القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

دعـــــــــاء

 

دعـــاء[1]

من ذا الذي رأى هذه الكتكوتة ، وظن أنها ناجية من مخالب الحياة ؟

كتكوتة  يغطي جناحيها زغب خفيف ، منكمشة في نفسها ، كأنها غرقت منذ لحيظات في مسقى الماء ، لا يكاد ريشها يجف ..

دعاء ذات السنوات العشر منكسرة ذليلة ليس لها جهد لتنوح مع أختيها النائحتين ، وليس بين ضلوعها قلب يمنحها البرد ، وسكّينة المصيبة الساخنة تقطع فيه دون رفق أو هوادة ..

عيناها تدوران في محجرهما بحثا عن أمان .. سعيا وراء تكذيب خبر ، حواسها الصغيرة تدرك أنه حقيقة جاثمة لا مرد لها ، ومشاعرها البريئة تتمسك بأهداب أمل مستحيل الوقوع ..

هي لن تراه ،

لا يمكنها بعد اليوم أن تراه ،

لن تقف في النافذة بعد اليوم كما كانت تفعل منذ سنوات تنتظر موعد قدومه ،حتى إذا لمحته من بعيد ،تسللت في هدوء وخفة حتى لا تسبقها إحدى أختيها إليه ، تفتح باب الشقة برفق مشفقة من صرير مفصلاته التي تحتاج إلى تزييت ، وهي تعض على شفتيها الصغيرتين غيظا من ضجيجه الذي يفسد عليها مفاجأتها ،

منذ متى وهي تعد نفسها أنها في الليل ستقوم باختلاس قطرات من زيت من المطبخ لتكتم هذا الصرير ، ولكنها تنسى حتى موعد قدومه التالي ..

على بسطة السلم أسفل الشقة تمد كفها الرقيقة إلى كفه المغضنه.. تتعلق برقبته .. يحملها ويلثم خديها ويتنفس رائحة شعرها الأصفر المموج .. تسمع صوت تهدج أنفاسه اللاهثة .. وغالبا ما يمنحها نقودا ..

على باب الشقة تنتظرها الأم بنظرة عتاب قاسية وهي تصيح بها :

        ألف مرة قلت لك أن أباك مريض .. لا يستطيع أن ( يأخذ أنفاسه ) بعد هذا المشوار وصعود السلم ، وأنت تتعلقين به ، ستقطعين أنفاسه في المرة القادمة ..

 

أمها تنهرها وتخوفها بموت أبيها ..

ما هو الموت ؟ هل حقا ممكن أن يموت أبوها ؟

هل ممكن أن يغيب عن وجودها كله ، تبحث عنه في غرفتي الشقة فلا تجده ، وتنتظر قدومه ولا يجيء ؟

كم مرة أرعبتها الفكرة حتى سهرت باكية ،وقد جافاها النوم فتضامنت الأفكار السود مع الخيالات الطفولية المتعملقة على جدران الغرفة وسقفها ، فانكفأت على نفسها لا تدري كيف ولا متى نامت ،إلا حينما تستيقظ على توبيخ أمها لها، في ذات اللحظة التي تشعر فيها ببلل في ملابسها وفراشها ، ونظرة حنق وتبرم في عيني أختها الكبرى التي طالت ملابسها رائحة ، وهي تتملص من النوم بجوارها على الفراش المشترك ..

في أعماقها تهتف و أصابع الأم تفرك أذنها حتى يكاد الدم يقطر منها .. في أعماقها تهتف :

آه يا ماما لو تهجرني هذه الأفكار السود والأشباح التي تطاردني حتى أكاد أموت رعبا !

 

        رغم كل خيالات الليل المضنية لم تستطع أن تكبح نفسها عن عادتها في استقباله ، ورغم فكرة الموت التي لا تكاد تتوقف من فم أمها ، إلا أنها لا تصدقها .. خيالية هي مثل ( البعبع وأبو رجل مسلوخة ) ..

 

رقيق هو كالنسمة ، يوزع حنان قلبه المكدود على بناته وزوجته ، غير ما يخصها به من حنو خاص وتدليل زائد ، ( فدعاء ) آخر العنقود ..

لم تفهم أبدا نظرة الألم في عينيه وهو يشيعها بنظراته في رواحها ومجيئها تتخايل أمامه ، كأنه يشفق عليها مما ينتظرها بعده .. بعدما أوصل أختيها إلى أول درجة من سلم بر الأمان ..

 

اليوم آن لها أن تفهم كل شيء ،

أن تفك طلاسم كانت غائبة عن وعيها ، وإن لم تغب أبدا عن سمعها ..

الآن تدرك سر لهثانه المتصاعد ، وسر خوف أمها وتخويفها الدائمين ، وسر النظرة المتألمة المترعة بالحزن والشفقة ..

