جلـبــاب أبي.. في قيظ الحر أتسلل على أطراف أصابعي بعد أن ألقي نظرة حذرة على أمي وهي منهمكة بإعداد الطعام ، أطمأن نفسي : لن تغادر المطبخ قبل الثانية وعشر دقائق موعد حضور أبي اليومي ، هذا موعد نضبط ساعات البيت عليه ، أستمر في تسللي إلى غرفة نومهما حيث الكتاب المحرم ، وكلها كانت كتبا محرمة .. بين الثانية عشر والرابعة عشر من عمري أستعير – والاستعارة هنا لفظ في غاية التهذيب فاستعارتي دائما بدون إذن – كتابا عن علاقة الإخوان بالثورة ، أو الدولة الدينية أو المرأة في الإسلام للتلمساني .. أخرج من الغرفة متسللا على أطراف أصابعي كما دخلتها ، وربما وضعت الكتاب بين ثنايا ملابسي وخرجت متظاهرا بالبراءة متصنعا أنني كنت أؤدي الصلاة ، فصلاتنا جميعا كانت في هذه الغرفة على وجه الخصوص .. أدلف إلى سريري ، وأمنح نفسي فرصة ساعتين يوميا للقراءة بنهم ، بينما تظنني أمي أقرأ لغزا للمغامرين الخمسة (تختخ وعاطف ونوسة ولوزة ومحب ) أو مغامرة من مغامرات ( الشياطين الـ 13 )، بينما أنا منغمس في تلذذ في مغامرات أكبر من ذلك قليلا .. وأحيانا ، إن لم يكن غالبا تكتشف أمي الحقيقة ، فتكافؤني بمزيد من وعيد ، أما أبي فيناله نصيبه ، إذ أنه على وشك تلويث عقل ابنه بما يصعب تكيفه مع الواقع .. ولم يكن أبي يكف عن إحضار الكتب المحرمة ، ولم أتوقف يوما عن التسلل ولو بحيل أخرى أكثر حبكة .. تنساب ذكرياتي الباسمة بحنوه وطيبة قلبه التي تفوق الحد وتستوعب كل أحد .. فأراني في مرحلة تالية حين تدلهم الخطوب أستمد ثباتي من بعض ثباته ، موظف بسيط ربما لم يكن يؤبه له ، إذا اختبر في الحق صمد ، ولقد جربت صموده في كل مرة ساوموه عليّ .. فأُسند ظهري على سد منيع ، وكأنني ابن وزير ! ماذا يمكن أن يصنعوه بي ما دمت مطمئنا إلى رضا أبي ، أو بالأحرى عدم غضبه علي؟؟؟ كانوا يخوفون زملاءنا بحضور آبائهم ، وحدي كنت أخوفهم بحضوره .. ربما لم يتنبهوا لهذه الحقيقة إلا بعد حين .. بعدها قرروا تأديبي في معزل عنه .. فلربما يحتاج هو أيضا إلى إعادة تأهيل للمجتمع ! حينما تنقلب المسؤولية إلى صداقة .. وتتحول الصداقة إلى احترام متبادل ، والتقدير ينبني على الأهداف العليا المشتركة وإن تغايرت الوسائل .. بين حكمة كهولة نقدرها ونجلها ونحترم تجاربها الطويلة المريرة ، وبين اندفاع يثير إعجاب يخالطه شفقة وإحساس بالمرارة وشيء من خوف قليل .. زادت صداقتنا حينما تحررنا أكثر من سطوة الرقابة الحانية في صرامة ، المحبة في حزم .. وصار الذي كان يتسلل بالأمس على أطراف أصابعه ليقرأ صفيحات في كتاب محرم ، يدخل البيت حاملا كتبا بحجم : أحداث صنعت التاريخ – البوابة السوداء ومذكرات عبد المنعم عبد الرءوف : أنزلت الملك فاروق عن عرش مصر ، وقال الناس ولم أقل في عهد عبد الناصر ، وأيام مع السادات و... و...