القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

الفن الملتزم كيف نساهم في صناعته ؟

أساليب عملية لدعم صناعة الفنون

إخوان أون لاين - 10/06/2004


دائمًا يثور الرفض بين الملتزمين إزاء الفنِّ الهابط وصور الإسفاف التي تقدَّم من خلال هذا الفن، ويطالب كثيرٌ من جمهور الملتزمين بتنقية ما يقدَّم في وسائل الإعلام المختلفة من هذه الصور المستفزة لمشاعر المسلمين من المجون أو الخلاعة أو الانحلال الديني والخلُقي، مع المناداة الدائمة بالبديل الملتزم، أو ما يُعرَف بالفن الإسلامي الراقي.. وبين هذا الشجب لما هو هابط، والمناداة بما هو جيد ملتزم.. تثور عدة أسئلة هامة للمشاركة الفعالة والحقيقية في صناعة هذا الفن الملتزم، بدلاً من الاكتفاء بمجرد الرفض أو المناشدة، بعيدًا عن اتخاذ الخطوات الفعالة التي تسهم في صنع هذا النوع من الفن وتجعله حقيقةً واقعةً في عالم اليوم، ومن أهم هذه الأسئلة:

 

هل نحن في حاجة إلى الفن؟!

هذا السؤال هو أهم الأسئلة التي تَطرح نفسها على الساحة الإسلامية عندما يثار موضوع الفن، ولا شك أنه قد يثير كثيرًا من الجدل بين الملتزمين أنفسهم، خصوصًا مع تباين الاتجاهات والمذاهب الفقهية والرؤَى الفكرية تجاه قضية الفن؛ ولحسم هذا الخلاف والجدل يمكننا أن نقول جازمين إننا نحتاج إلى كل ما احتاج إليه مجتمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام- رضوان الله عليهم- ولقد عرف الإسلام الفنون لاسيما فنون اللغة، وشجَّع عليها.. مثل الشعر، والنثر، والخطابة، والإنشاد، والأراجيز، الذي أجازه النبي- صلى الله عليه وسلم- خلال الحرب والسفر، كما ورد أمره بذلك لعائشة رضي الله عنها في الأعراس (راجع تفصيل ذلك كله في كتاب الإسلام والفن للدكتور يوسف القرضاوي).

 

وهي الفنون التي كافأت متطلبات عصر النبوة، ووضعت المجتمع المسلم على قدم المساواة في مواجهة المجتمعات الأخرى، وعلينا أن ندرك أن أنواع الفنون الموجودة اليوم ما هي إلا تطورٌ طبيعيٌّ لتلك الفنون التي سادت في المجتمع الإسلامي الأول، وكثيرٌ من الفنون الحالية ظهرت إلى الوجود نتيجة تطور التقنية في إنتاج وسائل الاتصال والعرض، مثل الإذاعة، والسينما، والتلفاز، ثم الفضائيات.. وما إلى ذلك.

 

هذا التطور الطبيعي للفنون يجعلنا لا نتوقف طويلاً أمام نوع الفن، بقدر ما يجب أن نتوقف أمام مضمونه أو رسالته، والشكل الذي يؤدَّي به هذا الفن، فلقد بدأ الفن شعرًا وإرجازًا وإنشادًا، وتطورت هذه الألوان فيما بعد إلى القصة والرواية مع تطور حروف الطباعة التي اخترعها "جوتنبرج" في عصر النهضة الأوروبية، ولم ينكر المسلمون هذا اللون الجديد من الفنون، ودخلوا حلبة الإبداع فيه، ثم تحولت الرواية والقصة إلى دراما تمثيلية، وهنا فإن من واجب الملتزمين أن يواكبوا ويكافئوا وسائل ومتطلبات العصر، مع الحفاظ على روح الشرع الحنيف وضوابطه (الحديث عن الضوابط والمعايير التي تحكم الفن الملتزم نفرد له موضوعًا خاصًّا إن شاء الله).

 

وظائف الفن

إن حاجتنا للفن تنبُع من وظائف الفن ذاته: وللفن وظائف يؤديها داخل المجتمع المسلم، ووظائف يؤديها خارجه، ومن الوظائف التي يؤديها داخل المجتمع:

 

أ- وظيفة ترويحية في الأعراس والأعياد والمناسبات المختلفة، وهو ما تقدم أن حثَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- عليه، وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت" (إحياء علوم الدين).

 

ب- وظيفة تثقيفية يجب أن يؤديها الفن في المجتمع فينقل إليه النافع من الثقافات والمعارف.

 

ج- وظيفة تربوية؛ حيث إن المناخ الفني المحيط بالإنسان لاسيما النشء والشباب يشكِّل بيئةً تربويةً تؤثر فيهم بشكل مباشر، وتؤثر كذلك في القيم التي يكتسبها الأفراد في المجتمع.

