كيف نصنع فنًّا ملتزمًا لابد لنا في المقام الأول أن نعترف بأننا بحاجة إلى الفنِّ، وأن مقياس ذلك المجتمع كله، الذي يعتبر الفن مصدرًا من مصادر الترويح عنه، والمساهمة في تثقيفه وتربيته، وعلينا أن نعترف أن طبقة العلماء والدعاة ومن يحملون هموم الأمة أولئك الذين تُلهيهم التبعات والمسئوليات عن بعض حظوظ أنفسهم، وأولئك الذين يترفَّعون عن المباحات لاضطلاعهم بما تنوء بحمله الجبال.. هذه الطبقة لا يمكن أن تكوِّن المجتمع المسلم كله، وعلينا أن نعترف أن الفنَّ الهابطَ والمسفَّ يسيطر على منصة التوجيه والتأثير في الملايين من أبناء المجتمعات الإسلامية، وأن هذه الملايين تحتاج إلى الترويح والترفيه حاجةً ماسة، وأنَّ فضول الأوقات لدى هذه الملايين يجب أن يُستغل فيما لا يضر، إن لم تُستغل فيما ينفع، وأننا مطالبون لذلك أن نقدم لهذه الملايين فنًّا ملتزمًا يرتقي بالذوق، ويسمو بالمشاعر، ويهذب الأحاسيس، وأن صناعة الفن تخضع لمحاور ومقاييس، ولقد شعرت الحركة الإسلامية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت بأهمية الفن الملتزم، فقدم مسرح الإخوان المسلمين بمصر عشرات المسرحيات في ذلك الوقت وقاد حركة المسرح الإسلامي الشيخ عبد الرحمن البنا أخو الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة، عن تقرير بعنوان (مسرح الإخوان المسلمين.. البداية.. رومانسية) للباحث أحمد عز من موقع (إسلام أون لاين). والجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرحمن البنا الذي حاول قبل وفاته إكمال "الفتح الرباني في شرح مسند الإمام أحمد الشيباني" الذي بدأه والده- وهو العضو البارز في دعوة الإخوان المسلمين والمرشح فيما بعد لخلافة أخيه "حسن البنا" في قيادة الإخوان المسلمين- هو الذي قاد حركة مسرح الإخوان، لكن هذا الاهتمام المبكر لم يتم تطويره- بسبب العديد من الظروف الخارجية والداخلية- ليواكب الفنون المستحدثة في عصرنا الراهن.. واليوم ونحن نتساءل عن كيفية صناعة فن ملتزم ندرك أنه ليس عندنا أزمةٌ في الإبداع ولا في المواهب والطاقات الفنية كتابةً وأداءً، في مختلف الفنون التي تستطيع أن تنافس الموجود، وتُخرِج الرديء منه من سوق الفن، وتقود حركة الفن وتحول مساره كله إلى الالتزام، واحترام أخلاق المجتمع المسلم ومبادئه، لكنَّ مشكلتنا الأساسية لصناعة فنٍّ ملتزم تكمُن أولاً في إدراكنا لأهمية هذا النشاط وحاجتنا الماسة إليه، ثم اعتمادنا على آليات صناعة الفنِّ الناجح تسويقيًّا، فلئن كنا نملك المضمون الجيد والشكل المناسب إذًا تبقى عمليات التمويل والتسويق هي العقبة الأكبر أمام هذا النوع من الفنِّ؛ وللتغلب على هذه العقبة لا بد من توفر مجموعة من العوامل: 1- جمهور عريض من الملتزمين، يتقبل هذا اللون ويحرص عليه ويشجعه، ويعمل على شرائه وتسويقه والدعاية له، فالفن الملتزم كغيره من أنواع الإنتاج الفني، يحتاج إلى تمويل ضخم، وتسويق جيد في زمن التسويق التجاري للجمهور، فلو أعرض عنه جمهور الملتزمين والمتدينين ولم تتقبله باقي شرائح المجتمع.. معنى ذلك أن هذا الفن الملتزم سيُحكَم عليه بالإعدام في مهده. 2- محاربة النسخ والاعتداء على حقوق الملكية الإبداعية والفكرية، وهي العقبة الكئود التي تواجه عملية إنتاج الفن الملتزم، على جمهور الملتزمين أن يدرك أن هذه الأريحية التي كانت تحكم العلاقة قديمًا بين المبدع والمتلقي باعتباره مبدعًا إسلاميًّا يبتغي بعمله مرضات الله تعالى، وأنه لا ينتظر من إبداعه مقابلاً ماديًّا، وأن الفن الإسلامي- إن جاز التعبير- هو