و... وصرنا نتناوب على قراءتها تناوبا ثلاثيا ، فشقيقي الأوسط هو أكثر من ورث عن أبي نهم القراءة .. في أحد جلبابين ورثتهما عنه أحيا أجمل لحظات حياتي ، لا أشعر بمثل تلك الراحة التي أستشعرها حين ألبس أحدهما كأنني أتلبس شخصية أبي .. ثماني سنوات مرت منذ آثرتني أمي بهما .. ضنين أنا بهما على البلى . فكلاهما جلباب أبي .. أمنية حياتي أن أعيش في جلباب أبي .. أستنسخه في ذاتي المعذبة ، أستلهمه في نفسي الطموحة الجامحة .. من لي بقلب كقلب ذاك الموظف البسيط وقناعته ، كنزه الذي لم يفنَ ؟ آماله دائما في حدود إمكانياته أو أقل قليلا .. حياؤه الجم حين يخفض بصره إلى الأرض وتحمر وجنتاه ولا يحد النظر ولو إلى أبنائه حياءً، أما حياءه تجاه كلمة حب أو ثناء تذكر له ، فلا أملك وصفا لها أو تصويرا .. وفاءه النادر أو وفاءه الجميل .. في حياته ميزت عاطفتين.. حبه لبيت الله الحرام ، وهيامه برسول الله صلى الله عليه وسلم .. حكي لنا غير مرة كم اجتهد في شبابه أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ، كان يجرب كل وصفة تقبلها نفس تطمئن للسنة وتفر من البدعة ، قبيل النوم شوقا للقائه .. لعل الله ادخر أمنيته العذبة ليوم يشرب من يديه .. كم مرة سالت دمعات خجلى على وجنتيه وهو يسمعني أحكي عن موقف من مواقف السيرة .. أما المسجد الحرام فقد كان متيما به .. حسبه أنه مات في طريقه إليه.. ليتني أعيش في جلباب أبي ! فهل يمكن لنفسي أن تهنأ في ظل القناعة ، أم أنني ورثت الطموح عن نصفه الآخر ؟ أعجب ما رأيت منه – رضي الله عنه – هو احترامه النفسي لأبنائه ، وكأنه قد اطمأن على اختياراتهم في الحياة ، أو هكذا خيل لي تجاه نفسي على الأقل .. ومن احترامه لي احترمت نفسي وعرفت لها قدرا ، بالغت في تقديره ، فهو أكثر من التواضع ، وآمل أن يكون أقل من الغرور .. لم يؤذن لي فيرى ( سميه )[1] الذي هو ابني .. ولا أن يقرأ حرفا مما أكتبه له منشورا ، في بعض الصحف .. أنا الذي ما تمنيت يوما الكتابة إلا من أجله ، ولا أحببت تلك المهنة إلا لتقديره الجم لصاحب الكلمة الطيبة ! مازلت إلى يومنا هذا أكتب له .. له وحده .. أشعر أنني بلا قراء ولو عدوهم بآلاف ، ما لم يكن هو أولهم ! أريد أن أعيش في جلبابه بعد ثمان سنوات منت علي أمي تارة أخرى ، فآثرتني بتحفة ثمينة ، لعلها احتفظت بها كل هذه السنوات تذكارا منه .. ثم سلمتني إياها .. سلسلة مفاتيحه البسيطة التي تمثل كنز حياته.. القناعة .. ما زالت معي كنوز ورثتها عنه ،أحيا بها .. جلبابان ، لا أشعر براحة تقارب راحتي في أيهما ، وسلسلة مفاتيحه ، وثوبه الذي مات فيه على طريق الحرم ..
.
.
الاثنين, 16 اكتوبر, 2006
أضف تعليقا
اضيف في 16 اكتوبر, 2006 03:07 م , من قبل علاء سعد
من المملكة العربية السعودية
من المملكة العربية السعودية

أختي جينا
شكرا جزيلا لك
شهادتك وسام لي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.










السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخى الكريم
احييك على مدونتك الرائعة بمعنى الكلمة وعلى ما تحتويه من مقالات شيقة
مثل هذا المقال الممتع والذى رغم طوله لم استطيع تحويل نظرى عن الشاشة الى ان انهيته
وفى انتظار جديدك دائما
لك ارق التحايا
اختك جينا