 

أما الوظيفة الخارجية للفن فيعتبر الفن هو الوعاء الذي ننقل من خلاله ثقافتنا وتراثنا وقيمنا إلى الآخرين، ونعرفهم بنا عن طريق هذا الوعاء الإبداعي.

 

المحاور الأساسية في العملية الفنية

 

ويعتمد العمل الفني أيًّا كان نوعه على محاور أساسية يخرج من خلالها للنور، وأهم هذه المحاور هي: الفكرة أو المضمون أو الرسالة، والهدف الذي يتم العمل من أجله، والشكل أو القالب أو الوسيلة التي يتم إخراج العمل الفني فيه، والتسويق التجاري للعمل الفني بهدف الانتشار، وتحقيق العائد المادي من وراء هذه العملية برمتها، ونحن نعيش الآن في مرحلة الفن التجاري بحيث تسيطر عملية التسويق التجارية على المحاور الأخرى فيبدأ العمل الفني بالسؤال عن كيفية ترويجِه وتسويقه أولاً، ثم وضع الشكل أو القالب الذي يضمن هذا التسويق، بغض النظر عن محتواه أو مضمونه.

 

كيف نصنع فنًّا ملتزمًا

لابد لنا في المقام الأول أن نعترف بأننا بحاجة إلى الفنِّ، وأن مقياس ذلك المجتمع كله، الذي يعتبر الفن مصدرًا من مصادر الترويح عنه، والمساهمة في تثقيفه وتربيته، وعلينا أن نعترف أن طبقة العلماء والدعاة ومن يحملون هموم الأمة أولئك الذين تُلهيهم التبعات والمسئوليات عن بعض حظوظ أنفسهم، وأولئك الذين يترفَّعون عن المباحات لاضطلاعهم بما تنوء بحمله الجبال.. هذه الطبقة لا يمكن أن تكوِّن المجتمع المسلم كله، وعلينا أن نعترف أن الفنَّ الهابطَ والمسفَّ يسيطر على منصة التوجيه والتأثير في الملايين من أبناء المجتمعات الإسلامية، وأن هذه الملايين تحتاج إلى الترويح والترفيه حاجةً ماسة، وأنَّ فضول الأوقات لدى هذه الملايين يجب أن يُستغل فيما لا يضر، إن لم تُستغل فيما ينفع، وأننا مطالبون لذلك أن نقدم لهذه الملايين فنًّا ملتزمًا يرتقي بالذوق، ويسمو بالمشاعر، ويهذب الأحاسيس، وأن صناعة الفن تخضع لمحاور ومقاييس، ولقد شعرت الحركة الإسلامية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت بأهمية الفن الملتزم، فقدم مسرح الإخوان المسلمين بمصر عشرات المسرحيات في ذلك الوقت وقاد حركة المسرح الإسلامي الشيخ عبد الرحمن البنا أخو الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة، عن تقرير بعنوان (مسرح الإخوان المسلمين.. البداية.. رومانسية) للباحث أحمد عز من موقع (إسلام أون لاين).

 

والجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرحمن البنا الذي حاول قبل وفاته إكمال "الفتح الرباني في شرح مسند الإمام أحمد الشيباني" الذي بدأه والده- وهو العضو البارز في دعوة الإخوان المسلمين والمرشح فيما بعد لخلافة أخيه "حسن البنا" في قيادة الإخوان المسلمين- هو الذي قاد حركة مسرح الإخوان، لكن هذا الاهتمام المبكر لم يتم تطويره- بسبب العديد من الظروف الخارجية والداخلية- ليواكب الفنون المستحدثة في عصرنا الراهن..

 

واليوم ونحن نتساءل عن كيفية صناعة فن ملتزم ندرك أنه ليس عندنا أزمةٌ في الإبداع ولا في المواهب والطاقات الفنية كتابةً وأداءً، في مختلف الفنون التي تستطيع أن تنافس الموجود، وتُخرِج الرديء منه من سوق الفن، وتقود حركة الفن وتحول مساره كله إلى الالتزام، واحترام أخلاق المجتمع المسلم ومبادئه، لكنَّ مشكلتنا الأساسية لصناعة فنٍّ ملتزم تكمُن أولاً في إدراكنا لأهمية هذا النشاط وحاجتنا الماسة إليه، ثم اعتمادنا على آليات صناعة الفنِّ الناجح تسويقيًّا، فلئن كنا نملك المضمون الجيد والشكل المناسب إذًا تبقى عمليات التمويل والتسويق هي العقبة الأكبر أمام هذا النوع من الفنِّ؛ وللتغلب على هذه العقبة لا بد من توفر مجموعة من العوامل:

 

1- جمهور عريض من الملتزمين، يتقبل هذا اللون ويحرص عليه ويشجعه، ويعمل على شرائه وتسويقه والدعاية له، فالفن الملتزم كغيره من أنواع الإنتاج الفني، يحتاج إلى تمويل ضخم، وتسويق جيد في زمن التسويق التجاري للجمهور، فلو أعرض عنه جمهور الملتزمين والمتدينين ولم تتقبله باقي شرائح المجتمع.. معنى ذلك أن هذا الفن الملتزم سيُحكَم عليه بالإعدام في مهده.

