القلم
خواطر الفكر والأدب
.
.

علمانيون لا شيعة

  

علمانيــون لا شـــيعة

 

بعض الصحف المستقلة والمستاءة من تكرر الإساءات وتضافرها وتواكبها ضد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين ، تصف مسلسل الإساءات بالحملة الشيعية ، أو المدعومة من الشيعة فكرا وتمويلا ، فيما اعتبرته اختراقا شيعيا للمشهد الثقافي المصري ..

 

والحقيقة أن هذه الحملة هي حملة علمانية خالصة لا تشوبها شائبة من شيعة أو سنة ، فهي حملة لا تستند إلا إلى المرجعيات العلمانية وحدها ، ولتحقيق أهداف علمانية خالصة ..

 

العلمانيون لا يهمهم من قريب أو بعيد نصرة مذهب إسلامي على آخر ، ولا تعنيهم قضية أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها ، ولا الانتصار لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وإنما تتلخص أهدافهم وتتركز حول :

 

1 - التشكيك بالثوابت الدينية  وزعزعة الثقة في كل الرموز والقيم والثقافة الدينية بوجه عام

 

2 - نزع القداسة عن كل ما يعتقد المتدينون أنه مقدس بالنسبة لهم ..

 

والحقيقة أن معركة العلمانية الأولى هي ضد المقدس ، إذ خلاصة نظرة العلمانية للمقدس باعتباره منافٍ للعقل وغير قابل للتجريب ، وهو بالتالي تصديق بالغيب الذي لا تؤمن به العلمانية التجريبية إجمالا ، وترى فيه نوعا من أنواع التحكم والإرهاب والسيطرة على حرية التفكير والبحث المجرد..

 

والعلمانييون في معركتهم هذه باسم  ( العلمانية المقدسة ) في نفوسهم ، يتسقطون كل ما يجدونه مطعنا على مقدسات المسلمين وتاريخهم، لا فرق عندهم في ذلك بين كتب الغلاة من الشيعة – وكثيرون من الشيعة معتدلون – وبين كتب الحاقدين من المستشرقين – وبعضهم منصفون - ، أو آثار الإسرائيليات المُحرِفة الموجودة في بعض الكتب هنا أو هناك .

 

 ولعل الجديد في تلك الحملة الجديدة هو عزوفهم المؤقت عن افتراءات حاقدي المستشرقين ، لتهاوي دعاويهم وتهافت حججهم ، وإعراضهم عنها إلى كتابات غلاة الشيعة، وكأنهم بذلك وجدوا ضالتهم في ضرب الفكر الإسلامي بعضه ببعضه ..

 

وباعتباري واحد من أبناء المدرسة الحديثة في الفكر والتعليم والثقافة، لطبيعة تعليمي ومؤهلي ومجال عملي المدني لا الشرعي – وإن كان الأمر لا يقبل هذا التقسيم والتمايز فكلاهما مدني في دين لا يقبل بالكهنوت -  فإنني لا أملك أدلة ولا علم علماء الشرع ، ولا طريقة طلاب العلوم الشرعية من أزهريين وغيرهم – على امتداد العالم المسلم - في الرد على مثل هذه الحملات ..

ولذا فأنا مضطر أن أسير على نفس نسق التفكير العلمي والعقلاني لتفنيد أسس هذه الحملة العلمانية الشعواء على مقدساتنا وثقافتنا وتراثنا وتاريخنا الإسلامي ، فنقول لهؤلاء العلمانيين ومن يسير في ركابهم : تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ، فإن لم ترتضوها سوى في العقل والمنطق بعيدا عن كل ما هو مقدس ، فهلموا إلى الاتفاق على ما يمليه علينا العقل والمنطق ومنهج البحث العلمي في قضية تاريخ المسلمين :

 

1 – الوقائع في العلم لا تثبت بتسقط الأخبار ولا بالروايات المرسلة على عواهنها ، ولا يمكن اثباتها إلا بوسائل الثبوت العلمية القطعية ، وهو منهج أهل العلم المسلمين في التوثيق والتضعيف والقبول والرد ، وهو منهج علمي موضوعي غير منحاز ، يخضع لمقاييس العقل والمنطق .. وهو أهم المناهج في رد كل ما يخالف العقل والمنطق من أكاذيب تلبس لبوس النصوص الشرعية وتتمسح بعباءة الدين .

 

 وإذا تتبعت بعض تلك الروايات المشبوهة ، عن كرام الصحابة رضوان الله عليهم وجدتها تستند إلى روايات مرسلة ، وإلى كتب مبهمة غير مؤصلة ، لا في المتن ولا في الهامش – وهي بالمناسبة متون لا هوامش لها – مثال ذلك ما يقوله ابراهيم عيسى عن الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة : " ... وصمم المغيرة أنه كان مع زوجته وهي واقعة من أغرب وقائع التاريخ الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب وتروي بعض كتب التاريخ أن سيدنا عمر قد حاصر الشهود حتى أربكهم.... " عدد هذا الأسبوع من جريدة الدستور نقلا عن صحيفة المصريون الإلكترونية بتاريخ 12/10/2006م .

