخوان إلى عالم السينما أو تقديم ما يمكن أن نطلق عليه سينما الإخوان بحيث تكون التجارب المختلفة مقدمة تراكمية لإنتاج عمل ضخم ومؤثر عن ( حسن البنا ) ، والظروف التاريخية التي تدعم دخول الإخوان بثقلهم إلى صناعة السينما كثيرة منها :
1 – رغبة الإخوان أنفسهم التي عبروا عنها من خلال إعلانهم عن التحضير لإنتاج فيلم عن البنا
2 – حالة التواصل والحوار والانفتاح مع كافة قطاعات المجتمع من خلال ما أسفرت عنه الانتخابات المصرية الأخيرة، ومن خلالها يمكن تجسير العلاقة مع قطاع أهل الفن ، ويعتمدون على الكوادر الموجودة فعلا لتقديم أعمال مميزة
3 – توفر مصادر التمويل والجمهور معا
4 – وجود عدد من الفنانين الملتزمين في الوسط الفني يمكن أن يساعد على تجسير العلاقات
5 – رغبة جمهور ونقاد السينما في إنتاج سينمائي متميز يعتمد على أدب محترم ، وتعطش الجميع لذلك في ظل ما تعانيه صناعة السينما من أزمة نصوص .
6 – ظاهرة الفنانات المحجبات العاملات في المجال الفني واللاتي يستطعن أن يملأن أدوار المرأة بما لا يتعارض مع القيم الإخوانية في نظرتهم العامة لضوابط ظهور المرأة في الأعمال الفنية ..
إن استثمار هذه الظروف والاعتبارات يعتبر المقدمة الطبيعية لصناعة سينما الإخوان قبل أن يكون فيلم حسن البنا هو المحطة التجريبية الأولى فيها ، بما تحمله التجربة الأولى دائما من مخاطر ومعايب يمكن تفاديها بتراكم الخبرة والنضج ..

__________________

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.