 

2- محاربة النسخ والاعتداء على حقوق الملكية الإبداعية والفكرية، وهي العقبة الكئود التي تواجه عملية إنتاج الفن الملتزم، على جمهور الملتزمين أن يدرك أن هذه الأريحية التي كانت تحكم العلاقة قديمًا بين المبدع والمتلقي باعتباره مبدعًا إسلاميًّا يبتغي بعمله مرضات الله تعالى، وأنه لا ينتظر من إبداعه مقابلاً ماديًّا، وأن الفن الإسلامي- إن جاز التعبير- هو ملك للتيار الإسلامي عمومًا، هذه النظرة يجب تعديلها اليوم وليس ذلك قدحًا في إخلاص المبدعين الملتزمين ولا في تجرُّدِهم، ولكن لما يكلفه هذا النوع من الإبداع من تكاليف مادية باهظة تعتمد أساسًا في استرجاع ما تم إنفاقه على تمويل الجمهور الملتزم نفسه، وإلا عجزت قدرة المبدع المادية عن الاستمرار في الإنتاج، وإنِّي لأعجب من بعض المُلتزمين الذين يعتَدُون- في سبيل حصولهم على فنٍّ راقٍ- على حقوق الآخرين المادية، كيف يسمحون لأنفسهم أن يحصلوا على عمل جيد دون مقابل مادي؟!

 

3- الاستثمار الاقتصادي المؤسس في مجال الفن الملتزم، كما ذكرنا أن عملية الإنتاج الفني تحتاج إلى تمويل ضخم، وأن هذا التمويل يعجز عنه كثير من المبدعين والموهوبين في مجتمعاتنا، فيبقى حلمًا في صدورهم أو أمنيةً في نفوسهم لا ترى النور، على أن عملية الاستثمار في مجال الفنون إذا ما توفرت لها عناصر النجاح والإبهار تدرُّ عائدًا ماديًّا كبيرًا، وإلا ما تسابقت شركات الإنتاج المختلفة على صناعة الفنون وتسويقها لتحقيق العائد المادي الضخم، ولو كان ذلك بفتح سوق نخاسة جديد على حساب قيم المجتمع وأخلاقه.

 

4- الدعم الإعلامي والصحفي للفنِّ الملتزم ورموزه ومنتجيه ومبدعيه عبر الصحافة والإذاعات والفضائيات الإسلامية.. إن الفنان الملتزم يقدم إبداعَه في ظروف غاية في الصعوبة؛ لأنه يقدم لونًا غير مألوف في دنيا الفن، ويبدو إبداعُه غريبًا حين يلتزم بالقيود والضوابط في زمن تُستباح فيه كل الضوابط؛ وهو لذلك يتعرَّض لهجومٍ شديدٍ من النقاد والصحفيين التقليديين؛ لذا فهو في حاجة ماسَّة لتلقِّي الدعم والتوجيه والنقد من التيار الملتزم الذي يوجِّه إبداعه إليه في المقام الأول، فعلَى صحافتنا الإسلامية أن تخصص صفحات فنيةً لمتابعةِ هذا الإبداع والإنتاج ودعمه وتشجيعه.

 

5- قبول الاجتهادات والآراء الفقهية في سعة صدر لا تصادِر حقَّ الآخرين في الاجتهاد؛ بحيث يُتاح لكل مدرسة فقهية أن تعبِّر عن نفسها بنوع أو لون من الفنِّ الملتزم الخاص بها بما يضمن لهذا الفن التنوع والتعدد في الأشكال والقوالب، مع الحفاظ على روح المضمون الهادف الملتزم بأدب الإسلام، مع احترام القواعد الفقهية المعتبرة التي تقرِّر بوضوح أن الاجتهاد لا يردُّ الاجتهاد، وأن المسائل الخلافية بين العلماء لا يجب النهي فيها عن منكر ولا الأمر فيها بمعروف.

--------

* كاتب وباحث إسلامي .

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 14 ابريل, 2007 07:38 م , من قبل Mr_Rami
من الأردن

جزاك الله عنذا كل الجزاء ... فعلا اصبحت لدي بعض الحجج التي اجد لها مرد واضح بعد كتاباتك ...


اضيف في 07 مايو, 2007 10:37 م , من قبل alaasaad19
من المملكة العربية السعودية

مستر رامي

شكر الله لك مرورك وتعليقك واهتمامك




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.