 

ولم يذكر لنا الكاتب ، ماهية كتب التاريخ تلك التي ذكرت هذه الواقعة ، مع أنني وأنا طالب العلم المدني لا أكتب خواطر وانطباعات خاصة لأضعها في مدونتي الشخصية محدودة الانتشار والأثر والتأثير ، إلا إذا وثّقت كل معلومة وردت بتلك الخواطر باسم المصدر ورقم الصفحة ورقم الطبعة واسم الناشر ! وهي أول أبجديات البحث العلمي والموضوعي..

 

وعندما أصف تلك الروايات بالمشبوهة ، فأنا لا ألصق بها تلك الصفة جزافا ، ولا لأنها تنافي ثقافتي الإسلامية وثقتي في رموز المسلمين وخير قرونهم ، ولكنها مشبوهة من جهة منطق البحث العلمي الذي لا يعترف سوى بالثابت من الوقائع ، الموثق من الأخبار ،المبني على روايات منضبطة بضوابط بحثية .

إن علماء المسلمين وهم يضعون منهج البحث العلمي ، في التأصيل والإسناد ،والجرح والتعديل ، و تتابع الرواة ، وإمكانية أخذهم عن بعضهم البعض شفاهة – بالاستماع المباشر والمقابلة الشخصية – أو تراسلا عن طريق توثيق حياتهم في زمن واحد ، إنما كانوا بذلك يضعون أهم مناهج البحث العلمي على الإطلاق التي تنقي التاريخ – أي تاريخ – من الزيف والتزوير .   

 

2 – لا نقبل بالمبدأ التبريري الذي يبرر الأخطاء ولو كانت لأسماء لها هالة من القدسية والتقدير ، لا لأن العلمانية تطالبنا بذلك ، ولكن لأن هذا منهج الإسلام ، والقرآن الكريم مليء بالتصويبات لبعض أفعال الرسل عليهم السلام ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالقرآن الكريم الذي يصوب موقف يونس عليه السلام وسأمه قومه وهجرته لهم مما عرضه لابتلاع الحوت ، وتعليمه لنوح عليه السلام بأن ابنه ليس من أهله إنه عمل غير صالح ، وتوبة موسى عليه السلام من قتله نفسا من عدوه قبل أن يوحي إليه ربه ( فعلتها إذا وأنا من الضالين ) ،  وتنزيله سورة كاملة من القرآن الكريم اسمها سورة ( عبس ) ، تعاتب نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في تقطيبة جبين في وجه أعمى لا يراها ، وقوله تعالى لنبيه في مطلع سورة الأحزاب ( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ) ، ثم يقول له في السورة نفسها ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه .. الآية )الأحزاب 37 ، والله تعالى يوجه الأمة وجيل الصحابة رضوان الله  عليهم في يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم ، وفي غزوة أحد حيث تتحرج المدرسة التبريرية من تسميتها هزيمة ، فتسميها سجالا بين المسلمين وعدوهم ،ولهم في ذلك منطق أن قريش لم تجنِ من وراء الغلبة العسكرية المؤقتة أي نتائج حاسمة ،فلا هي قتلت النبي ، ولا هي دخلت المدينة ، ولا هي استأصلت شأفة الإسلام ، بينما الله تبارك وتعالى يسميها ( مصيبة ) ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) آل عمران 165 ،

فمنهج القرآن الكريم أن الحق لا يعرف بالرجال ، ولكن الرجال يعرفون بالحق ، والحق أحق أن يتبع ، ومنهج الإسلام أن البشر خطاؤون وخيرهم التوابون الرجاعون إلى الحق.

 

3 – عصمة وقدسية الصحابة قدسية جيل وفترة تاريخية ، وليست عصمة وقدسية أشخاص ، فالشخص يصيب ويخطئ ، ولكن الجيل والمجموع لا يقر الخطأ ولا يمضى به إلى منتهاه ، ولا أقصد بهذا أن انفي الخيرية ولا الفضل ولا العدل ، عن آحاد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فهم خير قرون هذه الأمة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم خير قرون الأمة بأفرادهم ومجموعهم ، وأن منهم الرجل لو وزن إيمانه بالأمة على مدار تاريخها لرجح إيمانه – أبو بكر رضي الله عنه - .