ملك للتيار الإسلامي عمومًا، هذه النظرة يجب تعديلها اليوم وليس ذلك قدحًا في إخلاص المبدعين الملتزمين ولا في تجرُّدِهم، ولكن لما يكلفه هذا النوع من الإبداع من تكاليف مادية باهظة تعتمد أساسًا في استرجاع ما تم إنفاقه على تمويل الجمهور الملتزم نفسه، وإلا عجزت قدرة المبدع المادية عن الاستمرار في الإنتاج، وإنِّي لأعجب من بعض المُلتزمين الذين يعتَدُون- في سبيل حصولهم على فنٍّ راقٍ- على حقوق الآخرين المادية، كيف يسمحون لأنفسهم أن يحصلوا على عمل جيد دون مقابل مادي؟! 3- الاستثمار الاقتصادي المؤسس في مجال الفن الملتزم، كما ذكرنا أن عملية الإنتاج الفني تحتاج إلى تمويل ضخم، وأن هذا التمويل يعجز عنه كثير من المبدعين والموهوبين في مجتمعاتنا، فيبقى حلمًا في صدورهم أو أمنيةً في نفوسهم لا ترى النور، على أن عملية الاستثمار في مجال الفنون إذا ما توفرت لها عناصر النجاح والإبهار تدرُّ عائدًا ماديًّا كبيرًا، وإلا ما تسابقت شركات الإنتاج المختلفة على صناعة الفنون وتسويقها لتحقيق العائد المادي الضخم، ولو كان ذلك بفتح سوق نخاسة جديد على حساب قيم المجتمع وأخلاقه. 4- الدعم الإعلامي والصحفي للفنِّ الملتزم ورموزه ومنتجيه ومبدعيه عبر الصحافة والإذاعات والفضائيات الإسلامية.. إن الفنان الملتزم يقدم إبداعَه في ظروف غاية في الصعوبة؛ لأنه يقدم لونًا غير مألوف في دنيا الفن، ويبدو إبداعُه غريبًا حين يلتزم بالقيود والضوابط في زمن تُستباح فيه كل الضوابط؛ وهو لذلك يتعرَّض لهجومٍ شديدٍ من النقاد والصحفيين التقليديين؛ لذا فهو في حاجة ماسَّة لتلقِّي الدعم والتوجيه والنقد من التيار الملتزم الذي يوجِّه إبداعه إليه في المقام الأول، فعلَى صحافتنا الإسلامية أن تخصص صفحات فنيةً لمتابعةِ هذا الإبداع والإنتاج ودعمه وتشجيعه. 5- قبول الاجتهادات والآراء الفقهية في سعة صدر لا تصادِر حقَّ الآخرين في الاجتهاد؛ بحيث يُتاح لكل مدرسة فقهية أن تعبِّر عن نفسها بنوع أو لون من الفنِّ الملتزم الخاص بها بما يضمن لهذا الفن التنوع والتعدد في الأشكال والقوالب، مع الحفاظ على روح المضمون الهادف الملتزم بأدب الإسلام، مع احترام القواعد الفقهية المعتبرة التي تقرِّر بوضوح أن الاجتهاد لا يردُّ الاجتهاد، وأن المسائل الخلافية بين العلماء لا يجب النهي فيها عن منكر ولا الأمر فيها بمعروف. -------- * كاتب وباحث إسلامي .
ويعتمد العمل الفني أيًّا كان نوعه على محاور أساسية يخرج من خلالها للنور، وأهم هذه المحاور هي: الفكرة أو المضمون أو الرسالة، والهدف الذي يتم العمل من أجله، والشكل أو القالب أو الوسيلة التي يتم إخراج العمل الفني فيه، والتسويق التجاري للعمل الفني بهدف الانتشار، وتحقيق العائد المادي من وراء هذه العملية برمتها، ونحن نعيش الآن في مرحلة الفن التجاري بحيث تسيطر عملية التسويق التجارية على المحاور الأخرى فيبدأ العمل الفني بالسؤال عن كيفية ترويجِه وتسويقه أولاً، ثم وضع الشكل أو القالب الذي يضمن هذا التسويق، بغض النظر عن محتواه أو مضمونه.
أساليب عملية لدعم صناعة الفنون
إخوان أون لاين - 10/06/2004

.
.
الاحد, 07 مايو, 2006
أضف تعليقا
اضيف في 07 مايو, 2007 10:37 م , من قبل alaasaad19
من المملكة العربية السعودية
من المملكة العربية السعودية

مستر رامي
شكر الله لك مرورك وتعليقك واهتمامك
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.











من الأردن
جزاك الله عنذا كل الجزاء ... فعلا اصبحت لدي بعض الحجج التي اجد لها مرد واضح بعد كتاباتك ...