اليوم يمكنها أن تصدق أن الموت حقيقة ، وأنها غدت يتيمة ،

في تلك اللحظة اكتمل معنى الكلمة التي قرأتها كثيرا في دروس القراءة أو في كتاب الدين ، كلمة جافة بلا معنى يتعدى حدود حروفها ، الآن فقط أصبح اليتم في وعيها حياة كاملة له ظلال وأبعاد ..

 

        ذاك اليوم مع نسمات الصباح الأولى كنت هناك .. تدمع عيناي لمرآها بوجهها الأبيض الشاحب شحوب الموتى،فبياضه يذكرني بالأنيميا أكثر مما يذكرني بالجمال . وشعرها الأصفر الأشعث من فعل مصائب متلاحقة عدة .. لا أدري لمَ رأيت في لون شعرها الصحراء ولمْ أرَ الذهب ؟

لم أشفق على أختيها فقد كانا يفعلان كل ما يمكنهما فعله في تلك المناسبة الخالدة .. تدقان الأرض وتلطمان الخدود وتصرخان وتولولان ، ولم أسمح لنفسي أن أنظر هل شققن الثياب أم لا .. كانا يفرّغان ..

أما هي فقد كانت تختزن كل تفاصيل الحزن والألم اختزانا ..

 

في الليل بُعيْد صوان العزاء كان الهمس يدور ..

ستتزوج البنتان لا شك .. مسكينة دعاء .. لم تكمل صفها الرابع الدراسي .. مستقبلها يكتنفه الغموض .. هل تخرجها أمها من المدرسة ؟ أم تدفع بها إلى مدرسة الحكيمات لتصبح حكيمة في مستشفى ؟ لكن كيف لها أن تصمد أربعة سنوات أخرى أمام نفقات التعليم ؟؟؟؟

 

اليوم بعد اثني عشر عاما من المشهد أدركت أن دعاء كانت تختزن الحزن والألم لكنها لم تكن تختزن اليأس ..

لقد حولت كل ما اختزنته من طاقة إلى عزيمة وأمل وقبس من نور في ليل المحنة الطويل الحالك ..

وزحفت على بطنها في طريق النبوغ ،

في الابتدائية كانت الأولى على مدرستها دون درس خصوصي واحد ! ..

اعتصر تفوقها الواعد قلب أمها فغير مسار تفكيرها، فتوكلت على مولاها ولم تجد بدا من إلحاقها بالتعليم العام ، مشفقة هي من اللغة الإنجليزية ودروس الرياضيات ، وتجاربها السابقة مع أختيها .. لكن حرام أن تسجن الأمل في صدر الصغيرة ، ( ودعاء ) لها رب سيرعاها حتما ..

وعاد التفوق النابه يصارع فلول الخوف والإشفاق عقب نتيجة المرحلة الإعدادية ، فحق لدعاء أن تتنفس الصعداء وقد كسبت معركة حياتها والتحقت بالثانوي العام ..

 

مضت اليتيمة التي هدها الهزال ، وأرهقها الجوع ، وأشحبتها الأنيميا .. مضت في الطريق وحدها ، بلا مساعدة دراسية على الأشواك ، حتى أذهلت كل من يعرف أسرتها وظروفها حين حصلت في الثانوية العامة على مجموع يؤهلها للالتحاق بكل كليات القمة دون استثناء ..

في كلية الصيدلة بدأ نبوغها الباهر وتفوقها الملحوظ يلفت نظر رفاقها عن رقة حالها وضعف جسدها وتواضع ملابسها ..

 

أتساءل : كم طالب يحصل في كلية الصيدلة على امتياز كل عام ؟

وأتساءل كم من هؤلاء ابنا أو ابنة لأستاذ في الجامعة ؟ وكم منهم يأخذ قرصا في كل مقررات الدراسة ؟ وكم منهم سافر لأوربا أو أمريكا لتقوية لغته الأجنبية ؟ وكم منهم لم تسعفه الحال ، فاكتفى بالالتحاق بأكسفورد ؟

لكن دعاء التي تسافر إلى الجامعة في قطار الصحافة كل يوم ، وتمضي إلى كليتها في حذاء لم تبدله منذ ...

حفرت لنفسها مكانا بين هذه النخبة بوجهها الريفي الشاحب الذي تؤطره طرحة باهتة الألوان وملابسها الساذجة البسيطة التي تزيد من شعورك بريفيتها رغم أنها من أبناء المدينة ..

ترى ماذا اختزنت دعاء من ذاك اليوم البعيد ؟ وكم دعاء نملك في حياتنا ؟

 



[1] - منقولة من واقع الحياة وليس لي منها سوى الصياغة ، فدعاء التي شرفت بالكتابة عنها هي ابنة عمتي

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.