 لكننا لا نستطيع كذلك أن ننفي صفة الخطأ عن الصحابة رضوان الله عليهم ، فهم بشر تنطبق عليهم صفات البشرية ، ومنهم من أخطأ ، ولولا أخطاؤهم رضوان الله عليهم ما تعلمت الأمة ، ولا أنزل الله تعالى آيات بينات تعالج تلك الأخطاء ، ولا سمعنا بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم من خلال توجيهه لهم بعد الخطأ ، ولكن مجموع الصحابة رضوان الله عليهم لا يقرون بالخطأ ولا يمضونه ولا ينفذونه ،

فلا يجعلنا تسقط خطأ من هنا أو هناك أن نتشكك في خيرية خير القرون ،

ومنهج الإسلام يقرر بعض الأخطاء الفردية للصحابة رضوان الله عليهم من أمثلة موقف ماعز والغامدية – وأسامة بن زيد الذي تشفع في حد من حدود الله – وأبو ذر الذي عير بلال بابن السوداء فقال له النبي إنك إمرؤ فيك جاهلية ، وحادثة حاطب بن أبي بلتعة قبل فتح مكة – وإقامة حد القذف على الصحابي الجليل حسان بن ثابت شاعر الرسول – والثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم حتى تاب الله عليهم ..

 

هذه أمثلة لأخطاء بشرية فردية ، لم تنفِ صفة الخيرية عن الجيل ولا عن الأفراد ، لأنها إنما كانت أخطاء عابرة ، سرعان ما رجعوا عنها ،عندما تبين لهم وجه الحق ،ووجههم القرآن الكريم أو الرسول الأمين ، فلم يصروا على ما فعلوا ، ولا هي أخطاء لازمتهم مسيرة حياتهم ،  

والأخطاء التي حدثت في غزوة أحد ، لم تنف الخيرية عن الأمة ولا عن المجتمع المسلم ، إذ أثبت الله تعالى ولايته لهم وعفوه عنهم ، رغم تقريره لكثير مما في نفوسهم ، فمنهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة ، وبعدما وصفهم – لفعل طائفة منهم – بالعصيان والتنازع والفشل ، لأنهم وإن كانوا استحقوا الهزيمة بفعلهم هذا ، إلا أنهم لم يستحقوا المحق أو الخروج من دائرة رحمة الله ، ودين الإسلام لا يعترف بمبدأ خطأ لا يغتفر ، فكل الأخطاء تغتفر عند الله تعالى بالتوبة منها والندم عليها والإقلاع أو العدول عنها ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ).

 

من كل ما تقدم نقرر أن خطأ فرديا بشريا واردا لا يمكن أن يكون مدخلا للتشكيك في ثوابت الدين ولا ثقافتنا الإسلامية ، ولا طعنا في تاريخنا المسلم ، ونحن إذ نثبت للصحابة الكرام عدولهم وخيريتهم ، لا ننزلهم منازل الملائكة الذين لا يخطئون ، ولا ننفي عنهم بشريتهم التي أثبتها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) الكهف110 ، لكننا كذلك نجزم بأنهم لا يجتمعون على باطل ، ولا يمررون منكرا أو ضلالا . وأن ما أتفق عليه مجموعهم هي معالم ديننا التي نتعبد الله تعالى بها .

 

 

4 – دعوة منصفة للعلمانيين وغيرهم لقراءة التاريخ الإسلامي من مصادره الأصلية بعيدا عن قراءات الغلو أو التشويه ، ثم ليحكموا بأنفسهم ومن منطلق العقل وحده على العلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية بين أهل التاريخ ..

 

إن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها يبرؤها الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ويشهد لها ويترضى عنها ، ويقول عنها:" إنما هي زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة" ، ويقول : "صدقَتْ والله وبرَت" ، وهو يذكر كل هذا في أعقاب وقعة الجمل ، وهذه نصوص ثابتة في كتب التاريخ الموثقة من أقوال علي وعائشة وغيرهما من كبار الصحابة في تلك المواقف الملتهبة ( راجع باب خلافة علي في كتاب جولة تارخية في عصر الخلفاء الراشدين للدكتور محمد السيد الوكيل ص501، ومجموعة التاريخ الإسلامي للدكتور طارق السويدان ، كل ذلك موثقا عن كتب التاريخ الموثقة مثل طبقات بن سعد الكبرى ، وتاريخ الطبري ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ، بن الأثير ، بن كثير ، وغيرها )[1]

 

5 – دعوة للشباب العاقل بالتثبت وتحري منهج التوثيق والتضعيف والجرح والتعديل في تلقي مختلف الكتابات عن ثوابت الأمة وما يشكل ثقافاتها ووجدانها ، باعتبار المنهج العملي هو وسيلة التحصين الأولى ضد المرجفين في كل عصر ومصر ، مصدقا لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الحجرات7

 

علاء سعد حسن



[1] - جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين دراسة وصفية تحليلية لأهداف تلك الفترة للدكتور محمد السيد الوكيل ، دار المجتمع للنشر والتوزيع

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.